أرشيف المقالات: مقالات

همسات نفسية – 98 – التبول اللاإرادي

12

همسات نفسية – 98 –
التبول اللاإرادي

من الأمر الطبيعي أنه عندما يكمل الطفل السنة الأولى من عمره ويخطو خطواته الأولى يبدأ بالتجاوب التدريجي مع التدريب على التحكم في البول والإخراج، وعادة ما يسيطر الطفل أولاً على الإخراج نهاراً وليلاً ثم التبول نهاراً وأخيراً التبول الليلي، ولكن على عمر السنتين تكون نسبة كبيرة من الأطفال قد سيطرت على الإخراج، وعلى عمر الثلاث سنوات تكون النسبة الكبرى من الأطفال قد سيطرت على التبول الليلي، وتبقى نسبة من الأطفال تكرر التبول بين الفترة والأخرى حتى سن الخامسة. وعلى سن الخامسة يعتبر التبول الليلي أللإرادي مشكلة بحاجة لعلاج وعند هذا السن يكون 10 % من الأطفال ما زالوا يتبولوا ليلاً، بشكل يومي أو متقطع، والأولاد يعانوا من هذه المشكلة أكثر من البنات عادة، كما أن هذه المشكلة تتكرر في العائلة الواحدة لوجود بعض التأثير الوراثي على حدوثها وقد يجتمع في نفس الأسرة عدة أطفال في آن واحد يتبولوا ليلاً وعلى سن العاشرة يكون 5% من الأطفال ما زالوا يتبولوا ليلاً .

هناك فئة من الأطفال تكون قد سيطرت على التبول تماماً في سن مبكرة، ولكن بعد سنة أو أكثر وبعد حدث هام في الحياة يؤثر على الطفل يعود الطفل للتبول من جديد، وهذا النوع من التبول لاإرادي يسمى التبول الثانوي بعكس التبول الذي يستمر منذ الولادة والذي يسمى التبول الأولي، والأحداث التي تؤثر على الأطفال عادة وتؤدي بهم للعودة للتبول عديدة ولكن أهمها ولادة طفل جديد في الأسرة، أو وقوع خلافات ونزاعات عائلية وزوجية، وسواء كان التبول اللاإرادي أولياً ممتداً أو كان ثانوياً جاء بعد فترة جفاف، فإن أسوأ ما يمكن إتخاذه من إجراءات هو التهديد والتخويف وما تقوله بعض الأمهات لأطفالهن من التهديد باستعمال النار والفلفل والضرب، وقد يستعملنه أحياناً وفي بعض الحالات تصبح هذه المشكلة موقع تهكم وإطلاق الألقاب والتسميات على الطفل من قبل الأسرة، وقد يصل الأمر إلى المدرسة ويجعله أضحوكة بين إخوانه وأبناء الجيران والأقارب، وتتأثر بعض نشاطات الطفل عندما يصبح بسن العاشرة أو الحادية عشرة فلا يستطيع إن يخرج من البيت لينام عند أقاربه أو يذهب برحلة مدرسية أو غيره من النشاطات التي تتطلب النوم خارج البيت و إحتمال التبول .

برأيي أن حل هذه المشكلة يبدأ بعرض الطفل على طبيب الأطفال للتأكد من عدم وجود خلل عضوي في الجهاز البولي أو العصبي وهو نادر الحدوث ، وبعد ذلك تبدأ المعالجة بالتوقف عن كافة العقوبات والإجراءات القمعية والإكتفاء بلوحة النجوم، وذلك بوضع ورقه باليوم والتاريخ ووضع نجمة ملونة لكل يوم يصحو فيه الطفل جاف. وخلاف ذلك لا توضع نجمة. وإذا كان هناك أكثر من طفل في العائلة يعاني من هذه المشكلة فمن المفضل إستعمال لوحة في غرفة الأطفال وفي كل صباح توزع النجوم عليهم أو يحرموا منها حسب بلل الفراش أو عدمه، كما يكلف الأطفال بالمساعدة في تغيير الملابس والأغطية الفراش، ويتم الإتفاق مع الطفل على بعض المكافأة التي تتطلب عدداً من النجوم ، كأن نقول له سنشتري لك اللعبة التي تريدها إذا حصلت على خمسين نجمة، أو أن الذهاب في رحلة يتطلب 10 نجوم وهكذا. وفي كثير من الحالات يتجاوب الأطفال مع هذه الإجراءات، ولا داعي للتشدد في منع شرب السوائل مساءاً لأنها لا تؤثر كثيراً مثلما يتخيل بعض أولياء الأمور، وبالطبع هذا يعني أن تكون السوائل بكميات معقولة دون مبالغة.

إذا لم تفلح الإجراءات البسيطة في حل هذه المشكلة ولم تتحسن الأمور مع الوقت، فلا بد من خضوع الطفل للعلاج، والعلاج بسيط وسهل، وقد يشمل على قرص أو قرصين كل مساء، ويستمر من ستة شهور إلى سنة بعد التحسن ولا يسبب أي مشاكل أو أعراض جانبية طالما أعطي من قبل الطبيب وحسب إرشاداته. وقد يستغرب البعض إن هذه الأقراص نفسها تستعمل في الكبار كمضادات كآبه، أما في الأطفال فإنها تستعمل لعلاج التبول اللاإرادي، وهي ليست من المهدئات ولا تؤدي إلى النعاس بل على العكس فإن معظم هؤلاء الأطفال يكون نومهم ثقيل أصلاً ومع العلاج يصبح أخف و يتمكنوا من الإستيقاظ في الليل للذهاب للتبول بالشكل الطبيعي، وهناك فئة من الأطفال قد لا تتجاوب مع هذه الأدوية و يستعمل لهم أحد الأدوية التي تقلل من إدرار البول خلال الليل ويعطى على شكل أقراص أو بخاخ في الأن، ومن المؤكد أنه خلال المعالجة الدوائية تستمر الإجراءات السلوكية والأسلوب الصحيح في التعامل من قبل الأسرة فهي تكمل بعضها البعض .

همسات نفسية -2081- المرأة المطلقة

12

همسات نفسية -2081-
المرأة المطلقة

مع الأسف الشديد فإن المرأة التي مرت في مشاكل زوجية متنوعة ووصلت للطلاق، يتعامل معها المجتمع بطريقة غريبة وقاسية، مع أن الرجل وهو شريك في المشاكل والطلاق لا ينظر اليه بنفس الطريقة، وهذه الظاهرة الاجتماعية تؤثر على المرأة بشكل واضح وتضع عليها ضغوط كبير من الأسرة والمجتمع فوق المعاناة التي مرت بها من مشاكل الزواج ثم الوصول إلى الطلاق، وتلقي النظرات السلبية والضغوط اليومية، فلابد من أن يكون لديها التحمل لكل هذا وإلا فستتأثر نفسياُ وتضعف، وقد تصاب بالإكتئاب والقلق النفسي وقد تحاول الانتحار.
ولابد هنا من مراجعة الموقف الاجتماعي من المطلقة، ومطالبة الجهات الفاعلة في المجتمع وعلى رأسها المنابر الدينية من توجيه الناس للتعامل بلطف مع المرأة التي مرت بهذه المعاناة، كما أن الأساليب التربوية يجب ان تضع احترام المرأة المطلقة من أولويات المجتمع.
والمرأة عندما تتعرض للمتاعب الزوجية وتصل للطلاق، لابد أن تعرف أن الطلاق قد يكون وضع حد للمعاناة من المشاكل الزوجية ولكنه جاء بمعاناة جديدة، وضغوط من نوع أخر، وهناك عدة أساليب في ردود الفعل المرأة المطلقة الأسلوب الأول هو الاستسلام واعتبار الطلاق نهاية الحياة والعيش على الهامش، وهذا الأسلوب الأسواء الذي سيؤدي إلى مضاعفات نفسية كبيرة.
أما الأسلوب الثاني فهو التحدي والرد على النظرة الاجتماعية رداً شديداً، وتتحدى كل الخطوط والحدود التي يحاول المجتمع وضعها امام حياة المرأة، وهذا الصدام يكون مرهق وعنيف ولا داعي له.
أما الأسلوب الثالث وهو التكيف بالتدريج مع هذا الوضع بداية الانتهاء من أثر الخلافات الزوجية وترتيبات الطلاق ورعاية الأبناء، ثم التعامل مع الحياة الجديدة وتقبل بعض الحدود البسيطة التي يفرضها المجتمع دون تحدي أو صراع، ولكن رفض التجاوز على حقوقها كإنسانة لها حرية وكرامة، ودون جدل، بل بإعطاء المثال الصحيح للسلوك السوي الي بنفي الاتهامات التي توجه للمطلقة، وقد تحتاج المرأة للمساعدة في هذا الأسلوب من الاسرة والصديقات وأحياناً من أصحاب الاختصاص، ولا شيء يقف امام حياة سعيدة لأي أمراه مرت بهذه التجربة.
مستشار الطب النفساني
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية 2080- الإعاقة العقلية Mental Handicap

12

همسات نفسية 2080-
الإعاقة العقلية Mental Handicap

يعّرف التأخر أو التخلف أو الإعاقة العقلية بتوقف أو عدم اكتمال تطور ونضوج العقل، مما يؤدي إلى نقص في الذكاء، لا يسمح للفرد بحياة مستقلة أو حماية نفسه ضد المخاطر أو الاستغلال.
ويشكل التأخر العقلي مشكلة إجتماعية كبرى فالطفل لا يتطور مثل أقرانه ولا يستطيع الانتظام في المدارس العادية، مما يؤدي لخيبة أمل الوالدين ورفضهم وإنكارهم للتشخيص مما يؤخر في مساعدة الطفل.
ويمر الطفل الطبيعي أثناء تطوره بمراحل مختلفة، فيستطيع رفع رأسه في سن 4 شهور، ويجلس دون مساعدة على عمر 6 شهور، وثم يزحف في عمر 9 شهور، ويستطيع الوقوف على عمر سنه، ويستطيع المشي بمفرده على عمر 18 شهر، وهنا يتحكم في عملية التبرز، ويبدأ في الكلام، ويليها التحكم في التبول على عمر سنتين، ويطعم نفسه في عمر الثلاثة، ويتمكن من لبس ملابسه في سن الخامسة.
أما في التأخر العقلي تتأخر هذه المراحل، بل وأحياناً لا يكتسبها الطفل إلا بعد فترة طويلة وقد لا يكتسبها أبداً.
وكون الإعاقة العقلية تصنف على أساس الذكاء فلا بد لنا من التعرف على مفهوم الذكاء.

الذكاء:
هو القدرة العقلية الفطرية العامة التي تساعد على التعلم بسرعة، واكتساب الخبرة في الأعمال الجيدة، وتطبيقها فيما يجد من أحداث، وإدراك العلاقة المهمة بين عناصر المشاكل المستجدة، مما يمكن الشخص من مواجهة المواقف الجديدة باستجابات ملائمة.
وتلعب الوراثة دوراً يشكل 70% والبيئة حوالي 30% ويقاس الذكاء بمعدل الذكاء (I.Q) وهو حصيلة العمر العقلي ÷ العمر الزمني X 100 وينمو الذكاء تدريجياً إلى سن 15 إلى أن يتوقف نموه على عمر 17 سنه وبناء على التوزيع الطبيعي بين الناس نجد أن:
معدل الذكاء 90 – 110 في 60% من الناس – متوسط الذكاء.
معدل الذكاء 110 – 120 في 15% من الناس فوق المتوسط.
معدل الذكاء 80 – 90 في 15% من الناس – أقل من المتوسط.
معدل الذكاء 120 – 140 في 15% من الناس ذكي جداً.
معدل الذكاء فوق 140 عبقري وهم 1% من الناس.

أما تصنيف الإعاقة العقلية فيكون على النحو التالي:
1- الإعاقة العقلية الحدية: ذكاء 70-80.
2- الإعاقة العقلية البسيطة: معدل ذكاء 55-70.
3- الإعاقة العقلية المتوسطة: معدل ذكاء 40-55.
4- الإعاقة العقلية الشديدة: معدل الذكاء 25 – 40.
5- الإعاقة الشديدة جداً: معدل الذكاء أقل من 25.

وانتشار الإعاقة العقلية يزيد عن 3% من الناس. ويتوفر العديد من إختبارات قياس الذكاء المقننة، وأشهرها مقياس بينه ومقياس وكسلر، وهي معَّربه ومقننه على البيئة العربية، ومفيدة في تحديد درجة الإعاقة.

1- الإعاقة العقلية الحدية:
وهذه الفئة لم تصل إلى الإعاقة ولكنها انخفضت عن المعدل الطبيعي، وبالتالي قد يجد هؤلاء الأفراد صعوبة في التعلم المدرسي، ولكن إذا كانوا في بيئة بسيطة قليلة المتطلبات كالمساعدة في الزراعة قد لا يظهر مشاكل كثيرة أمامهم، وكثيراً ما يقع هؤلاء الأطفال تحت ضغط الأسرة التي تصمم أنه ذكي وقادر على الدارسة لو أراد، وقد يحاولوا إيجاد مبررات أن ذاكرته ضعيفة أو أنه يحب اللعب ولا يحب الدراسة، ويرفضوا فكرة أن ابنهم له إمكانات محدودة ولا يستطيع تجاوزها والأجدر في هؤلاء الأطفال أن يتم الاستفادة من قدراتهم المتوفرة ويتوجهوا نحو أعمال يدوية بسيطة أو كعمال في الصناعة والزراعة، ويتم تدريبهم على المهارات الإجتماعية.
2- الإعاقة العقلية البسيطة:
هؤلاء الأطفال يكتسبون اللغة متأخرين بعض الشيء، ولكنهم يصبحوا قادرين على استخدام الكلام لمتطلبات الحياة اليومية، كالحوار البسيط، ويكتسبوا مع الوقت استقلالاً كاملاً في رعاية النفس (تناول الطعام، الغسيل، ارتداء الملابس، التحكم في التبرز والتبول)، وفي المهارات العملية والمنزلية، حتى إذا كان معدل التطور أبطأ من الطبيعي بكثير، وتظهر المصاعب الرئيسية عادة في المهام الدراسية الأكاديمية حيث يعاني هؤلاء الأطفال من صعوبة في تعلم القراءة والكتابة. ولكن هذه الفئة تستفيد فائدة كبرى من مراكز التربية الخاصة أو صفوف التربية الخاصة في المدارس العادية، ويمكن تدريب هؤلاء على العديد من المهن اليدوية، ويستطيعوا أن يعيشوا بصورة غير مستقلة تحت إشراف من الأسرة، وكثيراً يقوم الأهل بتزويج الشاب أو الفتاة ذو الإعاقة البسيطة على إعتبار أن الزواج هو حل، والواقع أنه لا يحل شيء بل يحّمل المعاق وعائلته مسؤولية غير بسيطة، وهذه الفئة تشكل 85% من الإعاقات العقلية.
3- الإعاقة العقلية المتوسطة:
الأطفال في هذه الفئة بطيؤون في تبلور فهم واستخدام اللغة، وإنجازاتهم المستقبلية في هذا المجال محدودة، ويتأخر اكتسابهم لرعاية أنفسهم والمهارات الحركية، وقد لا يتقنوها أبداً، ويحتاج هؤلاء الأفراد للرعاية الدائمة في مراكز التربية الخاصة ومراكز التدريب والأندية النهارية الخاصة بالمعاقين عقلياً، والرعاية الأسرية الدائمة، من النادر أن يتمكن هؤلاء الأطفال من إتقان بعض القراءة والكتابة، والمشاركة في أنشطة إجتماعية وترفيهية ورياضية بسيطة.
4- الإعاقة العقلية الشديدة:
هذه الفئة من الأطفال مستوى إنجازها وتطورها محدود جداً وغالباً ما تترافق هذه الإعاقة مع إعاقات جسدية وحسية مختلفة، وعدم قدرتهم على التعرف على الأشخاص من حولهم قد تشمل الوالدين والأخوة.
5- الإعاقة العقلية الشديدة جداً:
وهذا يعني أن هؤلاء الأطفال غير قادرين نهائياً على فهم وتنفيذ الطلبات والتعليمات، ولا يستطيعوا التحكم في التبرز والتبول، ونادراً ما يستطيعوا التنبيه لاحتياجاتهم كالطعام والماء، وهم بحاجة للمساعدة والرعاية الدائمة سواءاً في المنزل أو مراكز الرعاية الخاصة بالمعاقين عقلياً.

أسباب الإعاقة العقلية:
هناك أسباب عديدة ولكن في معظم الحالات وبعد إجراء الفحوصات الكاملة لا يظهر سبب الإعاقة، ولكن المؤكد وجود بعض التلف في الدماغ حتى لو لم يعرف السبب وأما الأسباب الشائعة فهي:
1- خلل في الكروموسومات: مثل متلازمة داون أو الطفل المنغولي وفيها إعاقة عقلية وارتخاء في العضلات وملامح مميزة وقد يترافق مع خلل في القلب.
2- الأمراض الوراثية: وهي أمراض كثيرة تنتج عن مشاكل في الجينات، مثل إضطرابات التمثيل الغذائي.
3- الإصابة أثناء الحمل: قد يتأثر الجنين ببعض الأدوية والكحول والمخدرات إذا تعاطتها الأم الحامل، وبعض الأمراض كالحصبة الألمانية إذا أصيبت فيها الأم قد تؤدي للإعاقة العقلية.
4- الإصابات أثناء الولادة: قد تتعسر الولادة وقد يؤدي هذا للضغط على رأس المولود، أو يتأخر الطفل بأخذ النفس مما يؤدي لنقص الأكسجين، وبالتالي تلف الدماغ وحدوث الإعاقة العقلية التي قد تترافق مع إعاقات جسدية أو حسية.
5- سوء التغذية: نقص في المواد الأساسية والفيتامينات خصوصاً في المجتمعات الفقيرة.
6- أمراض الغدد: وخصوصاً الغدة الدرقية إذ أن نقص إفرازها قد يؤدي للإعاقة العقلية.
7- التهابات الدماغ والسحايا بالأطفال.
8- إصابات الدماغ المختلفة في الأطفال.
9- أورام الدماغ في الأطفال.
10- العزلة بسبب تأثر الحواس كالعمى والصمم والبكم، مما يمنع اكتساب المعرفة والمهارات خصوصاً إذا اجتمعت أكثر من إعاقة في آن واحد.

المشاكل التي يواجهها المعاقين عقلياً:
هناك مشاكل عديدة تواجه المعاق وأسرته:
1- عدم القدرة على الالتحاق بالمدارس العادية، وصعوبة توفر مراكز تربية خاصة يؤدي لتحمل الأسرة أعباء كثيرة، قد تؤثر على رعايتها لباقي الأطفال الأصحاء.
2- نوبات الصرع: وهي نوبات من فقدان الوعي الكلي أو الجزئي مع تشنج في العضلات وانقطاع التنفس، وهذه النوبات بحاجة للمعالجة الدوائية بإشراف طبي.
3- إضطرابات سلوكية: كثيراً ما تترافق الإعاقة العقلية مع مشاكل السلوكية مثل إيذاء النفس والعنف وزيادة الحركة.
4- الإضطرابات النفسية: مع تقدم عمر المعاقين عقلياً تنتشر بينهم إضطرابات المزاج والذهان وإضطرابات القلق وهم غير قادرين على التعبير، وبالتالي تظهر هذه المشاكل على شكل إضطرابات سلوكية.

علاج الإعاقة العقلية:
ليس هناك علاج دوائي يرفع معدل الذكاء، وإذا كان سبب الإعاقة واضح ومعروف يمكن معالجته يتم ذلك، مع أن هذا قليل ولكنه هام، مثل إرتفاع ضغط سائل النخاع الشوكي، أو نقص إفراز الغدة الدرقية. ولكن الصرع والإضطرابات النفسية لابد من علاجها مثل العلاج في غير المعاقين، ويحتاج الأطفال المعاقين عقلياً لعدة أشكال من الرعاية:
1- التربية الخاصة: والتي تعني بوضع برنامج تعليمي تأهيلي للطفل المعاق بما يناسب إمكاناته وقدراته وعمره، وتتدَّرج مع تطوره.
2- الرعاية الإجتماعية: قد يحتاج هؤلاء الأطفال للرعاية الإجتماعية الكاملة من مأكل ومشرب ومنام وذلك في الحالات الشديدة والتي لا تستطيع الأسرة توفيرها، فبعض الأسر لديها أكثر من طفل معاق ومسكنها وإمكاناتها غير كافية.
3- حقوق الطفل المعاق: إن الطفل المعاق لابد وأن يتمتع بكافة حقوق الطفل من حياة كريمة وطعام وكساء وتدريب وحماية ورعاية، كما أن هؤلاء الأطفال مع تقدم أعمارهم ووصولهم سن الثامنة عشرة يكونوا بحاجة للرعاية القانونية، وهي الحجر عليهم من قبل المحاكم الشرعية أو الكنسية وتعيين وصي، يقوم بالإنفاق عليهم من حصتهم في ميراث والديهم.
4- مراكز التدريب المهني: هذه المراكز تقوم بتدريب الأطفال المعاقين تبعاً لقدراتهم في جو فيه إشراف وحماية.
5- الأندية: بعض المعاقين عقلياً قد يحتاجوا لهذه النوادي الإجتماعية والتي توفر لهم الترفيه والتسلية.
6- الإشراف الطبي: يحتار الناس كثيراً أين يتوجهوا لتشخيص الطفل المعاق، والإجابة واضحة أن الإعاقة العقلية تتبع الطب النفسي، وبالتالي فالطبيب النفسي هو الذي يشخص الإعاقة وينصح بنوع الرعاية، ويقدم العلاج الطبي والسلوكي إذا تطَّلب الأمر.
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية-2079- إضطراب التوحد Autism

12

همسات نفسية-2079-
إضطراب التوحد Autism

إنحراف في تطور الطفل يتضح قبل عمر الثلاث سنوات ويصيب على الأقل 1 من كل 1000 طفل في حين أن إضطرابات طيف التوحد تصيب 5 من كل 1000طفل، والتوحد يصيب الأولاد 4 أضعاف البنات.
قام كانر بوصف هذا الإضطراب في عام 1943، ومظاهر هذا المرض تكون على ثلاث مستويات.
الأول: إضطراب التطور الإجتماعي
لا يستطيع الطفل إقامة علاقات دافئة مع من حوله فيعيش وحيداً، ولا يبدي الطفل المصاب تفاعل مع تعبير الوالدين العاطفي بالحضن والتقبيل، ويكون واضح عليه عدم الإرتياح لهذا التقارب، ولا يبدو عليه التفريق بين الأسرة والغرباء، ويتجنب النظر العين بالعين، ويبدو عليه الإهتمام بالأشياء أكثر من الناس.
الثاني: إضطراب التواصل
الكلام قد يكون بدأ قبل ظهور الإضطراب ولكنه يتوقف، أو لم يتكلم الطفل على الإطلاق، ومع تقدم العمر قد يتكلم نصف الأطفال المصابين بالتوحد، ولكن كلامهم لا يكون طبيعي، فقد يكرروا الكلام أو السؤال الذي يطرح عليهم، ويستعملوا الضمائر بصورة مختلفة، وقد لا يقول أنا بل يقول عن نفسه (حمودة بده يشرب)، ولا يستعملوا التقليد في الألعاب والتخيل، وفي انعدام الكلام لا يحاول الطفل التواصل بالإشارة أو التعبير أو التلويح باليدين.
الثالث: السلوك والاهتمام المحدود
يرغب هؤلاء الأطفال بإبقاء الأشياء على ما هي ولا يحبوا التغيير في محيطهم أو مكان نومهم أو تغيير ملابسهم، وحتى الطعام يصِّروا على أنواع محدده من الأطعمة، يقوموا بحركات في الأيدي والأصابع، وقد يراقبوا الماء وهو ينزل من الحنفية أو يراقبوا الألعاب التي تلف، وقد يلفت أنتباههم بعض الموسيقى أو الإعلانات على التلفزيون.

كما يعاني هؤلاء الأطفال من موجات الغضب أو الخوف الغير مبرر، وعادة ما يكونوا كثيري الحركة ولا يركزوا، ونومهم مضطرب، وقد لا يتحكموا بالبول والبراز، وقد يقوموا بإيذاء أنفسهم وربع هؤلاء الأطفال يصابوا بنوبات الصرع.
وأما الذكاء فقد كان الإعتقاد في منتصف القرن الماضي أن هؤلاء الأطفال أذكياء، ولكن تبين أن ثلاثة أرباعهم يعانوا من الإعاقة العقلية، ويلاحظ أن بعض الأطفال الذين يعانوا من التوحد قد يكون لديهم قدرات خاصة غريبة مثل قدرتهم على حفظ الأرقام أو التواريخ، وهذه القدرات غالباً لا تكون مفيدة مع الأسف.
والسبب في هذا الإضطراب غير معروف ولكن من الثابت وجود عوامل وراثية وتغيرات في تركيب الدماغ وكيماوياته، ولابد من تفريق هذا الإضطراب عن إضطرابات أخرى كالصم أو إضطرابات التواصل والتعلم.
ومع مرور الوقت فإن أقل من 20% من هؤلاء الأطفال يظهروا تحسن كافي يسمح بإلحاقهم بالمدارس العادية، وقد يستطيعوا القيام بأعمال بسيطة، وهناك 20% يعيشوا برعاية أسرهم دون مشاكل وقد يلتحقوا بمراكز التربية الخاصة، ولكن 60% يبقوا معتمدين على أسرهم إعتماداً كامل.
وليس لهذا الإضطراب من علاج، ولكن واجب الطبيب النفسي أن يحدد التشخيص أولاً، ويساعد في حل المشاكل السلوكية ونوبات الصرع والغضب وإيذاء النفس والعنف، ولكن الأسرة قد تحتاج للكثير من الدعم من أفراد الفريق النفسي، يوكون مركز التربية الخاصة هو المكان المناسب لهم.
وأما إضطرابات طيف التوحد Autistic Spectrum Disorder
يكون فيها بعض مظاهر التوحد مع إعاقة عقلية وهي أكثر انتشارا من التوحد، ويحتاج هؤلاء الأطفال للرعاية التعليمة في مراكز التربية الخاصة والأشراف الطبي النفسي والإجتماعي.

متلازمة رت Rett’s Syndrome
وهذا إضطراب نادر ويحدث في البنات، ولا يزيد انتشاره عن 0.8 من كل 10.000 بنت، فبعد فترة نمو وتطور طبيعي في الشهور الأولى من حياة الطفلة، يتوقف نمو الرأس، ويتوقف التطور العقلي خلال عامين، وتنعدم الحركات الهادفة باليدين ولكن قد تصفق البنت وتكرر حركات غير هادفة وتصبح الفتاة غير قادرة على التوازن بالمشي، يقل التفاعل مع البيئة الإجتماعية، لا تتطور لديهم اللغة والنطق ويكونوا بطيئي الحركة والإنتباه، وغالباً ما يترافق هذا مع إعاقة عقلية شديدة.

متلازمة أسبرغر Asperger’s Syndrome
وصفها العالم الألماني أسبرغر عام 1944، وقد أطلق على هذا الإضطراب السيكوباثية التوحدية، وهو أكثر شيوعاً في الأولاد من البنات، وانتشاره يصل إلى 30 حاله لكل 10.000 من الأطفال.
يتميز هؤلاء الأطفال أن تطورهم يكون طبيعي في السنة الأولى ولكن من السنة الثالثة يفقدوا الدفء العاطفي في علاقاتهم، وقد تظهر عليهم إضطرابات في السلوك الإجتماعي شبيهه بالتوحد، وقد يكون هناك حركات نمطية غير هامة وتكرار لبعض النشاطات، ويختلف هؤلاء الأطفال عن أطفال التوحد بأنهم لا يعانوا من إعاقة عقلية أو تأخر لغة، قد يكونوا غريبين الأطوار يكرروا الحديث لوحدهم بدل التواصل مع الأخرين، ويغلب عليهم العزلة والإهتمام بأشياء محدودة، ولا يستطيعوا تكوين أصدقاء.
أسباب هذا الإضطراب غير معروفة وليس له علاج، ويستطيع هؤلاء الأطفال الدراسة والعمل، وقد لا يستطيعوا إقامة علاقات وصداقات وبالتالي لا يتزوجوا، وقد يحتاجوا هم وذويهم للتوجيه والإرشاد من قبل الفريق الطبي النفسي.
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية- 2078- العلاقة بين الأمراض العضوية والاضطرابات النفسية

1234

همسات نفسية 2078-
العلاقة بين الأمراض العضوية والاضطرابات النفسية

السكري
مرض مزمن واسع الإنتشار يتطلب العناية الطبية والمتابعة الدائمة والحمية وتفَّهم المريض لمرضه ومضاعفاته، والعوامل النفسية هامه في السيطرة على مستوى السكر بالدم وبالتالي منع المضاعفات، وكما أن المعاناة النفسية والتوتر والضغوط النفسية قد تؤدي لارتفاع السكر وعدم القدرة على السيطرة الفعلية عليه، كما أن العديد من مرضى السكري يهملوا في غذائهم ونشاطهم الجسدي عندما يمروا بظروف نفسية خاصة.
وكما أنه من المعروف أن مرضى السكري منهم من يتقبل المرض ويفهم متطلباته ويتابعه دون أن يؤثر على حياته، ومن هم من يرفض المرض ويحتج ويراوغ ويناور، يوقف العلاج أحياناً ويبالغ في أكل الحلويات في أحيان أخرى ويتهرب من المتابعة الطبية.
وفي الحالات الشديدة والغير مسيطر عليها طبياً فإن للسكري مضاعفات على الشرايين والأداء الجنسي ووظائف الكلى والنظر وما تحمله هذه المضاعفات من معاناة وتهديد لحياة الإنسان، ومن الثابت أن الإكتئاب يتضاعف بين مرضى السكري كما يمكن لاضطرابات نفسية أخرى أن تزيد، وكثيراً ما تهُمل هذه الإضطرابات على أنها رد فعلى طبيعي لمرضى السكري أو لأن المريض ومن حوله مشغولين بالمرض الأساسي ومضاعفاته.
ولا شك أن المراكز المتخصصة بعلاج السكري في مختلف أنحاء العالم أصبحت تولي هذه الجوانب اهتماما خاصاً بوجود اختصاصي علم نفس واختصاصيين اجتماعيين يعملوا في هذه المراكز ويساعدوا في البرنامج الشامل لرعاية مرضى السكري وكما يتدخلوا في تحويل من يتطلب وضعه التقييم من قبل طبيب نفسي، وقد يقوم الطبيب النفسي بزيارة المركز بشكل دوري.
ومن الثابت الأن أن خضوع مرضى السكري للعلاج النفسي بأشكاله المختلفة يحسن من السيطرة على مرضهم واستقرار مستوى السكر بالدم وبالتالي التخفيف من مضاعفاته.

امراض القلب وارتفاع ضغط الدم الشرياني
لاشك أن العلوم النفسية قد تعاملت مع أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم الشرياني منذ سنوات طويلة، وأصبح البعد النفسي والإجتماعي يعد أساسي في علاج وتأهيل مرضى القلب، فقد وصف السلوك A أو الشخصية A منذ الخمسينات في القرن الماضي، فالأشخاص الذين يتصفوا بالعدائية، والتنافس المفرط، والشعور الدائم بالاستعجال والانشغال الدائم بالإنجاز، معرضين لمشاكل الشرايين التاجية التي يفترض أن تغذي عضلة القلب، ومعروف أن الذبحة الصدرية تزيد مع القلق والغضب والانفعال، والذبحة وما تسببه من ألم في الصدر وتهديد تصبح هاجس مرعب للمريض ويتوقعها، وقد يبالغ في ذلك ويتطور لديه إضطراب فزع يصعب فيه التفريق فيما إذا كانت حالة ألم الصدر المفاجئة هي من تقلص شرايين القلب أم هي حالة فزع أو قلق وخوف شديد.
ومعروف أن عوامل الجلطة التاجية القلبية هي زيادة الوزن وارتفاع الدهون والتدخين وكذلك الإكتئاب النفسي، وعندما يواجه الإنسان دون أي تحذير بنوبة قلبية تدخله المستشفى ويوضع في الرعاية المركزة وحوله الأجهزة الطبية والجو المخيف، فإن هذا له تأثيرات نفسية وإجتماعية، وقد يصل معدل حدوث الإكتئاب والقلق بعد ذلك إلى أكثر من ثلثي المرضى، وإذا لم يؤخذ هذا بعين الاعتبار ويشخص ويعالج فإنه يضاعف الوفيات خلال ستة شهور بعد حدوث الجلطة ثلاثة مرات.
إن التحكم الزائد في الانفعالات وكبت الغضب والانفعال وعدم التعبير اللفظي والحركي عن الصراعات الداخلية يزيد من حدوث مرض ارتفاع ضغط الدم الشرياني كما قد يعيق علاجه، وكثيراً ما يعلب العامل النفسي دوراً في عدم تجاوب المريض مع علاجات ضغط الدم، وعندما يتم الإهتمام بالجانب النفسي يتحسن الضغط مع تحسن المزاج والقلق.
وفي العقدين الماضيين أصبح هناك العديد من العمليات الجراحية لتغيير الشرايين أو فتحها بطرق مختلفة، وهذه العمليات كثيراً ما تكون متبوعة بمضاعفات نفسية فور العملية وعلى مدى الشهور والسنوات التالية، خصوصاً أنه عادة ما يطلب من المرضى تغيير أسلوب الحياة والامتناع عن التدخين وتخفيض الوزن وممارسة الرياضة يواجه المرضى صعوبة في هذه التغيرات خصوصاً إذا ما كان الإكتئاب قد تسلل إليهم.

السرطان
لاشك أن الأمراض السرطانية لها المضاعفات التي تحملها الأمراض العضوية مضافاً إليها أن المجتمع العربي مازال يعاني من رعب كلمة سرطان، حتى أن الكثير من الناس لا يلفظوها، وحتى النصائح بالكشف الدوري والمبكر للسرطان يخشاها الناس وقد يرفضوها، ومن الملاحظ أن معرفة المريض والأسرة بالتشخيص عادة ما تكون صدمة كبيرة قد يكون فيها إنكار وتكذيب للفحوصات والأطباء والغضب عليهم، والتأخر في بدء العلاج بسبب هذا الارتباك رغم التأكيد على أن السرعة في العلاج أمر في منتهى الأهمية، وقد يصل الأمر ببعض المرضى أن يقول أنه لا يريد العلاج ويريد أن يموت لأنه لا شفاء من هذا المرض وعلاجه فيه عذاب كثير، دون الإصغاء للرأي الطبي أن السرطان هو من النوع الفلاني وانتشاره من الدرجة الأولى أو الرابعة وفرص علاجه هي كذا وكذا، لأن الأمراض السرطانية كثيرة جداً ومنها ما يكتشف مبكر ويمكن علاجه، ومنها ما يكون قد تقدم وبالتالي يكون علاجه صعب، ولكن بكل الأحوال امتناع المريض عن العلاج هو ليس من مصلحته.
ومع المعالجة والمتابعة يبقى هناك انتشار للإكتئاب ضعف ما هو عليه بين الناس الغير مصابين بالمرض، بالإضافة للقلق وسوء التكيف، وفي حالات الإنتكاس أي عودة السرطان بعد فترة شفاء يترافق هذا مع الكثير من المشاكل النفسية، وفي الحالات التي يتوزع فيها السرطان لأعضاء أخرى قد يصل الدماغ ويؤدي لأعراض نفسية وعصبية شديدة.
أما معالجة السرطان فهي بلا شك تؤدي لمضاعفات نفسية مثل استئصال الورم مع الثدي، وكذلك العلاج بالأشعة كثيراً ما يسبب الإرهاق والإعياء والتوتر النفسي، والعلاج الكيماوي بما يسببه من إرهاق وغثيان يترافق مع الأرق والقلق والإكتئاب والذي قد يؤدي لرفض المريض الإستمرار بالجرعات المقررة.
ولشك أن السرطان مرض أسري فلا يمكن أن تتخيل الطفل الذي يعاني من سرطان الدم وينقطع عن الدراسة ويتساقط شعره أنه يعاني لوحده، فأمه ترافقه طول الوقت في المستشفى والأب يسعى لتأمين العلاج وثمنه أو التأمين الصحي اللازم، والأسرة مشتتة وقد يهمل باقي الأطفال، ويتوجب هذا كله تدخل مباشر من الفريق النفسي في مراكز وأقسام السرطان لتوفير الدعم النفسي والإجتماعي والمعالجة حسب ما تتطلب الحالة.

أمراض الجهاز الهضمي
أصبح من الواضح أن العلاقة كبيرة بين مشاكل الجهاز الهضمي والإضطرابات النفسية، ويمكن القول إنه بالرغم الدور الذي تلعبه البكتيريا فما زال الدور النفسي له أثر في قرحة المعدة والاثني عشر، وفي أمراض الأمعاء العضوية التركيبية يكون ثلثهم يعانوا من إضطرابات القلق والإكتئاب، أما الإضطرابات الوظيفية في الجهاز الهضمي فنصف المرضى فيها يعانوا من إضطرابات نفسية، وهناك ارتباط وثيق بين الإساءة الجنسية والنفسية والجسدية للأطفال وحدوث مشاكل في الجهاز الهضمي في المستقبل.
ومن أكثر مشاكل الجهاز الهضمي شيوعاً هو تهيج الأمعاء الغليظة أو القولون بما يحمله من انتفاخ وألم وإضطراب في الإخراج نحو الإمساك أو الإسهال وتعاقبهما، ولا يخفى على أي طبيب مدى ارتباط هذا التهيج مع الوضع النفسي للمريض، وليس من الغريب أن يكون القلق والإكتئاب النفسي وراء هذا التهيج خصوصاً في الحالات الشديدة والمزمنة، ويفاجأ الكثير من المرضى الذين يشكوا من هذا التهيج بالتحسن الكبير عندما يعالجوا للقلق والإكتئاب النفسي.
وأمراض الكبد تتشابك كثيراً مع المظاهر النفسية وعلى سبيل المثال فإن التهاب الكبد الوبائي (c) يرتبط ارتباطا وثيقاً بحدوث الإكتئاب النفسي، وكما أن فشل الكبد وزارعة الكبد تترافق مع مظاهر نفسية كثيرة. ولا زال دور الضغوط النفسية له أهميته في أمراض القولون العضوية مثل مرض كرونز والتهاب القولون المتقِّرح، والتعاون بين طبيب الجهاز الهضمي والطبيب النفسي مهم في مساعدة المريض والوصول لأفضل النتائج.

الامراض الجلدية
ينشأ الجلد والجهاز العصبي في الجنين من نفس الجزء، ولذا نجد الرابط الدائم بين الأمراض الجلدية والإضطرابات النفسية، حتى لا يكاد يذكر مرض جلدي إلا ويقال إن للعامل النفسي دور في حدوثه، والجلد هو واجهة الانفعالات فاحمرار الوجه في الخجل والشحوب من الخوف، والعرق من الفزع ووقوف الشعر في حالات الرعب وجلد الوز عند التعرض لمشاهد مميزة ومثيرة.
وقد يكون الوضع النفسي هو المسؤول تماماً عن مشاكل الجلد وتوابعه مثل نتف الشعر أو قضم الأظافر، أو زيادة التعرق واحمرار الوجه في الرهاب الإجتماعي.
ويلعب العامل النفسي دوراً هاماً في الحكة والثعلبة وأقل أهمية في الأكزيما والبهاق والصدفية.
وفي هوس نتف الشعر (Trichotillomania) يقوم المريض بنتف الشعر من جذوره أو كسره وغالباً ما يحدث هذا في الفتيات في عمر المراهقة، ويظن الأهل في البداية أن الشعر يتساقط وبدأوا رحلة طويلة في إستعمال معالجات جلدية ومقويات للشعر، والواقع أن الشعر لا مشكلة فيه ولكنه يقطع كلما نبت، وقد تجد الفتاه وصلت لفقدان كل شعر الرأس والرموش والحواجب بهذه الطريقة وقد تبلع المريضة الشعر بعد نتفه، وهذه حالة نفسية بحته قد تظهر على أنها مشكلة في الشعر، وكذلك مرضى الوسواس الذين يبالغوا في إستعمال مواد التنظيف والمطهرات قد يصلوا لأطباء الأمراض الجلدية وكأن هناك مرض جلدي والواقع أن هذا هو الوسواس القهري ونتائجه.
وبعض الأمراض الجلدية ذات الإزعاج كالصدفية كثيراً ما تؤثر على الحالة النفسية وتترافق مع الإكتئاب والقلق، ومرضى البهاق الذين يخافوا الناس منهم ظناً أن هذا مرض معدي وفيه تكون هناك بقع بيضاء في الجلد اختفت منها بعض الخلايا الصبغية التي تعطي لون البشرة، وهو مرض غير معدي ولكن الفكرة السائدة بين الناس أنه معدي، فلو دخل مريض بالبهاق إلى مسبح خرج منه الناس وكأن المرض سيصيبهم على الفور.

الامراض الصدرية
كان الربو الشُعبي من أوائل الأمراض التي سميت نفسجسديه، ولازال هذا الارتباط قائم بين حدوث الربو وارتباط بمشاكل نفسية وإجتماعية ومنها التعرض للكوارث والحروب وبالتالي ارتباطه باضطراب شدة ما بعد الصدمة في مناطق الصراعات المسلحة، وارتباطه بالقلق العام والفزع والرهاب وارتفاع هذه الإضطرابات بين مرضى الربو بما يؤثر على تحسنهم بالعلاج.
ويترافق الإكتئاب مع التهاب في مجاري التنفس وتضيقها والشائع بين المدخنين، وما يسببه من معاناة وأرق، وحاجه للأكسجين، وتصل نسبة إنتشار الإكتئاب بينهم إلى ما يزيد عن 40% والقلق أقل من ذلك، بالإضافة للتأثير على الذاكرة ووظائف الدماغ المعرفية بسبب نقص الأكسجين الواصل للدماغ، ويستعمل الكورتيزون في عدد من أمراض الجهاز التنفسي بما له من أثار على الحالة النفسية، والمرضى الذين يعانوا من تدهور كبير في وظائف الرئتين ويحتاجوا لزراعة رئة، يحتاجوا للرعاية النفسية المكثفة مثل غيرهم من مرضى زراعة الأعضاء وما تحمله هذه الزراعة من احتمالات الرفض والوفاة وضرورة العزل لمنع الالتهابات، وأخذ أدوية عديدة لخفض مناعة الجسم حتى لا يتم رفض العضو المزروع، كل هذا قد يترافق مع الهذيان والقلق والأرق والإكتئاب.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -2077- العلاقة بين الأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية

123

همسات نفسية -2077-
العلاقة بين الأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية

إن هذه العلاقة المهمة يمكن أن يتم فهمها من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: تلاقي المرضى العضوي مع الإضطراب النفسية.
المحور الثاني: المضاعفات النفسية للأمراض العضوية.
المحور الثالث: المضاعفات الجسدية للإضطرابات النفسية.
المحور الرابع: الجوانب والإبعاد النفسية للأمراض العضوية.

المحور الأول:
تلاقي المرض العضوي مع الإضطراب النفسي: قد يكون هذا التلاقي لأي مرض عضوي مع أي مرض نفسي وذلك أن الإنسان معرض لهذه الأمراض جميعها فقد يعاني مريض الفصام من السرطان أو إرتفاع ضغط الدم أو السكري، وقد نستطيع أن نجد علاقة بين الفصام وزيادة التدخين وحدوث سرطان الرئة، أو أن يكون السرطان لا علاقة تربطه بالفصام، كما يمكن أن يحدث المرض النفسي مع أي مريض بمرض عضوي، فالمصاب بالربو قد يترافق مع مرضه القلق النفسي ويكون له ارتباط بنوبات الربو وما تحمله من صعوبة في التنفس، وقد لا يكون هناك ارتباط واضح إذا ما تطور لدى مريض الربو إضطراب المزاج مزدوج القطب مثلاً.
كما أنه من الضروري أن يكون واضح بأن العلاجات التي توصف للمرض العضوي قد تؤدي لمضاعفات عضوية أو نفسية، فالمريض الذي يحتاج علاجه للكورتيزون قد يتطور لديه إكتئاب مع إستمرار تعاطي الكورتيزون بالإضافة لارتفاع الضغط والسكري وهشاشة العظام كمضاعفات للعلاج الطويل بهذا العقار كما أن بعض الأدوية المستعملة في علاج الإضطرابات الذهانية تؤدي للسمنة وحدوث زيادة في الكولسترول والدهنيات والسكري وانقطاع الدورة الشهرية والعجز الجنسي.
وبالتالي فإن، الطبيب الممارس في الطب العام أو أي اختصاص لابد له أن يكون على اطلاع بالحالة الصحية الكاملة للمريض سواءاً المرض الذي يقوم الطبيب بعلاجه أو الأمراض التي يقوم بعلاجها أطباء أخرين، وهذا يكون واضح في الرعاية الصحية لكبار السن إذ تجد أن المريض لديه مشكلة في المفاصل وارتفاع في ضغط الدم وقد أجريت له عملية استئصال للبروستات، وبدأ يعاني من الأرق والقلق، وهو يتناول العديد من الأدوية مما يتطلب وضع كل هذه الأمور معاً قبل الانطلاق في خطة علاجية.

المحور الثاني:
المضاعفات النفسية للأمراض العضوية: هناك أمراض عضوية تترافق دائماً مع مضاعفات ومظاهر نفسية ومنها على سبيل المثال مشاكل الغدد الصماء كالغدة الدرقية والجار درقية، والغدد الفوق كلوية فإن زيادة نشاط الغدة أو نقصه غالباً ما يترافق مع مشاكل نفسية، وأيضاً بعض أمراض المناعة والروماتيزم، وأمراض الجهاز العصبي، فالصرع مثلاً يزيد من حدوث الإضطرابات النفسية، وكذلك أورام الدماغ والإصابات الدماغية المختلفة، وفي مرض الإيدز تجد مضاعفات نفسية عديدة من انتحار لإيذاء النفس المتعمد والإكتئاب والقلق والإضطرابات الذهانية والخرف.

المحور الثالث:
المضاعفات الجسدية للإضطرابات النفسية: بالتأكيد فإن الإدمان على مختلف المواد لابد وأن يترك أثاراً جسدية على التغذية وتليف الكبد، والتهاب الأعصاب وتلف الدماغ، والإصابة بالإيدز والتهاب الكبد الوبائي. كما أن مرضي الفصام المزمن غالباً ما يهملوا في صحتهم ونظافتهم والعناية بالأسنان ويفرطوا في التدخين وشرب المنبهات، مما قد يؤدي لمشاكل في المعدة وحدوث الأمراض وإن كانت بسيطة لا يتعاون المريض بالفصام في علاجها، فتؤدي للتفاقم والوفاة المبكرة، ومحاولات إيذاء النفس المتعمد قد تؤدي للحروق أو الشلل أو مشاكل مزمنة في القلب والكلى والكبد.

المحور الرابع:
الجوانب والأبعاد النفسية للأمراض العضوية: أصبح مفهوم الطب النفسجسدي واضح في الكثير من الأمراض وأصبح هناك إختصاصات طبية تهتم بأمراض معينة نفسياً مثل الإختصاص النفسي لأمراض القلب ( Psycho cardiology ) أو الجوانب النفسية للسرطان ( Psycho oncology)، والقائمة طويلة وتتزايد، كلما تعمق فهمنا للأمراض وتطورها وعلاجها، وهذا الاتجاه قد تنامي بصورة كبيرة في العقدين الماضيين وأصبح هناك حقائق وثوابت علمية عديدة لا يجوز إغفالها، مثل أن مرضى السكري يصابوا بالإكتئاب ضعف غير المصابين بالسكري، وأن الإكتئاب أصبح أحد عوامل الخطورة المؤكدة في حدوث الجلطات القلبية، وكما أصبح من المؤكد زيادة الوفيات بعد الجلطة القلبية في حالة حدوث الإكتئاب وعدم علاجه، وامتد هذا لأمراض كثيرة وعديدة، وأكاد أجزم أنه من الصعب القول أن هناك مرضاً ليس له جوانب نفسية في حدوثه أو علاجه أو مضاعفاته، مما يعني أن العلوم النفسية أصبحت ضرورية للممارسة في كافة فروع الطب، والدعم من قبل الفريق الطبي النفسي لم يعد رفاهية بل هو أساس في الخدمات الطبية المتكاملة الناجحة القادرة على توفير أفضل رعاية صحية للناس.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -2076- الاضطرابات النفسجسدية

12

همسات نفسية -2076-
الاضطرابات النفسجسدية

كان الأطباء المسلمون من أوائل من أدركوا مفهوم الإضطرابات النفسجسدية ومن المعهم في هذا المجال أبو زيد البلخي، وعلي بن عباس المجوسي، وكتب كلاهما في العلاقة بين علم النفس وعلم وظائف الأعضاء أو الوظائف النفسية والجسدية، وبالتالي فهما العلاقة بين المرض العضوي والمرض النفسي، أما بن سينا فقد ربط بين سرعة نقض القلب والحالة العاطفية، في القرن العشرين كان فرانس الكساندر قد أهتم بالعلاقة بين العقل والجسد وتبعه الكثيرون من الأطباء.
الإضطرابات النفسجسدية تعّرف بأنها أمراض عضوية، يعلب فيها العامل النفسي دوراً مهماً وقوياً وأساسياً، وقد اتفق العلماء لفترة طويلة على أن هذه الإضطرابات تشترك في عدم قدرة المريض على التعبير عن انفعالاته وتسمى هذه السمة الكسيثيميا Alexythymia وهذه الأمراض تشتمل تقليدياً ما يلي:
1- قرحة المعدة والأثني عشر.
2- قرحة القولون.
3- الربو الشعبي.
4- أرتفاع ضغط الدم.
5- قصور الشرايين التاجية للقلب.
6- بعض الأمراض الجلدية.
7- الصداع النصفي.
8- أمراض المفاصل.

وهذه القائمة القديمة أضيف إليها العديد من الأمراض حتى وصلنا إلى المفهوم الحاضر وفيه تعتبر كل الأمراض العضوية هي إضطرابات نفسجسديه، لأنه لابد أن يكون للعامل النفسي دور في تطور وعلاج معظم الأمراض وتداخلت الأمراض النفسية والعضوية بصورة تحقق النظرة الشمولية للمريض.
أما الألية التي من خلالها تلعب العوامل النفسية والإجتماعية دوراً في العديد من الأمراض تكون من خلال:
1- تكوين الشخصية:
هؤلاء الذين يعملون بكد وجدِّيه ساعات طويلة، دون كلل أو تعب، ويتقبلون التحديات المختلفة، ونستطيع وصفهم بأنهم مدمني العمل، ويتميز هؤلاء الأفراد بالرغبة في السيطرة، خاصة على الزوجة والأطفال والكفاح المستمر في الصعود في السلم الإجتماعي والاقتصادي، مع عدم القدرة على الإسترخاء ومحاولة أثبات فحولتهم ونشاطهم الجنسي، والحق أن هؤلاء الأفراد بحاجة ماسه للحب والحنان ولعدم توفره يحاولوا البحث عن القوة والتفوق.
2- الصراعات عبر الإنسانية:
وتكون النواة هنا هي الإحباط في الوصول إلى السيطرة في العمل أو الأسرة، أو الفشل في الرقي والتفوق الإجتماعي، أو تدهور في الوظيفة، أو عدم خضوع الزوجة والأطفال، أو متاعب مادية مستمرة وظهور كل هذه الصراعات، على الرغم من العمل الجاد المستمر المنهك، مما يؤدي إلى القابلية للإصابة بقصور الشرايين التاجية على سبيل المثال، وغيرها من الأمراض العضوية.
3- السلوك التفاعلي للصراعات:
يميل هؤلاء الأفراد إلى قمع الشحنات الانفعالية، بعكس طفولتهم التي كانت مملوءة بالاندفاع والحركة والغضب والتعبير اللفظي والحركي عن الانفعالات المختلفة.

وعندما تتجمع هذه العوامل الثلاث في تكوين الشخصية والصراعات الإنسانية والسلوك المحبط، يصبح الإنسان أكثر عرضه للإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والجلطات القلبية والدماغية، وإضطرابات الجهاز الهضمي.
وأما الألية التي تربط بين النفس والجسد فهي معقده بعض الشيء وخصوصاً إذا وضعنا بالاعتبار أن النفس هي جزء من الدماغ وبالتالي من الجسد، وهذا يعني أنه لا يوجد أصلاً انفصال بين النفس والجسد حتى نحاول خلق الربط بينهما.
والنفس كما نفهمها الأن هي مجموعة من المراكز العصبية في أجزاء مختلفة من الدماغ، تعمل هذه المراكز على تنظيم الإنفعال والشعور والمزاج والإدراك والذكاء والشخصية والطموح والغرائز وفهم الحياة والتعاطي معها، وأيضاً يوجد في النفس منظومة القيم المعنوية والإيمان والمعتقدات، ولا يجوز أن نتصور النفس شيء وهمي في الخيال، بل هي واقع ملموس يمكن دراسته بوسائل مختلفة من أشكال التصوير باستعمال مواد مشعه والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ، وكذلك في دراسة دماغ ا لإنسان بعد الوفاة. وفي النظام البشري تعتبر النفس السلطة العليا في الجسم لأنها هي مركز القيادة وتقوم بالتأثير على الجسد عبر ثلاثة طرق وهي:
1- الجهاز العصبي اللاإرادي:
وهذا الجهاز العصبي يتحكم بالكثير من وظائف الجسم من ضربات القلب إلى عصارة المعدة والأمعاء، والتبول والإخراج وله جزئين الجهاز العصبي السيمباثاوي وهو جهاز الطوارئ والجهاز العصبي الباراسيمباثاوي وهو الجهاز المسؤول عن الراحة والاسترخاء، ولك أن تعرف الفرق بينهما عندما نأخذ مثال على زيادة نشاط الجهاز السيمباثاوي ( الودِّي) فهذا يزيد من سرعة التنفس ونبض القلب، ويوسع حدقة العين ويزيد من عمليات التمثيل الغذائي في الكبد وسرعة الدورة الدموية، ويصبح الجسم وأجهزته في حالة طوارئ للأخطار أو الصعوبات، بعكس عمل الجهاز الباراسيمباثاوي ( اللاودي) الذي يقلل من ضربات القلب وسرعة التنفس، ويرخي عضلات الجسم، ويقلل من التمثيل الغذائي ويخفف من توسع حدقة العين، ولا شك بأن هناك حاله من التوازن الدائم تكون مطلوبة بين الجهازين حتى تعمل كافة أجهزة الجسد براحة وهدوء، أما في حالة استمرار عمل جهاز الطوارئ فإن هذا يعني تغيرات كثيرة وإرهاق لوظائف الجسم وأجهزته المختلفة.
2- الغدد الصماء:
في الجسم مجموعة من الغدد التي تفرز هرمونات في الدم تعمل على تنظيم وظائفه، والغدة الرئيسية هي الغدة النخامية والتي توجد في داخل الجمجمة وعلى مقربة من منطقة تحت المهاد في الدماغ (Hypothalamus) وتتلقى هذه الغدة تعليماتها من الدماغ والمراكز النفسية والعصبية بواسطة وتحت المهاد وتفرز هرمونات النمو، وهرمونات تشغيل الغدة الدرقية والفوق كلوية، وهرمون تنظيم إفراز البول، وهرمونات تنظيم عمل المبيض والخصية.
والغدة الدرقية الموجودة في الرقبة مسؤولة عن إفراز هرمون الثيروكسين والذي يعمل في كافة خلايا الجسم على تحفيز التمثيل الغذائي، ولكن هذا يتم بسيطرة الغدة النخّامية، والغدة الفوق كلوية تفرز هرمونات عديدة لها علاقة بتنظيم التمثيل الغذائي وتفرز الأدرينالين، وهو هرمون يعطي نفس أثار عمل الجهاز السيمباثاوي في فرض أوضاع طارئة في الجسم، والتأثير على جهاز المناعة، وهناك أيضاً وظائف كغدة صماء يقوم بها البنكرياس والغدد الجار درقية والمبيض والخصية، وهذه الوظائف كلها تحت سيطرة الغدة النخامية والدماغ، فعلى سبيل المثال نلاحظ الفتيات أنه أثناء فترات الامتحانات والتوتر قد تنقطع الدورة الشهرية لشهر أو أكثر وتعود لطبيعتها بعد زوال التوتر، وهذا يتم من مراكز الدماغ النفسية العليا إلى تحت المهاد وثم الغدة الدرقية فالمبيض، وتتوقف الهرمونات التي تفرزها الغدة النخامية عن أداء وظيفتها من حيث تكوين البويضة وحدوث النزيف الشهري المعتاد.
3- جهاز المناعة:
هو أحد الأجهزة الهامة في الجسم والموجود على شكل أجسام مضادة وخلايا الدم البيضاء، وهذا الجهاز المعقد يتأثر بالدماغ ومراكزه بطريقة معقدة ومتشابكه، وإذا تأثر جهاز المناعة فإن هذا يعني أن أجهزة الجسم لن تستطيع أن تقاوم الفيروسات والبكتيريا إذا هجمتها، ومن غير المستغرب أن الطالب في وقت الإمتحان تظهر في فمه حبيبات وعلى شفتيه وهي ناتجة عن فيروس ضعيف، تسنح له الفرصة للظهور عندما تتراجع المناعة ولو بشكل بسيط، وفي الأمراض المختلفة سواءاً السرطان أو الالتهابات المختلفة فإن تقدم المرض أو تجاوبه مع العلاج مرهون بمدى نشاط جهاز المناعة أو كسله وضعفه، وعندما يقال أن القرآن الكريم فيه شفاء للناس لا يكون هذا الكلام من فراغ، بل هو مبني على الأثر الكبير للإيمان على جهاز المناعة وبالتالي قدرة الجسم على التصدي للأمراض المختلفة بما فيها السرطان أو الإلتهابات الحادة والخطرة.

وإذا تخيلنا تشابك الجهاز العصبي اللاإرادي والغدد الصماء وجهاز المناعة ومدى ارتباطها بالأوامر النفسية، وعلى اعتبار أن النفس في الدماغ وهي قادرة على استيعاب المؤثرات الخارجية وتحويلها لأوامر داخلية، وهذا يعني أن الضغوط الخارجية وتغير المناخ والمشاكل الأسرية والإجتماعية والضوضاء سوف تحدث تأثيرها على الجسد عن طريق النفس ومراكزها، وأثر ذلك على الغدد الصماء والجهاز العصبي اللاإرادي وجهاز المناعة، وفي خضم هذه العلاقات من الصعب أن تتخيل أي مرض يلم بالإنسان يمكن الإدعاء بأن لا علاقة له بالنفس، فعلى سبيل المثال تعرض الإنسان لكسور العظام، لابد أن يتبع سلوكه المغامر أو تهوره وبالتالي استعداده الزائد للحوادث والكسور وإن كان المرض العضوي أو لحادث قد تم دون أي تأثير للفرد فيه، فهنا تظهر بشكل واضح قدرة الفرد على تحمل الإصابة والتعامل مع المرض، مثل إصابة رجل بعيار ناري في العمود الفقري والنخاع الشوكي تؤدي إلى شلل كامل في النصف الأسفل من الجسم، يكون من المستحيل أن تتوقع أن كل من يصابوا بهذه الإصابة يتعاملوا معها بنفس الطريقة، صحيح أن الإصابة واحدة والضرر الجسدي متشابه ولكن ردة الفعل النفسية وشخصية الفرد وظروف الإصابة كلها مختلفة، فالذي أصيب بهذا العيار الناري بينما كان يحضر حفل زفاف أخته غير الذي أصيب به وهو يدافع عن أرضه ووطنه، وكذلك ما الذي قُدِّم للمصاب، هل تم إسعافه وأهمل، أم أن هناك جهات حكومية وغير حكومية قادرة على أن تقدم له الدعم والمساعدة، وكذلك هل كان هذا المصاب ناجحاً في عمله وحياته الأسرية واستطاع أن يستمر في نجاحه رغم الإصابة، أم أن الفشل كان قد حالفه منذ زمن وجاءت هذه الإصابة لتعطيه كل المبررات المقبولة للاستسلام وعدم المحاولة لا على الصعيد المهني ولا الإجتماعي ولا الأسري.
من هذه المنطلقات يصبح واضح أن مفهوم الإضطراب النفسجسدي القديم قد تغير وأصبحت الأن النظرة الشمولية للمريض تقضي أخذ كل العوامل المؤثرة في الصحة معاً دون إهمال أياً منها مهما كان بسيط، وبناءاً على ذلك أصبح الطب النفسي أحد الفروع الهامة التي يجب أن تتوفر في المستشفيات وأن يكون الطبيب النفسي له دوره في كل الأقسام في المستشفى وهذا ما يطلق عليه الطب النفسي التواصلي (Liaison Psychiatry). فلا يعقل أن نقول بأن المرضى في قسم العناية المركزة أو الحثيثة مرتاحين نفسياً وهم يواجهوا أوضاع صحية قد تؤدي للوفاة أو الإعاقة الدائمة، ولا يمكن تصور قسم غسيل الكلى الذي يتردد عادة المريض مرتين في الأسبوع أو ثلاثة ولعدة ساعات، دون رعاية نفسية، ولا قسم الحروق وما تؤدي له الحروق من تشوهات وعمليات ومسكنات، أو ما كان السبب في الحروق والذي قد يكون محاولة انتحار أو إصابة بقنابل من طائرة قصفت المنازل. وكذلك في أمراض القلب والصدر والجهاز الهضمي أو الأمراض العصبية المختلفة التي قد تؤدي إلى أعاقة حركية دائمة مثل التصلب اللويحي ومضاعفاته، والتي لابد أن يكون لها أثر نفسي وتتطلب تدخل الفريق الطبي النفسي في المعالجة والمتابعة، وكذلك أقسام السرطان والجراحة والأطفال والأمراض النسائية وأطفال الأنابيب وأمراض المفاصل ونقص المناعة المكتسب (الإيدز). كلها بحاجة للرعاية النفسية حتى تكون الرعاية الطبية متكاملة.
فالطبيب الذي يعتقد أن اختصاصه هو أمراض القلب وأنه قد تمكن من فتح الشريان التاجي الذي كاد أن يقفل، قد انتهت مهمته هو مخطئ، ولابد أن يكون في اعتباره، مدى العوامل التي أدت لهذا الإغلاق للشرايين، من سمنه وقلة رياضة واكتئاب وزيادة دهون، وكذلك الأثر الذي تركه المرض على المريض هل كان الموضوع سخيف وشفي بالنسبة له أم أنه قد غير مجرى حياته، كل هذه الأمور تفرق بين نوعين من الطب الأول الطب التخصصي المعني بالشريان والعضو المريض، والطب الشمولي الذي يأخذ المريض كإنسان له مشاكله الحياتية والمادية والأسرية، ولديه قدرات إيجابية كالإيمان واللياقة البدنية والدعم الإجتماعي.

الدكتور وليد سرحان
مستشار الطب النفساني

همسات نفسية-2075- التأثيرات النفسية والصحية والاجتماعية للمخدرات والمؤثرات العقلية

12

همسات نفسيه-2075-
التأثيرات النفسية والصحية والاجتماعية للمخدرات والمؤثرات العقلية

إن التأثيرات على الإنسان و سلوكه وصحته النفسية والجسدية والأبعاد الإجتماعية لتعاطي وسوء استعمال المواد أو الإدمان عليها، لها عموميات مسلم بها أن هناك ضرر صحي نفسي وجسدي وتأثير سلبي على الأسرة والمجتمع وارتفاع معدل الجريمة والانحراف، وإخلال بأمن المجتمع، وتتفاوت هذه الأثار حسب المواد على النحو التالي:

الأمفيتامينات
تم تحضير مركب الامفيتامين لأول مره عام 1873 لعلاج الربو ثم التهاب الأنف وتطور الإستعمال في الثلاثينات من القرن الماضي، وبدأ سوء إستعمال على إعتبار أنه منشط ويساعد على السهر، وفي الحرب العالمية الثانية كان يصرف للعمال في المصانع الحربية حتى يعملوا لساعات طويلة دون نوم، وفي الخمسينات أستعمل لتخفيف الشهية ومعالجة الإكتئاب، وسرعان ما ظهر أن هذا غير ممكن، وتوفرت العديد من المشتقات لهذا المركب منها ما هو مستعمل طبياً حتى الأن في علاج فراط الحركة عند الأطفال، وبعض المركبات التي قد تستعمل في تخفيف الشهية. أما المنتشر منها في المنطقة العربية فهو الكبتاغون وبدرجة أقل الإكستاسي والميت أمفيتامين.
 التأثير النفسي: التناول المزمن لهذه المواد بالفم أو بالوريد تؤدي للخمول والأرق والقلق والأحلام المزعجة، سرعة الإنفعال والعصبية، ضعف التركيز والإندفاع في السلوك والوصول للذهان الزوري وهو إضطراب التوهم الإضطهادي، إذ يشعر المريض أنه مطارد وأن هناك من يراقبه ويحاول النيل منه. مما يؤدي للعنف وأحياناً محاولة إيذاء الأعداء المزعومين.
 التأثير الجسدي: سوء التغذية الناتج عن نقص الشهية، ونزول الوزن والإلتهابات الناتجة عن حقن المادة بمحاقن ملوثة بفيروس التهاب الكبد الوبائي أو الإيدز.
 التأثير الإجتماعي: إن إضطراب السلوك يؤدي للعنف وإمكانية الوقوع في مخالفة القانون بإيذاء الأخرين، وارتكاب الجرائم في سبيل الحصول على المادة والتي يصبح بحاجة لكميات كبيرة منها، وينشغل المتعاطي عن أسرته وعمله، فعند التعاطي يسهر ليوم أو يومين بلا نوم ويكون مزعج وعندما يقرر النوم عليه التوقف عن التعاطي أو على الأغلب يتناول مهدئات وكحول حتى يتمكن من النوم. وهذا يعزله عن أصدقائه وأسرته ومجتمعه.

الكوكايين
هي المادة الرئيسية المتوفرة في أوراق نبتة الكوكا، وهي شجرة تنمو بصورة طبيعية في أميركا الجنوبية، وقد دأب السكان الأصليين على مضغ أوراقه منذ 1500 عام وأصبحت تزرع هذه الشجرة، في عام 1886 تم عزل المادة الفعّالة من نبتة الكوكا وسميت الكوكايين، وتستعمل أوراق النبات أو معجون الكوكا المستخلص منها، أو مسحوق الكوكايين والكراك والذي يمكن تدخينه في حين أن المسحوق يتم شمه.
فالأوراق تمضغ والكراك يدخن ويستعمل في الغليون ويؤخذ بالوريد والاستنشاق للمسحوق. المنطقة العربية يصل إليها بالتهريب من مناطق الإنتاج مما يجعله مكلف على المتعاطين، وتعاطي الكوكايين وبشكل مستمر يؤدي للاعتماد النفسي وبداية ثم الجسدي لاحقاً.
 التأثير النفسي:
يؤدي الكوكايين للإضطرابات النفسية كالذهان الحاد والتوهم الإضطهادي والهلاوس، والشعور بأن الحشرات تتحرك تحت الجلد، وهذا يؤدي لإضطراب السلوك والنوم والتركيز والمزاج، ويتطور السلوك العنيف ويزيد الإنتحار.
 التأثير الجسدي:
بالجرعات الكبيرة يؤدي لفقدان الوعي ونوبات الصرع وتوقف القلب والموت، وتنخفض الشهية ويقل الوزن، ويتلف غشاء الرئتين، وقد يحدث ثقب في حاجز الأنف، إرتفاع في ضغط الدم قد يؤدي للنزيف الدماغي، ويحدث غثيان وتقيؤ، كما أن هناك إحتمال تكرار نوبات الصرع، وترتفع الإصابة بالسرطان في متعاطي الكوكايين، وتنقص المناعة مما يؤدي للكثير من الأمراض والإلتهابات، بما فيها متلازمة نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، ويتأثر الجنين والحمل بالتعاطي وقد يحدث إجهاض أو ولادة مبكرة وتشوهات خلقية في الجنين.
 التأثير الإجتماعي:
إن الإعتماد على الكوكايين يتسارع ويصبح المتعاطي رهينة في قبضته وسيطرة إدمانه، ويتنازل عن كل القيم والمبادئ والأولويات في حياته للحصول على المادة وتوفيرها بشكل متزايد، ويقوم بأعمال اندفاعية ذات طابع عدواني أو إجرامي، ومنها القتل والإنتحار، وتتعطل حياة المتعاطي الإجتماعية ويفقد عمله أو يخسر تجارته، وتضطرب العلاقات الأسرية ويفقد مكانته الإجتماعية والأسرية ويحدث الطلاق والإفلاس.

القات
هو شجرة دائمة الخضرة تستعمل أورقها الخضراء عن طريق المضغ والتخزين بالفم لاعتصار مادتها. وموطنها الأصلي الحبشة ومنها انتقلت لشرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية، وهناك ما يؤكد إستعماله في القرن السادس الميلادي، واستعمل كالقهوة، ودخلت عادة تخزين القات في النظام الإجتماعي لهذه المناطق كما هو الحال في اليمن، إذ تعتبر عادة التخزين عامة بين مختلف أفراد المجتمع نساءاً ورجالاً. وغالباً على شكل جلسات إجتماعية تمتد من الظهر حتى المغرب، واستعمال أوراق القات لابد أن تكون طازجة وبالتالي فإن نقلها قليل، وتصدر لأوروبا بالطائرات وتستعملها هناك الجاليات اليمنية والحبشية. والمادة الرئيسية في هذه النبتة هي مادة الكاثينون، والقات غير مدرج على جدول المخدرات ولكن مادة الكاثينون مدرجة. وهناك بعض الدول تحظر دخوله لأراضيها.

 التأثير النفسي:
يسعى الناس للتخزين حتى يشعروا بالانسجام والاسترخاء وبلورة الأفكار والنشاط الجسدي، ولكن هذه المشاعر يتبعها القلق والأرق والشرود الذهني والوجوم، والخمول والكسل، وعدم الاستقرار ويظهر بين المتعاطين الإكتئاب، ضعف التركيز وفقدان الشهية، زيادة الكلام والعدوانية والهوس الخفيف وتوهم العظمة وتكدر المزاج.

 التأثير الجسدي:
إرتفاع ضغط الدم ونزيف الأنف، زيادة سرعة ضربات القلب، الجلطة القلبية والاستسقاء الرئوي، إرتفاع الحرارة وزيادة التعرق والتهابات بالفم واللثة وغشاء المعدة، الإمساك وضعف الشهية ونقص الوزن والتغذية والضعف العام.
 التأثير الإجتماعي:
يعتبر القات مشكلة اقتصادية كبرى في الدول التي ينتشر فيها إذ أن ثلثي دخل الفرد يتم إنفاقه على القات، وتزرع معظم الأراضي الخصبة به، وبالتالي تؤثر على التنمية في تلك الدول، وتتمحور الحياة الإجتماعية حول القات فهناك جلسة للنساء وأخرى للرجال قد تستغرق 3 -6 ساعات يومياً يتوقف فيها الناس عن العمل والإنتاج منذ الظهيرة وحتى بعد الغروب يكون المجتمع مشلول والناس تخزن القات وتشرب معه المنبهات. وتتأثر الروابط الأسرية ويكون الإنفاق الرئيسي على القات، وليس تغذية وتعليم الأطفال. وهناك ادعاءات بأن القات يحسن الروابط الإجتماعية وهذا بالواقع ثمن عالي يدفع من قبل المجتمع إذا صح هذا الإدعاء والذي لم تؤيده الدراسات والمشاهدات.

المهدئات
مصطلح بدأ بالخمسينات في القرن الماضي للتعريف بمركبات كيماوية معينة تحدث شعور الهدوء، والتخفيف من القلق وتم فصلها عن العقاقير القديمة المسكنة، وقد كان عقار مبروباميت هو أول المركبات الكيماوية الصنع من فئة المهدئات في عام 1954، وفي عام 1970 بدأت مجموعة البنزوديازبين ومنها الفاليوم الشهير ووصل عدد مركباتها الأربعين، واستعملت طبعاً كمضادات للقلق ومنومات ومضادات صرع وراخية للعضلات، وفي معالجة أعراض انسحاب الكحول. وتبين مع الإستعمال أن هذه المركبات تؤدي للاعتماد الجسدي والتحمل، وبدأ سوء إستعمالها والإدمان عليها، وفي المنطقة العربية أصبحت تشكل أحد مصادر الإعتماد الرئيسية خصوصاً في الدول التي يسهل صرفها من الصيدليات دون تدقيق ووصفات خاصة. وتعاطي البنزوديازبين لفترات طويلة وبجرعات متزايدة له أن يؤدي لأضرار مختلفة.

 التأثير النفسي:
وإذا استعملت هذه العقاقير ضمن الإشراف الطبي والجرعات المناسبة فهي تخفف من الأرق والقلق، أما الإستعمال مزمن وبجرعات كبيرة متزايدة فإنها تؤدي لاضطرابات في السلوك، ونوبات الغضب والعدوانية والعنف ومحاولات الإنتحار والإكتئاب، وضعف الذاكرة والتركيز والإنتباه.
 التأثير الجسدي:
تعثر النطق والترنح ورأرأة العين وتتأثر المهارات اليدوية والتوازن العضلي وضعف العضلات.
 التأثير الإجتماعي:
من المؤسف أن هذه المواد أصبحت تداول بين الناس وكأنها مواد للتسلية، وحتى أن النساء يحملنَّ هذه الأدوية معهنَّ ويعرضنها على الصديقات والجارات، وفي كثير من الأحيان يكون تصاعد الجرعة سراً دون معرفة الزوج أو الأسرة، إلى أن تبدأ الملاحظات على سلوك المتعاطي وتستره على الأمر، ونومه المفرط أحياناً وعدم نومه في أحيان أخرى، وزيادة النسيان ونوبات الغضب التي قد تؤدي للخلافات الزوجية والصدام مع زملاء العمل. ومن الصعب معرفة الأعداد الحقيقية للمتعاطين لهذه المواد، إذ أن معظم المدمنين يستعملوا هذه العقاقير في حالة عدم توفر الجرعة اللازمة من الهيروين أو الكحول، وبالتالي فإن المجتمعات التي لا تتشدد في صرف هذه الأدوية أصبحت مدمنه على المهدئات منفردة أو مع المواد الأخرى.

الأفيون والأفيونات
عرف الأفيون منذ ألآف السنين وفي حضارات قديمة عديدة، وهناك دلائل على إستعماله تعود إلى ثلاثين ألف عام، والأفيون هي المادة العصارية المستخلصة من زهرة الخشخاش الأسيوية، ويتم الحصول على هذه العصارة بشق أعلى هذه الزهرة، وهو الرأس الحاوي للبذور، وبعد جمع العصارة تترك 24 ساعة لكي تجف، وبعدها تجمع، وحصيلة ذلك هو الأفيون الخام، والذي يحتوي على عدد من المركبات الأفيونية وعددها عشرون مركباً. وأهمها المورفين والكودايين، ويتم تصنيع مواد من الأفيونات الطبيعية أهمها الهيروين، وفي القرن الماضي تم تصنيع مركبات أفيونيه كيماوياً بصورة كاملة بدون أي محتويات طبيعية نباتية وأهما البثيدين.
وقد أستعمل الأفيون في تخفيف آلام والتخدير ومعالجة الإسهال والسعال، وقد تقلصت الاستعمالات الطبية، وأصبح المورفين والبثدين من أهم المسكنات الطبية القوية التي تستعمل في الإصابات وبعد العمليات الجراحية، وكون هذه المواد تؤدي عند تناولها للشعور باللذة والمتعة والكفاء والراحة، وهذا أدى إلى إساءة إستعمال المواد الأفيونية وأهمها الهيروين، وأهم مناطق زراعة الخشخاش الأسيوي هي أفغانستان حيث ينتج معظم أفيون وهيروين العالم، والإدمان على الأفيون سريع ولكن الأشد وأخطر هو الهروين، والذي من الممكن أن يشكل حالة اعتماد جسدي في فترات قصيرة لا تتعدى الأسبوعين، ومتعاطي هذه المواد يعانوا من أضرار كثيرة.
 التأثير النفسي:
تغير شخصية المتعاطي وتدهورها، وتتراجع القدرات الفكرية والجنسية، ويقع المتعاطين في الإكتئاب وقد ينتحروا بسبب شعورهم أنهم أصبحوا رهائن لهذه المادة والتي عليهم توفيرها على مدار الأربع وعشرين ساعة.
 التأثير الجسدي:
ترتفع الوفيات بين مدمني الهيروين بسبب تناول جرعات زائدة والإصابة بالالتهابات الفيروسية كالتهاب الكبد الوبائي والإيدز، كما يموت منهم أعداد كبيرة بالإنتحار والقتل والحوادث الطارئة المختلفة. والجرعات الزائدة تؤدي لوقف التنفس يقل الوزن ويظهر الشحوب والإمساك الشديد وتظهر مشاكل نقص الفيتامينات، ومن المعتاد أن يكون الهيروين مختلط بمواد يتم غشه بها مثل مضادات الصرع وأدوية السكري والتي قد تؤدي لمضاعفات جسدية خطيرة وغير متوقعه.
 التأثير الإجتماعي:
يتجه المتعاطي لهذه المادة للترويج كونه مكلف، وعندما يستنفذ الفرد إمكاناته فليس أمامه إلا أن يقدم هذا السم لأصدقائه ليقعوا في الشرك ويبدأ بالحصول على حصته مجاناً، وقد يستطيع أن يوفر بعض المال جراء هذا العمل الغير مشروع، وكثيراً ما يدخل هؤلاء الأفراد في مشاكل قانونية وجرائم للحصول على المادة، وينعزل المتعاطي عن أسرته ومجتمعه ويرافق من هم في نفس الخط السلوكي، وغالباً ما يفقد عمله وقد يطلِق وقد تنبذه الأسرة، وهم في دول كثيرة قد يصبحوا متشردين ومتسولين ومروجين.

الكحول
إن المادة الكحولية الفعّالة هي أثيل الكحول والذي يتم تكوينه بتخمير الفواكه والحبوب، ويمكن أن يحُضر كيماوياً، كما أن عملية التقطير تؤدي لزيادة نسبة الكحول إذ أن التخمير يعطي نسبة لا تتجاوز 13%، ولكن بالتقطير يمكن أن تصل نسبة الكحول إلى 50%، وتعرف المستحضرات الكحولية بالنبيذ والبيرة والويسكي وغيرها. وتدل النصوص التاريخية على إستعمال الخمور كمشروب مريح ويعطي بعض النشوة، وفي الحفلات والمناسبات والمعابد، وعبر التاريخ كان هناك إساءة إستعمال واعتماد على الكحول، وقد حرّمته الديانة الإسلامية وحذرت منه الكثير من الديانات، وهناك بعض الدول الإسلامية التي تمنع تداوله وأخرى تسمح ببيعه بمستويات متفاوتة من الحرية، ويشكل الإدمان الكحولي مشكلة كبرى في الدول الصناعية، وفي الدول العربية والإسلامية المشكلة أقل إلا أنها قائمة، إن تناول الكحول بالمناسبات والأعياد يمارسه الكثير من البشر دون أضرار، أما الإستعمال اليومي المتزايد في الكمية وعلى مدار اليوم يؤدي للاعتماد الجسدي.
 التأثير النفسي:
يستغرق إدمان الكحول سنوات في العادة وهو يتطور حتى يصل للشرب مجرد فتح العينين في الصباح ولا يتوقف إلا عند النوم، ويؤدي ذلك لتدهور في القدرات العقلية والخرف والإكتئاب والهلوسة الكحولية، وعند التوقف المفاجئ يحدث الهذيان الإرتعاشي، ومتلازمة كورساكوف في النسيان والتلفيق، والغيرة المرضية.
 التأثير الجسدي:
يؤدي الكحول لالتهاب الأعصاب الطرفية، إرتفاع معدلات السرطان في الجهاز الهضمي، وتليف الكبد ويؤثر على عضلة القلب ويؤدي لفقر الدم واعتلال العضلات ويؤثر على الجنين في المرأة الحامل، ويؤدي للنقص الغذائي خصوصاً الفيتامينات، ويعطل الأداء الجنسي، وعند التوقف قد تحدث نوبات صرع وتلف في المخيخ والتهابات في العضلات.
 التأثير الإجتماعي:
إن تناول المشروبات الكحولية عملية متواصلة، فالشخص الكحولي لا يستطيع أن يفارق المشروب، وهذا يعني أنه قد يشرب في العمل والشارع والبارات والبيت، وتدور حياته حول الشرب لدرجة الإنهاك والتسمم والنوم، وبالتالي تضطرب العلاقات الإجتماعية وغالباً ما تجد زوجة مدمن الكحول مصابة بالإكتئاب، ويهمل عمله وينعزل إجتماعياً وقد تنعزل الأسرة بكاملها للحرج الذي يسببه المدمن للعائلة أمام الناس، ويتعرض هؤلاء الأفراد لمشاكل كثيرة مثل حوادث السير الخطرة نتيجة قيادة السيارة تحت تأثير الكحول، ويتدهور المستوى الإقتصادي والإجتماعي، وهناك نسبه ممن يصبحوا متشردين ويستجدوا الناس في الشوارع حتى يجمعوا قيمة المشروب فيسارعوا لشرائه، ويشكل الكحول مشكلة إجتماعية تراها في شوارع الدول الغربية، وفي المجتمع العربي تبقى المشكلة داخل البيوت إلاّ فئة من الذين يضطربوا بعد الشرب ويصبحوا عنيفين ويتشاجروا في البارات، ولا تكاد دورية شرطة في المدن تمضي يومها دون مواجهة مشاكل من سكروا وبدأوا يتصرفوا بطرق غير مناسبة.

المذيبات والمواد الطيارة
هي مجموعة من المواد الطبيعية والمصنعة والتي لها خاصيه إذابة بعض المواد الأخرى وإطلاق أبخره نتيجة لذلك، ولذلك تسمى المذيبات الطيارة والتركيب الأساسي لهذه المواد هو الهايدروكربون ومنها: البنزين، ومزيل طلاء الأظافر (الأسيتون) والأصباغ و الأصماغ، وغاز الولاعات، وبالرغم أن هذه المواد بالأساس لها استعمالاتها المعروفة في الحياة اليومية والصناعة، إلا أن البعض يقوموا باستنشاق أبخرتها ويكرروا ذلك للانتعاش والمتعة وخصوصاً الأطفال والمراهقين، وهناك ما يشير إلى أن إساءة الإستعمال لهذه المواد قد بدأت منذ قرنين من الزمان على الأقل، ولا تؤدي هذه المواد للإعتماد الجسدي ولكن التعود النفسي، وهناك من يجربها مره أو يكررها بين الحين والأخر، وهناك من يصبح عنده الشم عادة يومية ، وأضرارها خطره.
• التأثير النفسي:
يتأثر سلوك المتعاطين لهذه المواد ويصابوا بالهلاس البصرية والسمعية، ويتكدر مزاجهم بعد الشم وقد ينتحروا، وتتأثر قدرات الأولاد على الدراسة والانتظام في الدوام الدراسي ويتأخر تحصيلهم.
• التأثير الجسدي:
قد يؤدي الإستنشاق للذهول والغيبوبة وتوقف القلب المفاجئ والوفاة، وإضطراب البصر، وتأثر الكبد والكلى وإصابات الدماغ والتهاب الأعصاب.
• التأثير الإجتماعي:
إن إنتشار هذه الظاهرة بين الأطفال من عمر العاشرة والمراهقين للشباب، غالباً ما يترافق مع الانحراف السلوكي والهروب والتسرب من المدرسة. وكما أن هؤلاء المتعاطين غالباً ما يتحولوا تدريجياً للمواد الأخرى كالكحول والحشيش، وذلك مع تقدم العمر وتحسن الإمكانية المادية لشراء مواد أخرى.

القنابيات (الحشيش والماريوانا)
القنابيات هي مجموعة من المستحضرات من نبته القنب الهندي، وهي نبته حوليه تنمو لارتفاع مترين ولها أوراق طويلة مسننه، ويعتقد أن النبتة قد وجدت أصلاً في أواسط آسيا حيث مازالت تنمو بصورة برية ومن هناك انتشرت لدول كثيرة منها لبنان والمغرب ومصر واليمن، وهناك ما يزيد عن خمسين صنفاً من هذه النبتة تنمو في ظروف مناخية مختلفة، وهناك تفاوت بين صنف وأخر، و إختلاف بين نوعية وفعّالية المستحضر من النبتة الواحدة تبعاً لما إذا كان مستخلصاً من الساق أو الأوراق أو الأزهار وفيما إذا كانت النبتة ذكراً أم أنثى، ومعظم المادة الفعالة تتركز في الأوراق القريبة من الأزهار أو في الأزهار نفسها.
الماريوانا مستحضر خفيف الفعالية ويؤخذ من أوراق وساق النبتة بعد تنشيفها ويدخن كالسيجارة أو الغليون، ويمكن خلطه مع الحلويات أو تحضيره على شكل شراب، ويمكن الحصول على مستحضر من الصمغ الذي يفرز من أوراق النبتة المزهرة في أعالي النبتة والذي يسمى بالشرق الأوسط بالحشيش. وفعالية الحشيش عثرة أضعاف فعالية الماريوانا وذكرت النبتة واستعمالها بالصين ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد.
تحتوي النبتة على حوالي 400 مركب كيماوي، وقد استعملت عبر التاريخ في العلاج لليرقان والسعال وبعض الطفيليات وأمراض المفاصل، ولكنها استعملت في المعابد والاحتفالات وهي من أكثر المواد الممنوعة إنتشاراً في العالم، ولا تسبب اعتماد جسدي ولكن اعتماد نفسي، والتناول الطويل للقنابيات يؤدي لتأثيرات عديدة.
 التأثير النفسي:
إن الإستعمال الطويل يؤدي للخمول واللامبالاة ونقص الدوافع والحوافز وضحّالة العواطف، والإكتئاب والنسيان، ويؤثر على القدرة على قيادة السيارة بشكل أمن، زيادة إنتشار الإضطرابات الذهانية والتوهم الإضطهادي والفصام، حالات من القلق والهلع، وفقدان الإهتمام بالمظهر الخارجي، والاتجاه للخضوع والمسالمة والبعد عن العنف، فقدان الهدف والإنسحاب من المنافسة، وفقدان الأمل والطموح، ونادراً ما تؤدي للعنف.
 التأثير الجسدي:
تتأثر الحركة العضلية وتناسقها في الحركات المعقدة، زيادة الالتهابات الرئوية والربوية، وزيادات الأورام السرطانية في الصدر. وتأثر الدماغ والعقم.
 التأثير الإجتماعي:
لا شك أن الإعاقة الإجتماعية للمتعاطين هي من أهم الآثار ولكنها لا تكن واضحة، فلا بد أن تتأثر إنتاجية الفرد والمجتمع، وتفاعل الأفراد مع مشاكل أسرهم ومجتمعهم، ويعتبر تعاطي الحشيش الخطوة الأولى نحو الهيروين والكوكايين، وسهولة التعاطي بالتدخين تجعل من التعاطي وكأنه مقبول إجتماعياً فمن يعرف أن هذه السيجارة تحوي الحشيش؟ وهناك محاولات في دول عديدة لتحرير الحشيش من الحظر القانوني على إعتبار أنها لا تزيد في أضرارها عن الكحول والتبغ المسموح، وهذا غير مقبول فالأصل هو التخفيف من المواد الخطرة المسموح بتداولها لا زيادتها.

المهلوسات
عرفها الإنسان عبر التاريخ من نباتات متعددة مثل المسكالين المأخوذ من نبات صبيري ومادة بسايلوسايبين في نوع من الفطر، ومادة (ل س د) وهي موجودة بنبات يدعى مجد الصباح ويتم تصنيعه، وهناك عدة أنواع أخرى مصنعة كيماوياً مثل غبار الملائكة وعقار الحب. وغالباً ما يكون إستعمال هذه المواد في الحفلات والمناسبات وليس بشكل يومين وقد يؤدي إستعمال كمية قليلة ولمره واحدة لهلاوس فورية، وثم تكرار الهلوسة حتى دون استعمال المادة. والآثار التي تؤدي إليها هذه المواد كثيرة جداً وحسب النوع المستعمل وكميته.
 التأثير النفسي:
يتغير المزاج للنشوة أو للتكدر والانقباض والضيق الشديد، والهلاوس البصرية والسمعية تكون على شكل رحله خارج العالم وقد تكون الرحلة ممتعة أو مرعبه وخلال تأثير المادة، قد يشعر المتعاطي أنه قادر على الطيران فيقفز من إرتفاع عالي، ويضطرب السلوك بناءاً على الهلاوس، وقد يؤدي الإستعمال لإضطراب ذهاني فصامي، أو هلاوس متكررة.
 التأثير الجسدي:
إرتفاع ضغط الدم، وتسارع ضربات القلب والوهن العضلي والارتعاش والغثيان والنفس السريع والعميق، وفقدان التآزر العضلي الحركي. يتأثر السمع والبصر وكأن الفرد قد أصبح قادراً على رؤية الصوت وسماع اللون.
 التأثير الإجتماعي:
كثيراً ما أدت هذه المواد لمخاطر على الفرد ومن حوله، وهناك حالات أصيبت فيها مجموعه من الناس بالهلوسة بعد تناول المادة عن قصد أو بالخطأ، ولا شك أن هذه مواد مدمره للمجتمع، خصوصاً إذا أصبح إستعمالها متداول، ولكن المألوف أن من يتعاطوها هم عادة ممن يتعاطوا العديد من المواد الأخرى وتختلط أثارها الإجتماعية بأثار المواد الأخرى، بما فيه من دمار للحياة الأسرية والوظيفية والإجتماعية.

الدكتور وليد سرحان
مستشار الطب النفسي
عمان-الأردن
wsarhan34@gmail.com

همسات نفسية -2074- الإنتحار Suicide

12.

همسات نفسية -2074-
الإنتحار Suicide

يعرف الإنتحار بأنه فعل يؤدي بالنتيجة للموت، ويكون هذا الفعل قد قام به المنتحر عالماً بما سيؤدي إليه، وأساليب الإنتحار تتنوع من الغرق والشنق إلى الحرق وابتلاع المواد السامة والحبوب أو القفز من الأماكن العالية أو إستعمال الأسلحة النارية، ومعظم حالات الإنتحار يكون قد تم الإعداد لها إذ يختار المنتحر وقت الفجر، وعندما لا يكون أحد في البيت، أو يقوم بالعملية في مكتبه بعد أن يغادره الجميع، وقد يغلق الأبواب بطريقة تؤخر فرصة إنقاذه من قبل الأسرة والمحيطين به. كما أن بعض المنتحرين يتبع عدة احتياطات فيقوم ببلع كمية كبيرة من الحبوب أو السموم ويقطع شرايين الرسغيين ويعلق نفسه بحبل والباب مغلق من الداخل بما يعطي صورة عن مدى إصراره على الموت، وعدم رغبته بأن يتم إنقاذه، ومن الغريب أن أكثر من ثلثي المنتحرين يكونوا قد ذكروا نواياهم بطريقة أو أخرى للأسرة أو الأصدقاء أو الأطباء ولكن أحداً لم يأخذ الموضوع على محمل الجد.

انتشاره وأسبابه
يعتبر الإنتحار أحد أهم عشرة أسباب للوفاة في الكثير من الدول، إن معدل الإنتحار في أي مجتمع له تأثير على المجتمع، ويعكس بشكل واضح قدرة المجتمع على احتواء هذه الظاهرة ومنعها، وتتفاوت المعدلات المعلنة للإنتحار في الدول المختلفة بين 25 -40 حالة انتحار لكل مائة ألف من السكان سنوياً في الدول الغربية، وتنخفض في الدول العربية إلى 1 -2 حالة لكل مائة ألف من السكان سنوياً، ويبدو أن هناك حماية من الإنتحار في المجتمع الإسلامي والعربي بسبب الوازع الديني والترابط الأسري والإجتماعي، ولكن إنخفاض معدل الإنتحار في هذه الدول يلعب به عامل أخر وهو عدم دقة التبليغ، لما يحمل الإنتحار من وصمة في المجتمع فإن الكثير من الحالات لا تسجل على أنها انتحار، وتعطى أسباب طبيعية للوفاة، وهذا يعني أن الإحصاءات في الدول العربية لا تعبر عن حجم المشكلة الحقيقي، ومع ذلك فإن معظم الدول العربية شهدت إرتفاعاً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين.
الذكور أكثر إنتحاراً من الإناث، كما أن العزلة الإجتماعية والعائلية تزيد من إحتمال الإنتحار، فالمطلقون والأرامل والعزاب أكثر إنتحاراً من المتزوجين، وأما المشاكل النفسية فعلى رأسها الإكتئاب الذي يؤدي إلى 70% من حالات الإنتحار، ويتوزع الباقي على مرضى الفصام والإدمان وإضطرابات الشخصية.
والإكتئاب الذي يؤدي للإنتحار غالباً ما يكون بين المتوسط للشديد، وإذا ترافق مع البطالة وتكرار محاولات الإنتحار في السابق وعدم الوصول للعلاج وعدم وجود دعم إجتماعي، كما أن الطبقات الإجتماعية العالية والفقيرة أكثر ميلاً للإنتحار من الطبقات الوسطى، كما أن هناك مهن كالأطباء والقضاة والكتّاب أكثر ميلاً للإنتحار من غيرهم.
وهناك تقرير من عدد من الدول المتقدمة تفيد بانخفاض معدلات الإنتحار نتيجة تحسن معالجة الإكتئاب، في حين أن هناك زيادة ملحوظة في دول أخرى مثل روسيا ويرتبط ذلك بالتفكك الإجتماعي والإدمان على المخدرات.

التعامل مع الإنتحار
إن من أنتحر ونجح في ذلك قد يبدو وكأن مشكلته انتهت ولكن الواقع أن هناك مشاكل ستظهر بين أفراد أسرته أو أصدقائه وحتى الطبيب الذي يعالجه، لأنهم لم ينتبهوا إلى تلميحاته وتصريحاته.
أما إذا أبدى المريض الذي يعاني من أي مرض نواياه الإنتحار، أو ظهر على تصرفاته ما يشير إلى ذلك مثل توديع الناس وتوزيع مقتنياته الثمينة، أو محاولة الإنتحار فإنه لابد أن يخضع هذا المريض للتقييم النفسي الكامل وأن يبدأ علاجه بشكل سريع وبمراقبته تمريضية حثيثة، وقد يكون ذلك في المستشفى، وإذا كان في البيت لابد من وجود من يرافق المريض على مدار الساعة، بالإضافة للعلاج الدوائي والنفسي المكثف.
وبما أن معظم المنتحرين يكونوا قد حاولوا الإنتحار سابقاً فهذا يعني أنه لم تستغل فرصة المحاولة لتقييم المريض وتقديم المساعدة له.
وفي مجتمعنا العربي لابد أن نعمل بجد بهدف إبقاء الإنتحار تحت السيطرة وذلك يتم بعدة وسائل:
1- التركيز على الوازع الديني وتجريم قتل النفس.
2- عدم التخلي عن الأسرة المتحدة، والتكافل الإجتماعي والتعاطف الذي يتمتع به مجتمعنا لفترات طويلة، ويلاحظ في السنوات الأخيرة أن هناك بوادر تفكك لهذا التكافل المحبب والمطلوب.
3- زيادة الوعي للمشاكل النفسية عموماً والإكتئاب خصوصاً بين الناس.
4- إدخال الصحة النفسية ضمن خدمات الصحة بشكل عام فمرضى السرطان والسكري والفشل الكلوي والإيدز والكثير من الأمراض المزمنة كأمراض القلب وتصلب الشرايين ترتفع بها نسب الإكتئاب إلى 30-40%، ولا يتم اكتشافها ولا علاجها، ولو تم مسح دائم لهؤلاء المرضى لاكتشفنا ألاف الحالات وتمكنا من معالجة الإكتئاب ومنع الإنتحار.
5- توفير الخدمات النفسية والإرشادية في المدارس والجامعات والمصانع والتجمعات السكانية.
6- إدخال المرض النفسي ضمن أولويات الخدمات الصحية وضمن أنظمة التأمين المختلفة والتي دأبت على استثناء المرض النفسي دون منطق.
7- تدريب طلاب الطب والأطباء العامين في ميدان الطب النفسي، والتأكيد على قدرة الطبيب العام على تمييز الإكتئاب وتشخيصه وعلاجه والانتباه للنوايا الإنتحارية وتحويل هؤلاء المرضى للأطباء النفسيين.
8- تدريب الأخصائيين الاجتماعيين والممرضين واختصاصي علم نفس على تقييم الخطورة الإنتحارية في حالة إلحاقهم للعمل في الخدمات الصحية والإجتماعية، والمستشفيات العامة خصوصاً.
9- معالجة الحالات النفسية التي تحمل خطورة الإنتحار وخصوصاً الإكتئاب الشديد، بحذر ودقه وفي مكان متخصص وآمن، وضمن رعاية طبية وتمريضية بتخصصه في مستشفى نفسي أو قسم للطب النفسي في مستشفى عام.
10- العمل على تعديل القوانين بحيث يصبح تقييم من حاول الإنتحار نفسياً إجبارياً، وألا تغلق الشرطة والإدعاء العام القضية بمجرد التحقيق أنها محاولة الإنتحار بل الإنتظار للحصول على تقرير طبي نفسي بذلك.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -2073- إيذاء النفس المتعمد deliberate Self-harm

123

همسات نفسية -2073-
إيذاء النفس المتعمد deliberate Self-harm

إيذاء النفس المتعمد يقصد به الفعل الذي لم يؤدي للوفاة وقد لا تكون الرغبة في الموت هي هدفه أصلاً وكانت هذه الأفعال تصنف في الماضي على أنها محاولات انتحار لم تنجح، ولا يمكن الفصل التام بين الإنتحار وإيذاء النفس المتعمد فبعض حالات الإنتحار الجادة قد يتم فيها إنقاذ المريض وبالتالي تصبح ضمن إيذاء النفس المتعمد، وبعض من يقوموا بإيذاء أنفسهم متعمدين قد يخطئوا في تقدير الفعل ويموتوا فيصبحوا من المنتحرين ولو أن نيتهم في الموت لم تكن قائمة. كما أنه لابد من التأكيد على العلاقة الحميمة بين السلوكيين، فمن يقوموا بإيذاء أنفسهم متعمدين سيكون خطر انتحارهم خلال عام هو مائة ضعف الشخص الذي لم يؤذي نفسه.
والأساليب المتبعة في إيذاء النفس المتعمد تكون جروح سطحية في الرسغين أو الصدر أو البطن، أو أخذ جرعات زائدة من الأدوية أو إستعمال مواد سامة بكميات صغيرة، وغالباً ما يقوم الشخص الذي يؤذي نفسه بهذا العمل دون إخفاء ذلك أو جعل الأمر صعب الإكتشاف، بل على العكس غالباً ما يقوموا بهذه الأفعال أمام الآخرين وبطريقة استعراضية، وإن لم يكن هناك أحد فبعد تناول الجرعة أو جرح الرسغ يقوم بالإتصال الهاتفي مع صديق أو أحد أفراد العائلة أو الإسعاف، وكأنه بإيذاء نفسه يود إرسال رسالة لمن حوله أنه يعاني أو أن طلباته لا تلبى أو أنه يريد اهتمام أكثر ممن حوله، فهي تحمل معاني مختلفة عن الإنتحار ففي الأوراق التي يكتبها المنتحرون الجادون تراهم يعتذروا ويطلبوا الصفح عنهم والمغفرة من الله عز وجل، أما من يقوموا بالإيذاء فعلى الأغلب يكتبوا لوم وعتاب على الأهل، ولا يعتذروا مما فعلوا ولا يطلبوا المغفرة.

إنتشار وأسباب إيذاء النفس المتعمد
إن إيذاء النفس المتعمد أوسع إنتشاراً من الإنتحار بحوالي 30 – 50 مرة، وهذا يعني أن المعدل يتراوح بين 300- 500 حالة إيذاء نفس متعمد لكل مائة ألف من السكان، وهو أكثر حدوثاً بين الإناث من الذكور، وفي السن الأصغر ويزداد بين المطلقين والزوجات الصغيرات دون سن العشرين، وهذه المعدلات العالمية، وأما المعدلات العربية فهي أقل بلا شك ولكن المسجل منها أقل بكثير، ولكن الصفات المذكورة هي موجودة ومشاهدة في المجتمع الغربي، وتلعب العوامل الإجتماعية دوراً هاماً في هذه الظاهرة، تزداد في المدن المكتظة والحواري وبين العاطلين عن العمل، ومن المعروف أن الذين أذوا أنفسهم يكونوا قد تعرضوا لأحداث الحياة الضاغطة خلال الستة شهور السابقة، أضعاف من لم يقوموا بهذه الأفعال.
ويبقى الإكتئاب أهم الإضطرابات النفسية المؤدية لهذا السلوك يليه القلق عند النساء والإدمان عند الرجال، وهناك نسبة كبيرة من أصحاب الشخصيات المضطربة يكرروا محاولات إيذاء النفس.
وأما الأسباب التي يعطيها من أذوا أنفسهم فقد تشمل الموت أو التخلص من العذاب والرغبة في الراحة أو تغيير سلوك الآخرين أو الهروب من مأزق واظهار اليأس للأخرين أو طلباً للمساعدة.
والعوامل التالية مرتبطة في تكرار الإيذاء:
– المحاولات السابقة.
– إضطراب الشخصية.
– الإدمان وإساءة إستعمال المؤثرات العقلية.
– تاريخ سابق للمعالجة النفسية.
– البطالة.
– تدني المستوى المادي والإجتماعي.
– وجود تاريخ من العنف.
– الأعمار من 25 – 54 سنة.
– العزاب والمطلقين.

ومن المعروف أنه خلال عام سيكرر 1 من كل ستة مرضى إيذاء نفسه وسينتحر 1 من كل 100 شخص حاول إيذاء نفسه.

التعامل مع إيذاء النفس المتعمد
إن التعامل مع هذه الفئة من المرضى تشمل العديد من الخدمات وتشمل خدمات الرعاية الصحية الأولية، وخدمات الإسعاف وأقسام الطوارئ في المستشفيات والخدمات الإجتماعية، وبالتالي لابد أن يكون العاملين في هذه المجالات مدربين على تقييم كل حالة وإتخاذ القرار المناسب بالتعاون مع الطبيب النفسي.
من المؤسف أن نسبة كبير ممن يحاولوا إيذاء أنفسهم لا يصلوا لعلم أحد، والبعض قد يصل الطبيب العام ومراكز الرعاية الصحية الأولية، والبعض يصل لأقسام الطوارئ دون إدخاله للمستشفى، والبعض يدخل المستشفى في أقسام مختلفة كالحروق أو الأمراض الباطنية أو الجراحة أو العناية الحثيثة، وفي قوانين الدول المتقدمة كل حالة إيذاء متعمد للنفس لابد أن يتم تقيمها نفسياً، وهذا غير معمول به في معظم البلاد العربية يخرج معظم هؤلاء المرضى من المستشفى بعد أن يتم التعامل مع الإصابة الجسدية، أما الإصابة والمعاناة النفسية فتُهمل، وفي الأحوال التي يستعان بها بالطبيب النفسي لأخذ الرأي غالباً لا يكون هناك أي معلومات متوفرة عن المريض، ومن هنا تأتي أهمية وجود الأخصائي النفسي والإجتماعي في المستشفيات العامة والذي يجب أن يعد تقريراً وتقديراً للحالة قبل أن يقوم الطبيب النفسي بتقييم المريض.
ولابد أن يتم تقييم المريض من قبل الأخصائي النفسي والإجتماعي والطبيب النفسي وأعضاء الفريق الطبي النفس إذا توفر ذلك، ويشمل التقييم على ما يلي:
1- تقييم خطورة الإنتحار.
2- تقييم خطورة تكرار إيذاء النفس.
3- الحالة الصحية الجسدية.
4- الظروف الإجتماعية.
5- ما هو التشخيص النفسي للمريض.
6- ما هي الخطة العلاجية للمريض ومن سينفذها.

الدكتور وليد سرحان