أرشيف المقالات: مقالات

همسات نفسية – 475 – الفص الصدغي من المخ Temporal lobe

14

همسات نفسية – 475 –
الفص الصدغي من المخ
Temporal lobe

في هذا الفص من الدماغ يوجد مركز السمع وتتمركز اللغة في النصف الأيسر من الدماغ، وأما الموسيقى فتكون في النصف الأيمن.
والفص الصدغي مسؤول عن الذاكره والتعلم ويحوي الفص الحوفي (Limbic Lobe) وهو مسؤول عن الشم والمشاعر والأحاسيس.
الفص الصدغي مسؤول عن ادراك اللغه والسمع والبصر وربطها بالذاكره.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 471 – المهاد Thalamus

14

همسات نفسية – 471 –
المهاد Thalamus

هي أحد أجزاء الدماغ والتي تعتبر محطة رئيسية للاتصالات بين اجزاء الدماغ المختلفة والتواصل مع المخيخ والنخاع الشوكي.
يستعمل المهاد الاشارات الحسية من كافة انحاء الجسم كما تساهم في خروج الأوامر الحركية لعضلات الجسم، ويقسم المهاد لعدة أنويه يتوزع العمل عليها وهي جزء من الجهاز الحوفي.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 470 – الدماغ

14

همسات نفسية – 470 –
الدماغ

يزن الدماغ البشري 1.5 كغم، وهذا يشكل 2% من وزن الجسم، ويتكون الدماغ من مائة مليار خلية عصبية.
ينقسم الدماغ الى نصفين أيمن وأيسر وبينهما اتصال وتنسيق دائم، وكل نصف يتشكل من عدة فصوص، أما جذع الدماغ فهو مسؤول عن الكثير من الوظائف الحيوية كالتنفس والقلب.
الجهاز الحوفي The Limbic System هو شبكة معقدة من المراكز والاتصالات وهي المسؤولة عن الذاكرة والعواطف وفيها تحدث الاضطرابات النفسية وفيه تعالج.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسيه -11- المخدرات والمؤثرات العقلية واضرارها على جسم الأنسان

12

همسات نفسيه -11-
المخدرات والمؤثرات العقلية واضرارها على جسم الأنسان

إن تعاطي المخدرات يعني ببساطة دخول مواد سامة للجسم وليس بالضرورة أنها نقيه ومصنعه بإشراف علمي، بل هي مغشوشة وفيها الكثير من الشوائب التي قد تكون قاتله بحد ذاتها، والآثار على الجسم كبيرة ومتعددة وتعتمد على نوع المخدر، وفيما إذا كان نقي أو مخلوط وطريقة استخدامه، فالشم والتدخين يؤدي لأضرار مباشرة في الأنف والجهاز التنفسي بينما الحقن الوريدي يؤدي لنقل الأمراض مثل الإيدز والتهاب الكبد الوبائي، ولكن عموماً نجد المدمنين في صحة هزيلة ويكون المدمن شاحب ضعيف، ويبدو عليه المرض وكثيراً ما يخسر من وزنه ويكون مشتت وخائف وهو يخفي سراً عن أهله وعن الأمن، ويترافق هذا مع تغيير سلوكه في التكتم والسرية والانقطاع عن المجتمع والهوايات وحتى الأكلات والمناسبات التي كان يحبها، ويمكن لأي مراقب أن يشك بوجود خلل في هذا الإنسان والخلل قد يكون سلوكي ونفسي وعضوي في آن واحد.
وتتفاوت الأمراض بين من يتعاطى بين الحين والأخر ومن يستمر بالتعاطي بشكل دائم، وكذلك من يتعاطى نوع واحد ومن يخلط العديد من الأنواع. هناك من يشرب الكحول ويتعاطى الكبتاغون والحشيش ثم ينتقل للهيرويين، وبالتالي ستجد عنده كل المضاعفات، وكما أن الفحص الطبي للمدمنين يعتمد في نتائجه على ما إذا كان المدمن في حالة تسمم بالمادة أو استعمال أو انسحاب، ولأن الأعراض تختلف في كل مرحلة وفي كل ماده.
بشكل عام يموت المدمن قبل أقرانه ويصاب بأمراض عديده ويكاد لا يتوقف عن الدخول من مرض لآخر خصوصاً من أدمن لسنوات طويلة.
الأمفيتامينات:
وهي مجموعة من المنشطات تنتشر في الأردن والشرق الأوسط منها الكبتاغون، وهي منبهات قد تمنع النوم لعدة ايام وترفع حرارة الجسم وضغط الدم وتزيد من ضربات القلب وتؤدي لفقدان الشهية وهبوط الوزن وسوء التغذية، ويبدو المتعاطي مجهد وعرقان حتى لو كانت الحرارة عادية، وتظهر عليه حركات عضلية لاإرادية وتبدو حدقة العين متوسعة ويشكو المدمن من صعوبة التنفس وقد يصاب بنوبات صرع وذلك للتأثر على الدماغ، وبالتالي فإن تأثر الدماغ قد يؤدي لإضرابات المزاج والقلق والذهان وتدهور القدرات العقلية، ويحدث مشاكل جلدية قد تكون شديدة ومشاكل في الفم واللثة والأسنان.
الأفيونات:
ويشتهر منها الهيرويين وهي من أشد المخدرات إدماناً وفتكاً بالبشر، وبداية تؤدي لفقدان الشهية وفقدان الرغبة الجنسية والحكة في الجسم وغباش النظر وعدم الإحساس بالألم لدرجة أن يجرح المدمن ولا ينتبه إلا بعد وقت، وإذا كانت الجرعات الوريدية عالية فقد تؤدي لتوقف التنفس والوفاه الفورية.
وبالاستعمال لفترات طويلة يهزل الجسم ويهبط الوزن وتضعف المناعة بشكل واضح وتؤدي للالتهابات المتكررة وتلف الأوردة والإصابة بالتهاب الكبد والايدز بالمحاقن الملوثة، كما يؤثر في الأنثى على الدورة الشهرية والحمل والولادة والجنين ولا يكاد ينجو عضو في الجسم من الضرر الذي يلحقه به الهيرويين من الكبد للكلى والرئتين والدماغ ومما يؤدي هذا لاضطرابات عصبية ونفسية عديدة وبالتالي الوفاة.
الكوكايين:
مع أنه مازال قليل الإنتشار في الأردن والشرق الأوسط إلا أن العديد من شبابنا يتعاطوه في الخارج وخصوصاً في اللهو والحفلات، وهو منشط للجهاز العصبي يؤدي لضعف الشهية وزيادة حرارة الجسم وضربات القلب وتوسع حدقة العين، ويؤدي للغثيان والقيء وتلف الأنف والفشل الكلوي الحاد والجلطات الدماغية والقلبية ونوبات الصرع، وعلى المدى الطويل فإن الوفيات من النوبات القلبية تستمر ومشاكل الطعام والجهاز الهضمي تتفاقم، وكل الإضطرابات النفسية وارده في الكوكايين.
الحشيش والماريوانا:
كلاهما من نبات القنب وهو الأكثر شيوعاَ في العالم، ويؤدي لاحمرار العيون وعادة ما يحمل المتعاطون قطرات للعين لإزالة الاحمرار حتى لا يلفت النظر, ويبدو عليهم الإعياء والهزل وفقدان الحماس والنشاط وتغير الوزن وتغير المزاج والعادات في الملبس والمأكل والشعر والموسيقى المفضلة، ويصاب المتعاطين بجفاف بالفم وإضطرابات الذاكرة والتآزر الحركي العضلي ونوبات الصرع، والقلق والفزع وتبدد الذات والأمراض الذهانية كالفصام.
تتكرر التهابات الجهاز التنفسي والحلق وتزيد ضربات القلب ويرتفع ضغط العين، وتضعف المناعة لكل الإلتهابات والأمراض وتزداد الإصابة بالسرطانات ويتأثر الجنس وهرمون الذكورة وعدد الحيوانات المنوية، ويؤثر على الحمل والولادة والجنين.
المواد الطيارة:
مع انها ليست من المواد الممنوعة إلا أن أثارها وخيمه خصوصاً أن من يلجأ لها هم المراهقون، وتشمل البنزين وغاز الولاعات والدهان والتنر، ومضادات الحشرات والأستون والمذيبات والصمغ.
ومن الممكن أن تؤدي للتسمم والوفاه من إستعمال لمرة واحدة دون تكرار أو إدمان.
وأما مع الإستمرار ولو كان متقطع فإن كافة أجهزة الجسم تتأثر من الجهاز التنفسي للعصبي للهضمي والقلب والكبد والكلى والدم، ومن الشائع تكرار الإلتهاب الرئوي الذي قد يكون قاتل بسبب ضعف المناعة، وقد يحدث انقطاع في التنفس أثناء الإستنشاق.
يتأثر الجهاز العصبي بصورة مباشرة مما يؤدي لفقدان التوازن والغيبوبة والحركات اللاإرادية والإرتجاف والتشنجات الصرعية والهيجان واعتلال الأعصاب الطرفية وقد يصل الأمر للأغماء والموت. ويحدث حرقة في الفم والحلق والألم في البطن وغثيان وقيء واسهال والتهاب البنكرياس وتضطرب ضربات القلب وقد يتوقف القلب بصورة مفاجئة قد تحدث اعتلالات عديدة في عضلة القلب والأوعية الدموية بالإضافة للأثار الضارة على الكبد وتليفه وحدوث أورام خبيثة.
وتصاب الكلى بأمراض مختلفة بشكل مزمن ويحدث فشل كلوي حاد أو مزمن مع فقر الدم وظهور بعض أورام الدم مثل اللوكيميا والأورام الجلدية.
المهلوسات:
مع أن استعمالها في بلادنا قليل ولكن العديد من الشباب يجربوها في سفرهم للخارج، وتأثيراتها خطرة بشكل عام بسبب أثارها المفاجئة، فليس من المستغرب أن يقوم المتعاطي بالقفز من مكان مرتفع اعتقادا منه أنه يجيد الطيران.
يكون هناك ارتفاع بالحرارة وضربات القلب وضغط الدم وزيادة في اللعاب والغثيان وقد تحدث مضاعفات متعددة مع كل من المواد المهلوسة، ولكن مع قصر فترة وجودها بالجسم وعدم تكرارها تخف الأثار، ولكن لوحظ في بعض المواد الأخرى وجود مهلوسات ضمن الخلطات وقد تكون من الفطر السام أو عقار ل س د، ومن المرعب أن بعض من تعاطوا المهلوسات استمروا بالهلوسة بعد تناول جرعة واحدة فقط من المادة، وقد سجلت حالات موت مفاجئة من استعمال المهلوسات.
من هذا الاستعراض المختصر نرى أن كل خليه من خلايا الجسم سوف تضرر من المخدرات، وهذا يطرح سؤال كبير عن الجرأة التي يحملها المدمن ليضع جسمه وحياته في مهب الريح ولا تشعر بالأمان لأنك تعاطيت لفترة ما أو أنك تعرف من تعاطى لفترات طويلة، فأنا أرى الوفيات بين المتعاطين بصورة تثير الرعب، وإن لم تكن وفاة فهناك مرض عضوي أو أكثر ومرض نفسي أو أكثر، اليسَ هذه هي التهلكة فلا ترموا بأنفسكم اليها.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -9- نوبات الفزع

14

همسات نفسية -9-
نوبات الفزع

من أكثر الأمراض كلفه ماليه ومعنوية ، ذلك أن الأعراض تبدو وكأنها مرض عضوي مفاجئ خطير ، فالمريض يشعر بالإختناق وقرب الأجل والغثيان والشعور بإمكانية فقدان الوعي أو السيطرة ، وتسارع ضربات القلب و التعرق ويرافق هذا الخوف الشديد ولكن ما هي إلا دقائق حتى تختفي الأعراض وكأن شيئاً لم يكن , وكل الفحوصات والإجراءات الطبية والتنظير والقسطرة لا تكشف شيء ، ولا يعرف المريض هل يفرح لأن الفحوصات جيدة أم يحزن لأن المشكلة لم تحل ، ويتأكد حزنه بعد أيام أو أسابيع عندما تتكرر الحالة ويعود للفحوصات وتخطيط الدماغ وتصويره ويتلقى إقتراحات من الناس بأن هذا نقص في السكر أو إرتفاع في ضغط الدم ، ويدور المريض في حلقات مفرغه من الخوف الترقب والفزع والتفسيرات الطبية الكثيرة وهذا الإضطراب يؤثر على أكثر من 4% من الناس ، وقد لا يشخص إلا بعد فتره طويلة ، وخصوصاً عندما يترافق مع القلق العام والإكتئاب ويصبح الأمر واضح للجميع أن المريض يتدهور نفسياً يتم التشخيص .

وما يرغب أن يعرفه مريض الفزع كيف له أن يخاف بهذه الحدة وبدون سبب، والواقع إذا كان هناك سبب فإن هذا الخوف لا يسمى فزع وإذا اقترنت نوبة الخوف بالسفر أو التجول في الأسواق ارتبط الخوف بهذه الأماكن وتطور لدى المريض رهاب الساح الذي من الممكن أن يمنع المريض من مغادرة البيت، وليس غريباً أن يصبح المريض غير قادر على ممارسة حياته اليومية بسبب نوبات الخوف ما يعقبها من تطورات في اتجاه الرهاب.

والكلفة المادية تأتي من المبالغ الضخمة التي تدفع لفحوصات غير لازمه والخسارة الأكبر التي تحقق من التأخر في العلاج وفقدان القدرة على الإنتاج والتعطيل عن العمل، مع أن هذا الإضطراب هو أحد إضطرابات القلق المعروفة والتي تستجيب للعلاج الدوائي والنفسي.

الدكتور وليد سرحان
مستشار الطب النفسي

همسات نفسي – 186 – اضطراب الوسواس القهري

12

همسات نفسي – 186 –
اضطراب الوسواس القهري
(Obsessive-Compulsive Disorder)

• الوسواس: هو أفكار أو صور، أو دوافع من داخل الفرد، ولكن يشعر أنها سخيفة ولا يريد التفكير فيها ويحاول مقاومتها ويفشل.
• الطقوس القهرية: هي أفعال متكررة لها هدف ولكن تكرارها هو رضوخ للوسواس، ويعتبر الشخص هذه الأفعال غير منطقية ويحاول مقاومتها ويفشل. وكان الإعتقاد السائد على مدى عقود أن هذا المرض من الأمراض النادرة المزمنة المستعصية، إلا أنه في العقدين الماضيين بدأت الصورة تتغير وتبين أن المرض أوسع انتشاراً، وأن العلاج ليس مستحيلاً وتجددت الآمال لدى الكثير من مرضى الوسواس.
• انتشار المرض: كان الإعتقاد السابق أن المرض يصيب 0,5 % من الناس، إلا أن الإنتشار الآن يقدر 1-2% من السكان، ويزيد المرض في العائلات التي يعاني بعض أفرادها منه، ويبدأ في الطفولة المتأخرة وبداية عمر الشباب، وغالباً لا يصل المريض للعلاج إلا بعد سنوات، ولا يعرف سبب مباشر لبدء المرض، ولكن يلاحظ أنه مع الوقت يصبح المرض وأعراضه أشد خصوصاً عندما يمر المريض بظروف نفسية صعبه ، ويعاني الكثير من مرضى الوسواس من أعراض الإكتئاب، وبعضهم من نوبات الفزع وكما أن هناك بعض الإرتباط بالقلق النفسي واضطرابات الطعام.

وصف المرض:
يعرف المرض بأنه وجود وساوس وأفعال قهرية تؤدي للانزعاج وتؤثر على الشخص، وتكون الوسوسة عبارة عن أفكار أو اندفاعات أو صور متكررة مقتحمة وصامدة رغم تمييزها على أنها سخيفة، كالعد وإعادة الوضوء والصلاة والاستحمام وغسل الملابس بلا مبرر، لوجود أفكار حول النظافة والطهارة والنجاسة، أما الطقوس القهرية فهي الأفعال المتكررة بهدف وقصد ولكنها تلبية للوسواس، ولا تكون هذه الطقوس مفيدة للشخص، بل يتعذب أثناء أدائها. ويحاول المريض تجاهل الأفكار، مقاومتها أو التصدي لها، وفي العادة يكون لدى المريض أكثر من وسواس وأكثر من فعل قهري معاً، ويتردد هؤلاء المرضى في الإفصاح عن أعراضهم، وذلك لخجلهم من الأعراض، والخوف من ردة فعل الناس، والخوف أن يوصفوا بالجنون، ومع مرور الوقت تتحول الأعراض عند بعض الناس إلى نمط حياة وجزء من الشخصية. ويتميز الوسواس عادة أنه يتنافى مع طبيعة الشخص ، فالأم التي أنجبت طفلاً بعد سنوات من الانتظار وتخاف عليه من النسيم ، تأتيها فكرة أنها سوف تطعنه بالسكين ، تخاف من السكاكين وتبتعد عنها وقد تحاول أن لا تختلي بإبنها وتحاسب نفسها بشدة على هذه الفكرة رغم استحالة تنفيذها ، وكذلك الشخص المتدين الذي يهمه رضا رب العالمين، وإتقان العبادات أكثر ما يهمه في هذه الحياة يكون الوسواس عنده مرتبط بالدين، فيأتيه دافع أن يسب الذات الإلهية أثناء الصلاة، أو عند قراءة القرآن الكريم أو كلما دخل المسجد أو بدأ بقراءة الإنجيل أو دخل الكنسية. وكذلك الإنسان النظيف المهتم بهندامه ونظافة طعامه ويخاف م الأمراض، هو الذي تأتيه وساوس النظافة والتلوث والتعقيم.

الشخصية الوسواسه:
وفيها يكون الشخص ميال للنظام والترتيب والدقة والحرص والتردد أحياناً، والتخطيط المسبق والتأكيد على الأشياء، ومن الممكن أن تتحول الشخصية الوسواسه إلى إضطراب الشخصية الوسواسه، وفيه يكون هناك دقة مبالغ فيها، وتكرار زائد وتردد بلا مبرر له، وبطء في الإنتاج، ومن النادر أن تتحول إلى إضطراب الوسواس القهري.

الأسباب:
وهناك عامل وراثي في الشخصية الوسواسه وإضطراب الوسواس القهري، وترتفع معدلات المرض في عائلات المصابين به 5 مرات، ونسبة الحدوث في التوائم المتشابهة هي 75% وغير المتشابهة 32%. وعبر العقود الماضية تطوع العلماء لمحاولة تفسير المرض، ففسره فرويد بأنه توقف في التطور بين المرحلة الفمية والشرجية، أما النظريات المعرفية فترى أن هناك مشكلة في تخزين المعلومات، ومن وجهة نظر سلوكية بأن الوساوس هي نتيجة إقتران الأفكار والدوافع والصور بالقلق، والأعمال القهرية تقترن بتخفيض القلق. أما على المستوى البيولوجي فمن الثابت أن هناك إضطراب في جهاز السيروتونين في الدماغ.

العــــلاج:
يشعر مرضى الوسواس القهري أنه من المستحيل على أحد فهم حالتهم، ولا يمكن أن يكون لها علاج وعندما يعلموا أن هناك علاج يريدون علاجاً فورياً يتلقونه فيشفوا، وحقيقة الأمر أن علاج الوسواس يتطلب أن يتعاون المريض. والعلاج السلوكي من أكثر أنواع العلاج النفسي نجاحاً ويعتمد على الأعراض فإذا كانت طقوس فلا بد من منعها وإذا كانت أفكار لا بد من إيقافها.
ومن حيث الأدوية فإن عقار كلومبرامين (انا فرانيل) كان أول دواء ذو فعالية مضادة للوسواس، وحيث أن هذا العقار يمتاز بعمله على السيروتونين عن باقي مضادات الإكتئاب ثلاثية الحلقات، فقد أنصب الإهتمام على مضادات الإكتئاب الحديثة، والتي تعمل على منع إعادة امتصاص السيروتونين بشكل خاص (SSRI). ولا يستعمل العلاج بالإختلاج الكهربائي إلا إذا كان المقصود من العلاج حالات الإكتئاب الشديدة وليس الوسواس، وفي الحالات الشديدة المستعصية قد يحول بعض المرضى للجراحة النفسية. وللطبيب العام دور عام في هذا المرض فبعض المرضى كثيري التردد على الطبيب العام، قد يلاحظ على السيدة أن جميع أطفالها يعانوا من حالات جلدية نتيجة الإكثار من المنظفات، وإذا تمكن الطبيب من فتح الموضوع مع المريضة، فقد يتمكن من تحويله فالمرحلة الأولى من العلاج لابد وأن تتم من قبل الطبيب النفسي، ويمكن للطبيب العام المتابعة فيما بعد ودعم ما قام به الطبيب المختص.

DR WALID SARHAN
CONSULTANT PSYCHIATRIST

همسات نفسية-2099-

download

همسات نفسيه-2099-
علاج الاكتئاب

إذا ما قدرنا أن حدوث الاكتئاب يقع بفعل مجموعتين من العوامل تعملان منفصلتين أو متضافرتين أو متداخلتين ، تتعلق إحداهما بتكوين الشخص الجيني والعضوي وكيمياء الجهاز العصبي ، فيما تتعلق الأخرى ببناء بيئته ، فإن علاج الاكتئاب يقع أيضا ضمن منظومتي عمل ، قد تستعملان منفصلتين أو متضافرتين تتعلق أولاهما بتعديل أي خلل كيماوي قي الناقلات العصبية ، فيما تسعى الأخرى لتعديل سلوك الإنسان وفهمه لنفسه وظروفه وتحسين طرائق تفكيره . وقد أثبتت العديد من الدراسات أن افضل النتائج إنما تأتي من تضافر الطريقتين .
وبناء على ما تقدم يمكن تقسيم علاج الاكتئاب إلى قسمين رئيسين :
أولاً: العلاج الفيزيائي وينقسم إلى قسمين: –
1) العلاج بالعقاقير ويشمل ذلك الأدوية والأعشاب ومشتقاتها.
2) العلاج بالاختلاج الكهربائي.
ثانياً: العلاج النفسي ويشتمل على عدة أساليب تستند كل منها الى نظرية خاصة في تفسير السلوك الإنساني وبالتالي تفسير الاكتئاب ، ولعل أهمها :-
1) العلاج السلوكي.
2) العلاج المعرفي.
3) العلاج التحليلي.
وسنقوم فيما يلي من صفحات ببحث مختلف العلاجات بشيء من التفصيل .
أولاً العلاج الفيزيائي : –
1) العقاقير : يستند إستعمال العقاقير لعلاج الاكتئاب ، إلى النظرية القائلة أن سبب الاكتئاب يكمن في اضطراب الناقلات العصبية في الدماغ وتحديداً أحادية الأمين بأقسامها الثلاث :
السيريتونين SERITONIN
النورأدرينالين NORADRENALINE
الدوبامين DOPAMINE

وترى هذه النظرية أن الاكتئاب إنما ينجم عن نقص هذه الناقلات في مراكز السيطرة على المزاج في الدماغ. وأن الأدوية بالتالي تهدف إلى زيادة توفرها في المشابك العصبية ، ولعل الطريف بالأمر أن إستعمال الأدوية قاد إلى سلسلة من الأبحاث أوصلتنا إلى تلك النظرية وليس العكس ، حيث لفت التحسن الحاصل في مزاج مرضى التدرن “السل” المعالجين بواسطة عقار الـ INH النظر إلى دور أحاديات الأمين في الاكتئاب ، وشكَّل بداية الفتح العلمي في هذا الموضوع وأدى إلى اكتشاف أولى المجموعات الدوائية لعلاج الاكتئاب، ومع تقدم البحث العلمي ازدادت معرفتنا بالناقلات والمشابك العصبية تفصيلاً وتعقيداً ، وتجاوزت العلاقة بين الموصلات والاكتئاب مجرد العلاقة الجبرية البسيطة (نقص = اكتئاب) إلى آفاق أكثر دقة وتعقيداً وتفصيلاً . واليوم يتوافر لدى الأطباء ترسانة هائلة من الأدوية المضادة للاكتئاب ANTIDEPRESSANTS تفيد في التعاطي مع معظم الحالات والأعراض المتباينة وتعمل على مسارات مختلفة وفيما يلي أهم تلك المجموعات .
1. مجموعة المركبات ثلاثية الحلقات (TRICYCLIC): –
وهذه المجموعة أقدم المجموعات وأوسعها انتشاراً ، وتشمل عدداً من العقاقير منها :
Imipramine, Amitriptyline Clomipramine, والمعروفة تجارياً (Anafranil, Tofranil, Saroten) على الترتيب.

وتتميز هذه المجموعة بفعاليتها ضد أشكال الاكتئاب المختلفة، وعلى الأغلب فإن عناصر هذه المجموعة لها نفس الفاعلية . وما الفروق بينها إلا من حيث مدى الآثار الجانبية ولعل هذا في بعض الأحيان يسهم بالتنوع العلاجي ، ويوسع دائرة الخيارات المتاحة ، وفي معظمها فان هذه المجموعة تتسم ببطء العمل حيث لا تبدأ آثارها بالظهور قبل ثلاثة أسابيع من بداية الإستعمال ، ولذلك ينصح بالانتظار لما ينوف على هذه المدة (6 أسابيع) قبل إصدار الحكم على فعاليتها أو التفكير بتغييرها .
الأمر الآخر المشترك بين أفراد هذه المجموعة هو الآثار الجانبية لها ، وأهمها : جفاف الفم والحلق ، والنعاس ، والإمساك ، واضطراب تدفق التبول ، والاحتباس البولي ، إضافة إلى اضطراب النبض ، وارتفاع ضغط العين ، والتأثير السلبي على البروستات المتضخمة . ومن اللافت للنظر أن شدة هذه الأعراض تتفاوت من فرد لآخر وتظهر في معظمها قبل بدء الأثر الإيجابي للعلاج ، مما يدفع بالعديد من المرضى إلى عدم الاستمرار بالعلاج ، وتوقيفه قبل حصول الإستفادة ، ولذلك فإن توضيح هذا الأمر للمريض يُعدُّ حيوياً لإدامة الاستمرار على العلاج وجزءاً من الممارسة الجيدة .
2. المركبات المثبطة لأكسيد أحادي الأمين
Monoamine Oxidase Inhibitors (M A O I)
تعمل هذه الأدوية على زيادة أحاديات الأمين ، وذلك عبر تثبيط الأنزيم المبطل لفاعليتها في المشابك العصبية ، و قد تراجع إستخدام هذه الأدوية كثيراً بسبب الأعراض الجانبية الهامة لها ، ذلك أن تثبيط الأنزيم بفعلها هو عملية غير مرتجعة (IRREVERSABLE) ، وتؤدي إلى التفاعل السلبي مع الأطعمة المحتوية على مكونات أحاديات الأمين مثل التايرامين (TYRAMIN) محدثةً آثاراً هامة متعلقة بارتفاع متسارع لضغط الدم وعدم استقرار عصبي ، ونظراً لخطورة هذا التفاعل واشتمال العديد من الأطعمة على مادة التايرامين مثل الأجبان ومشتقاتها وبعض اللحوم الحمراء، والفول الأخضر… فإن مستعمل هذه الأدوية بحاجة إلى التزود بقائمة ممنوعات طيلة فترة العلاج ، وهو ما قلل من استعمال هذه الأدوية وهي الآن بالكاد موجودة في العديد من الدول .
مؤخـراً تم تصنيع مثبط للأنزيم مسترجع الفعل (Reversible)، مما يحد من تفاعل الجبن أو التايرامين (Cheese Reaction) ، وفي الأسواق الآن دواء واحد من هذه المجموعة المسماة (R.I.M.A) هو (Meclobamid) (مكلوبامايد) أو تجارياً يعرف بإسم (Aurorix) ويستعمل في حالات الكآبة المترافقة مع القلق ومع الخوف الاجتماعي بشكل خاص .
3. مثبطات استرجاع السيريتونين الإنتقائية SSRIs: –
وهي المجموعة الأحدث ، وتعمل عبر منع استرجاع السيريتونين من المشبك العصبي ، وبالتالي زيادة توفره كموصل أو ناقل عصبي ، و تتميز هذه المجموعة بأنها تعمل على موصل عصبي واحد على وجه التخصيص ، وبالتالي فإن مدى الأعراض الجانبية المتسبب بها أضيق نسبياً ، ولذا فإنها تلقى قبولاً وتحملاً أكثر لدى المرضى . وفي الوقت الحالي فإن هذه المجموعة هي الأكبر والأوسع انتشاراً، وهي في نمو وتزايد مضطرد وتعدّ الآن حجر الزاوية في مضادات الإكتئاب ، وأدوية الخط الأول في التعامل معه . وكما الحال بالنسبة للأدوية ثلاثية الحلقات فإن أدوية هذه المجموعة تتساوى في الفعالية (Efficacy) ، وتتمايز في مدى الأعراض الجانبية المقبولة .
وتحوي هذه المجموعة عدداً من الأدوية أهمها : –
(‌أ) فلوكستين FLUOXETINE))
وهو الدواء الشهير بـِ PROZAC ، ويتميز هذا الدواء بخاصيته المنشطة , وطول مدة فاعليته مما يسمح بمدى واسع لاستعماله من أربع كبسولات يومياً إلى كبسولة كل أربعة أيام أو أسبوع . وعلى عكس باقي مضادات الاكتئاب فإنه لا يتسبب بزيادة الوزن أو فتح الشهية .
ويفيد في علاج العديد من حالات الاكتئاب ، وبالذات تلك المتميزة بالخمول وبوجود الأعراض الوسواسية . كما ويتراكم لدى الهيئات الطبية كم وافر من المعلومات والخبرة المتراكمة في كافة مناحي عمل هذا الدواء .
(‌ب) باروكستين (PAROXETINE)
وهو الدواء المعروف تجاريا بـِ SEROXAT أو PAXIL ويتميز هذا الدواء ، بخاصيته المهدئة مما يجعله مفيداً على نحو كبير في علاج الحالات المترافقة مع القلق والتوتر ، كما أنه مفيد في علاج الحالات المترافقة مع وجود اضطراب الوسواس القهري وقد ثبت حديثاً أن هذا الدواء آمن للاستعمال من قبل النساء المرضعات ، ولهذا العقار فعل خاص في الرهاب الاجتماعي.
(‌ج) فلوفاكسامين (FLOVAXAMINE)
وهو المشهور تجارياً بـِ FAVERIN وهو أقدم أفراد هذه العائلة ، ويتميز بحياديته تجاه دورة النشاط والنوم ، وبمحدودية تأثيره السلبي على الأداء الجنسي ، في حين يؤثر بقية أفراد المجموعة سلباً على النشاط الجنسي وبالذات لجهة تأخير القذف أو تأخر النشوة الجنسية ANORGASMIA. وقد أجريت بعض الدراسات الناجحة لاستخدام هذا العلاج في بعض الحالات المترافقة مع إساءة استخدام المواد مثل الإدمان على الكحول أو المهدئات ، وكان له أثر في تخفيف اشتهاء تلك المواد .
) د) سيرترالين (SERTRALINE)
وهو المعروف ب ZOLOFT أو LUSTRAL وقد حصل هذا العلاج مؤخراً على ترخيص لاستعماله في حالات اضطراب عقبى الكرب (POSTTRAUMATIC STRESS DISORDER) إضافة إلى نجاح استخدامه في علاج الإكتئاب . ويتميز بقلة التداخل العلاجي مع العلاجات الأخرى ولذا ينصح باستعماله لكبار السن والمستخدمين لعقاقير أخرى للضغط والسكري والقلب… الخ .
(هـ) سيتالوبرام (CITALOPRAM) : –
ويتميز بسهولة الاستخدام وقلة أعراضه الجانبية ويعرف تجارياً باسم (CIPRAM) .
4) مجموعات أخرى حديثة العهد نذكر منها : –
(‌أ) مثبطات استرجاع السيروتنين والنورأديتالين (SNRI)
ومنها الدواء المعروف بـِ Venlafaxine أوEffexor تجارياً ويعتقد أن هذا الدواء يدخل حيز الفعل بزمن قصير نسبياً ، وبالذات على الجرعات العالية ، ولذلك قد يفيد في الحالة الحادة التي تستلزم مداخلة سريعة .
(‌ب) مضادات اكتئاب متخصصة على السيروتنين وعلى النورأدرينالين (NassA)
ومنها الدواء المسمى Mirtaxepine أو Remeron تجارياً ويعتقد أنه يؤثر فقط على مستقبلات محددة في المشابك العصبية بما يقلل الآثار الجانية ، وتحديداً منها المتعلقة بالجنس كما يفيد هذا الدواء في التعامل مع الحالات التي يكون الأرق فيها هو العرض الغالب .
(‌ج) مثبطات ومعاكسات السيروتنين (SARIs) ومنها النيفازودون والتـرازدون Nefazodone & Trazodone
هذه الأدوية تفيد قي الحالات التي يكون فيها ضعف الأداء الجنسي هو العرض الغالب في الاكتئاب ، كما أنها تفيد في علاج حالات القلق المرافقة . أحد هذه الأدوية الموجودة في الأردن هو Nefazodone المعروف تجارياً بـِ Serozone.
(د) بوبروبيون (Bupropion)
ويكتسب هذا العقار شهرته مما ينسب إليه من أثر إيجابي على النواحي الجنسية و ما قيل حديثاً عن دوره في المساعدة في الامتناع عن التدخين .
(هـ) مضادات اكتئاب أخرى متعددة الآليات في العمل ومنها مابروتيلين (Maprotoline) والمعرف تجارياً بإسم (Lndiomil)
ويعمل على النورأدينالين ، وفيه خاصة مهدئة تساعد في حالات القلق المصاحب للاكتئاب ، وهو فعال في تحسن النوم والشهية للطعام ويعطى بالوريد في الحالات التي تتطلب سرعة في المعالجة وضعف تعاون المريض علماً أنه العلاج الوحيد المتوفر في بلادنا والذي يعطى عن طريق الزرق الوريدي .
كما تشمل على عقار تيانبتين (Tianeptine) والمعروف تجارياً باسم (Stablon) ، والذي له تأثير خاص على القلق ويعمل على السيروتونين بطريقة معاكسة لباقي الأدوية .
5) الأدوية المضافة Augmentation therapy
وتستعمل هذه في الحالات المستعصية والتي لم تستجب للعلاج ونذكر منها: –
أ) أملاح الليثيوم : وهذه تضاف في بعض الحالات الصعبة ، وكذلك تلك التي تكون ضمن اضطراب المزاج ثنائي القطب Bipolar affective disorder) ( حيث يخشى من انقلاب حالة الاكتئاب إلى زهو.
ب) الأدوية المستعملة في علاج الصرع Antiepileptic Drugs ) ( : وتستعمل لتدعيم عمل الأدوية المضادة للاكتئاب اضافة لعملها كمثبتات مزاج .
ج) هرمون الثايروكسين (Thyroxine) : حيث أثبتت الدراسات دوره الفعال في تدعيم عمل مضادات الاكتئاب ، ويعتقد الآن على نطاق واسع أن الغدة الدرقية لها دور ما فيما يتعلق بالاكتئاب إلا أن هذا الدور بحاجة إلى المزيد من الدرس والاستجلاء .
د) مضادات الذهان (Antipsychotics) : وهذه تستعمل في العادة في الاكتئاب الذهاني ، حيث تطغى الهلاوس والأوهام على الصورة المرضية . وحديثاً أثبتت بعض الدراسات أن لمضادات الذهان غير النموذجية) Atypical Antipsychotics ( مثل (Respirdal & Solian & Zyprexa) فعلاً مضاداً للاكتئاب وذلك إذا ما استعملت بجرعات خفيفة ، وتستعمل مضادات الذهان بجرعات خفيفة للقلق والتهيج .
وعلى أية حال فان مجال الأدوية والمؤثرات النفسية هو من المجالات شديدة الحيوية ، و تعدّ منطقة بحث ناشطة جدًا وتنبئ بمزيد من التطور والتقدم .
وفي ختام هذه الجولة السريعة مع مضادات الاكتئاب ، لا بد لنا من التأكيد وإعادة التأكيد أكثر من مرة على جملة من النقاط الحيوية وهي : –
(1) إن مضادات الاكتئاب أدوية فعالة وناجعة وتصل نسبة نجاحها في علاج الاكتئاب إلى أكثر من 75% .
(2) الأثر الإيجابي لهذه الأدوية لا يظهر فوراً ، ويحتاج لفترة لا تقل عن 3 أسابيع حتى تبدأ العمل ، ولا تحدث أثرها وفعاليتها الكاملة بأقل من 4 – 6 أسابيع .
(3) لجميع هذه الأدوية آثاراً جانبية تظهر في الغالب قبل الآثار الإيجابية وهو ما قد يدفع المريض إلى التوقف عن العلاج . ولذلك يجب التنبيه المسبق لهذه الآثار والتوضيح بأنها عابرة ولا تستوجب وقف العلاج.
(4) هذه الأدوية لا تسبب الإدمان ، حتى لو طال استعمالها ، فطول الاستعمال لا يعني الإدمان .
(5) لحصول الفائدة المرجوة فإن المريض بحاجة للمداومة على العلاج لفترة لا تقل عن ستة أشهر بعد التحسن ، ويجب أن ينصح المريض بعدم التوقف عن العلاج حتى في حال الإحساس بالتحسن قبل مرور هذه الفترة وذلك درءاً للانتكاس .
(6) في حال تكرر الموجات الاكتئابية ينصح المريض بالمداومة على العلاج فترة طويلة وبنفس الجرعات ذلك أن الجرعة التي تحدث التحسن هي التي تديم التحسن على الأغلب .
(7) هناك مرحلتان حرجتان قد تؤثران سلباً على العملية العلاجية (الأولى) في البداية حيث يتوقف المريض عن تناول العلاج ظناً منه أنه غير مفيد أو لعدم تحمل الآثار الجانبية و(الثانية) بعد حدوث التحسن حيث قد يعتقد أن لا لزوم للاستمرار بالعلاج .

همسات نفسية -2098-

12

همسات نفسيه -2098-
الاكتئاب المتكرر

ظاهرة التكرار في الأمراض النفسية ليست بالظاهرة الغريبة أو الشاذة فكثير من هذه الأمراض يكون تكرارها متاحاً جداً . ومن المفيد التمييز بين الانتكاسة المرضية (Relapse) والتكرار المرضي (recurrence) ، فالأول يمثل ارتداداً إلى حالة نفسية أكثر صعوبة مما كانت عليه ، مع العلم أن المريض في حالة انتكاسه لا يكون قد تشافى تماماً من مرضه الأصيل . التكرار حالٌ آخر ، فالمريض يكون قد استشفى من مرضه الأصيل بشكل كامل ومرت عليه فترة عادت فيها حالته النفسية مستقرة وخاليةً من الأعراض ، ولهذا فإن التكرار يمثل عودةً لأعراضٍ مرضية للمرض السابق والتي من المفروض أن المريض تجاوزها واستشفى منها . الحالة الأولى الانتكاسة يحتاج فيها المريض علاجاً للتغطية والثبات (Maintenance therapy) ولمدة زمنية يحددها الطبيب لمختلف الحالات ، ومن هنا جاءت فكرة الالتزام بأخذ مضادات الاكتئاب لمدة الأشهر الستة آنفة الذكر ، وتأتي هذه السُنّة من باب عدم الانتكاس ، أما التكرار لنفس المرض عدة مرات فيحتاج إلى علاج وقائي (Prophylaxis Treatment) من أجل الحفاظ على استقرار المريض ودرءاً لرجوع غير حميد لذات المريض .
الاكتئاب – كاضطراب – خاضع للانتكاس والتكرار . وقد يكون من المفيد التعرض لأشكال هذا التكرار والذي يأخذ صوراً مختلفة ، ولعلنا نصل إلى فهم أفضل لهذا الموضوع إذا نظرنا إلى الاكتئاب كاضطراب يقع ضمن طيف ممتد على مستواه الأول تقع الشدة ، وعلى مستواه الثاني يقع تكرار الحصول لهذا المرض .

×
(الشدة) (2)

وإذا أخذت أي نقطة في هذين المستويين كان النتاج وصفاً مفيداً لحالة الاكتئاب التي يمر فيها المريض ، وللتأكيد فإن أي نقطة تقترحها متواجدة في مجتمع مرضى الاكتئاب ونشاهدها إكلينيكياً وإحصائياً .
وقياساً فإن نقطة (1) تمثل اضطراباً اكتئابياً شديداً ومتكرراً (Recurrent depressive disorder: severe type) وعلى نفس المنوال فإن نقطة (2) تمثل اضطراباً اكتئابياً خفيفاً غير متكرر أي لمرة واحدة (Depressive episode: mild type) .
ورجوعاً إلى تقسيم الأمراض الوجدانية بناءً على مسيرة المرض ، فإن الاكتئاب قد يكون منفرداً في الاضطراب الوجداني أحادي القطب (Unipolar) أو قد يكون جزءاً من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب (Bipolar) ، وهذا الأخير مشهور بتراوحه بين الإستشفاء والعودة إلى الأعراض أي التكرار سواءً للاكتئاب أو الزهو ، فهو إذن اضطراب موسوم بصفة التكرار . والاضطراب الوجداني أحادي القطب لا يحمل نفس السمة فيما يتعلق بالاكتئاب ، لكن الواقع الاحصائي يفيد أن نصف المرضى المصابين بالاكتئاب للمرة الأولى واستشفوا منه ، يتعرضون لعودة ثانية على الأقل خلال السنة الأولى من الإصابة بالاكتئاب للمرة الأولى ، وتزيد النسبة لتصل حوالي 75% خلال السنة الثانية ، نتحدث هنا عن المسير الطبيعي للمرض دون اللجوء إلى العلاج الوقائي .
قد يترافق الاكتئاب مع ظروف طبية خاصة ويأخذ صفة التكرار مع تكرار الظرف الطبي ، وتكون أوضح صور هذا الترابط ذلك الذي يربط الاكتئاب بفترة النفاس (Puerperal depression) ، إن النسبة المعروفة لإصابة النساء الوالدات لمواليد جدد بالاكتئاب (10%) ترتفع بعد الإصابة الأولى ، ونرى في بعضهن اكتئاباً يمكن التنبؤ به ورصده في الأسبوعين الأولين من الولادة ويستمر لفترة لا تتجاوز الشهر غالباً ، وتشفى حتى بدون علاج وبشكل تلقائي ، ما عدا نسبة بسيطة قد يستمر الاكتئاب فيها طويلاً مستلزماً تدخلاً طبياً مناسباً .
الاكتئاب الموسمي كذلك يأخذ صفة التكرار ويرتبط ارتباطاً موسمياً ، حيث يمثل فصل الشتاء مرتعه الخصب الذي فيه يكون ويتكرر .
والصورة الأوضح للاكتئاب المتكرر تلك الموصوفة تحت تسمية الاكتئاب المتكرر قصير المدى (Recurrent brief depression) . ورغم عدم ورودها تحديداً في التقسيمات العالمية للأمراض النفسية، إلا أنها من أكثر الاضطرابات الاكتئابية مشاهدةً في العيادات النفسية ، حيث تمثل في بعض الاحصائيات حوالي 5% إنتشاراً في المجتمع . وهذا النوع من الاكتئاب يأخذ نفس المواصفات الكافية لتشخيص الاكتئاب من المزاج المنخفض ، والاضطرابات البيولوجية والأعراض السلوكية والمعرفية ، ولكن الوقت اللازم لتشخيص الاكتئاب والمحدد بوجود الأعراض بشكل دائم ولمدة أسبوعين على الأقل نجدها غير متوافرة هنا ، حيث تستمر الأعراض لعدة أيام فقط، وتنجلي حدتها وتغيب فترة من الزمن لتعود بعد ذلك ولمدة وجيزة . ورغم ما يبدو ظاهرياً أنها أفضل مسيراً من الاكتئاب الكبير لقصر مدة الاضطراب ، إلا أن التكرار الشديد لها يشوش هذه النظرة المريحة ، حيث يتكرر الاضطراب في بعض المرضى ليصل عدة مرات في الشهر ، إضافة إلى أن مثل هذا النوع من الاكتئاب يحمل خطورة انتحارية عالية ويضع على عاتق المعالج أهمية المتابعة الاستباقية (العلاج الوقائي) حفاظاً على استقرار المريض وتقليص التكرار . يستجيب الاكتئاب المتكرر قصير المدى على مضادات الاكتئاب وعلى العلاج الضوئي (Phototherapy) كاستجابة نظيره الآخر الاكتئاب الموسمي .
الاكتئاب المتكرر بأشكاله المختلفة نجده مسبوقاً أو مترافقاً مع بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعائلية أحياناً . وكثيراً ما نرى مرضى لا يصيبهم التكرار للاكتئاب إلا ضمن ظروف وأحداث معينة ، بينما تستقر أحوالهم تماماً مع مسيرة حياة مستقرة اجتماعياً واقتصادياً . وهذا إن أكّد شيئاً فإنما يؤكد النظرة الكلية للإنسان وأهمية التفاعل بين الظرف الواقع على الشخص وبين عطل الناقلات العصبية الكيماوية واضطرابها ، وأثر الاثنين في تكوين الاستجابات العاطفية والنفسية .
لقد وجد أن أحداث الحياة العصيبة أو المفاجئة أو المغيرة لما كان عليه الإنسان، تساهم في حصول الاكتئاب سواءً في بداية المرض أو في الصورة المرضية المتكررة . وربما تحمل هذه النقطة حواراً يتعلق من قد استبق الآخر وسببه ، بمعنى هل الظرف الجديد هو ما رسّب الاكتئاب أم أن الاكتئاب قد ساهم في تكوين وصناعة هذا الظرف ، ومثاله : ذلك الذي قد فصل من عمله فربما يكون الفصل من العمل ضاغطاً باتجاه ترسيب الاكتئاب ، وبالعكس فإن الأعراض الاكتئابية مثل قلة الهمة والتراجع النفسي الحركي واضطراب النوم والشهية والأفكار الحزينة وغير الدافعة للعمل ، قد شكلت أداءً وظيفياً متواضعاً لدى ذلك الشخص مما اضطر أصحاب العمل إلى التصرف بالفصل .
تري بعض الدراسات الاجتماعية أن الدعم الاجتماعي والأسرة المتماسكة ، تمثل حماية ضد التكرار لحصول الاكتئاب بينما يمثل عكس هذه الصورة مدعاة لاكتئاب متكرر وطويل المدى .
وكما هو معروف في الأمراض النفسية الأخرى كالفصام ، تظهر زيادة التعبير العاطفي لدى عوائل المرضى وأزواجهم (High expressed emotion = High EE) عاملاً لا يمكن تجاهله في ترسيب الاكتئاب وتكراره مراراً ، وإن كان أثر هذا العامل أقل وضوحاً منه في الفصام العقلي . إن التعبير العاطفي الزائد يتمثل بالتعليق والانتقاد لتصرفات المكتئب وتباطئه وقلة همته وتدني نشاطه بل إن بعض الأهالي قد يصلون إلى درجة إظهار الكره والعدوانية باتجاه مريضهم محملين بحرصهم عليه ، وهو حرص مضر وغير مفيد على جميع الأحوال ، إن التعبير العاطفي يجب أن يحمل معاني الدفء وإن يتغلف بالحب والدعم والمساندة للمريض لا انتقاده وتجريحه .
إذا كنا قد أكدنا على فترة (الستة أشهر) في علاج الموجة الاكتئابية الواحدة (Depressive Episode) منعاً لوقوع الإنتكاس ، فإننا نتحدث عن أهمية الالتزام بالعلاج لمدةٍ طويلة المدى قد تصل إلى سنين في حالة الاكتئاب المتكرر . ويبادرنا العديدُ من المرضى وأهاليهم بكيل من النقد والإلحاح بهدف وقف العلاج رغم تأكيدنا للهدف الوقائي من إبقاء العقار . وإذا اضطر الطبيب النفسي إلى إيقاف العلاج بناءً على الضغط والطلب المتزايد ، وتمت الانتكاسة والتي قد نجد صعوبةً في الخروج منها ، وما قد يجر من متاعب ومعاناة للمريـض وإنتاجيته ونوعية حياته وربما حياته نفسها ، فعلى من تقع المسؤولية الطبية والأخلاقية والإنسانية ؟؟ إنه وضع مشابه تماماً لاقتراف وقف الأنسولين عن مريض يعاني من السكري المعتمد على الأنسولين ، وإن شئنا التطرف فهو أيضاً مشابه لإزالة جهاز التنفس الصناعي عن مريض يحتاجه لوقت معين على أمل أن يستطيع التنفس دون مساعدة بعد ذلك ، ايقاف العلاج في غير الوقت المناسب هي فعلة تحمل صفة إجرامية .

همسات نفسية- 2097-

12

همسات نفسية- 2097-
الاكتئاب عند الأطفال والمراهقين

يصيب الاكتئاب طفلاً من كل 50 تحت سن 12 ، ويصيب مراهقاً من كل عشرين ، وقد يكون الاكتئاب في هذه الفئة العمرية من أي نوع سواء الاكتئاب كهجمة كبرى أو صغرى أو ضمن اضطراب المزاج أحادي أو ثنائي القطب وكذلك تكدر المزاج ، وكثيراً ما يعاني الأطفال والمراهقون ولا يكترث أحد لمعاناتهم ، إذ تعدّ الأسرة هذه المظاهر غير مهمة وغالباً ما ينظر اليها أطباء الأسرة وأطباء الأطفال على أنها مرحلة في النمو لا داعي للاكتراث لها ، رغم أن الطفل وحتى بعض المراهقين قد لا يعبرون بكلمات واضحة عن مشاعر الاكتئاب ، ولكن دراستهم تتأثر وتكيفهم الإجتماعي وعلاقاتهم تتأثر وقد يتجهون إلى الانحراف السلوكي ، أو يتعاطون المؤثرات العقلية أو يحاولون الانتحار ، وقد يختلط الاكتئاب مع القلق والمرض العضوي كالسكري وغيره ، وهناك من الأعراض ما هو مشترك مع البالغين ولكن بعض الأعراض تخص الأطفال أو المراهقين دون الكبار . من الأعراض المشابهة للكبار : المزاج الحزين والمضطرب ، وفقدان المتعة في الهوايات ، وتغير الشهية ، والوزن ، والنوم ، والكسل، والخمول ، والتهيج ، والشعور بعدم جدوى الحياة وتأنيب الضمير ، والصعوبة في التركيز ، وتكرار أفكار الانتحار . وأما الأعراض الخاصة في الأطفال والمراهقين فهي :
* الشكـوى من أعراض عضوية غير محددة مثل التعب ، والصداع، وآلام العضلات ، وآلام المعدة.
* التغيب عن المدرسة وضعف التحصيل.
* التفكير في الهرب من البيت والحديث عن ذلك ومحاولته.
* نوبات الصراخ والتذمر والشكوى والبكاء.
* الشكوى المتكررة من الملل.
* عدم الاهتمام باللعب مع الأصدقاء.
* استعمال المواد الطيارة والمؤثرات العقلية والكحول.
* العزلة الإجتماعية
* الخوف من الموت.
* الحساسية الشديدة للرفض أو الفشل.
* زيادة العدوانية والغضب والضجر.
* السلوك المستهتر.
* مشاكل في العلاقات.
ومن المهم جداً أن يتم تمييز الحالة بشكل مبكر قبل أن تؤثر على حياة الطفل فيمتنع عن الدراسة وينزوي ويتأخر عن ركب أقرانه. ونرى أن بين الأطفال دون الثانية عشرة يتساوى الأولاد والبنات في انتشار الاكتئاب ، ولكن بين المراهقين فإن النسبة تتغير لتصبح ضعف النسبة بين البنات عن الأولاد ، وكأن ذلك تمهيدٌ للنسبة بين الكبار والتي تصل إلى ثلاثة أضعاف بين النساء مقارنةً بالرجال .
ومن العوامل التي تزيد من حدوث الاكتئاب وجود تكرار للمرض الاكتئابي بين أفراد الأسرة ، والضغـوط البيئية والأسرية والإجتماعية ، والتدخين ، وفقدان أحـد الوالدين أو أشخاص مقربين، وفشل العلاقات العاطفية ، ووجود اضطرابات سلوكية ، وفـرط الحركة ، واضطرابات التعلم ، والأمراض العضـوية المزمنة ، والاساءات بأشكالها المختلفة التي يكون قد تعرض لها الطفل ، ولا شك أن للكوارث والحروب واللجوء الإرغامي ، آثاراً سلبية على صحة الأطفال والمراهقين النفسية .
كثيراً ما يلاحظ أن الآباء والأمهات يرتبكون في تحديد ما إذا كان الطفل مكتئب أم لا ، والحقيقة أن على الوالدين تقديم الملاحظات للطبيب ، وهو المؤهل للتشخيص ، ويمكن للوالدين أن يستعرضا الأوجه الخمسة التالية : –
1 – المشاعر: الحزن ، والفراغ ، واليأس ، وتأنيب الضمير ، وعدم الجدوى ، وعدم القيمة ، وعدم الاستمتاع بالأمور اليومية التي طالما كانت ممتعة.
2 – التفكير: ويشمل التركيز ، واتخاذ القرار ، وانهاء الواجبات المدرسية ، والمحافظة على المستوى الدراسي أم تدهوره.
3 – الشكاوى الجسدية: الصداع ، وألم البطن ، وآلام المفاصل والظهر ، والإرهاق ، واضطراب النوم ، وتغير الوزن بالزيادة والنقصان.
4 – السلوك: الاضطراب ، وعدم الرغبة بالذهاب إلى المدرسة ، والرغبة في الانزواء ، وصعوبة في التعامل مع الآخرين ، والتأخر عن الحصص ، والتخلي عن الرياضة والنشاطات والهوايات ، واستعمال مؤثرات عقلية.
5 – خطورة الانتحار: هل يتحدث الطفل عن الموت والانتحار ؟ وهل يتساءل فيما إذا كان ذلك محرماً ؟ وهل يتساءل عن ردة فعل الأهل فيما لو أقدم على ذلك ؟
ومن حيث العلاج ، فإنه لا بد من أن يستعمل العلاج النفسي والعائلي السلوكي والمعرفي ومضادات الاكتئاب المختلفة بإشراف الطبيب المختص ، وإذا تم التشخيص بسرعة ووضعت خطة العلاج ونفذت فإن التحسن سريع . ومن حيث وقاية الطفل والمراهق الذي يعتقد أن لديه من الأسباب ما يجعله أكثر عرضة للاكتئاب ، فقد أظهرت أساليب التوعية والتدريب وتحسين الحوار العائلي ، والانتباه لأي تغير بسرعة أثراً جيداً في التخفيف من حدوث الاكتئاب بين الأطفال والمراهقين .

همسات نفسيه-2096-

download

همسات نفسية-2096-
الاكتئاب في المستشفيات العامة

إن الأمراض النفسية المتواجدة لدى المرضى في المستشفيات العامة ، والذين قد تم دخولهم بسبب عرض عضوي هو من إختصاص فرع مهم من الطب النفسي، هو (Liaison Psychiatry) والمتعارف على تسميته بطب النفس الارتباطي أو الاستشاري . وفكرة هذا الطب الاستشاري هي ارتداد حميد لتاريخ الطب القديم، حيث كان الطب من مكونات الفلسفة والتي تعنى بفهم الحياة ككل وتفسير ظواهرها ومعالجتها بكليتها . ولكن مدرسة العلم الشامل قد خسرت أنصارها خصوصاً في الطب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، بعد التأكيد على أهمية فهم الأمراض لا فهم المريض .
هذه النظرة التفصيلية أفقدت العلوم الطبية ردحاً من الزمن، قدرتها على رؤية المريض – الإنسان – مرتبطاً مع ظروفه وضغوطه المختلفة ، فرحه وترحه ، ثقافته وتعليمه بل وتاريخه وأصوله . وهكذا فإن أصاب “عدنان” ألم ، فالمهم ضمن هذا العزل الظالم هو ألم عدنان وليس عدنان صاحب الألم ، وعلى نفس المنوال فأن “هدى” إذا شخصت بسرطان الثدي ، فالتركيز إذاً ينصب على ثدي هدى لا هدى المريضة ، إن هذا بلا شك هو قصر نظر وإجحاف لا علاقة له برسالة الطب السامية المنحازة أبداً لصالح المريض لا لصالح فضول معرفة المرض وحسب .
لقد بدأ النمو الحقيقي لهذا العلم الإرتباطي في الربع الثاني من القرن العشرين . ونقطة التحول جاءت بعد إطلاق مصطلح الأمراض النفسجسمية (Psychosomatic Disorders) في الثلاثينات من ذات القرن . وقد جاء هذا المصطلح بداية ليدافع عن فكرة أن الأمراض العضوية مؤكدة التشخيص كالضغط والربو مثلاً ، هي بالأصل جاءت من أسباب نفسية واجتماعية . ولكن هذا التطرف “بالتسبيب الكامل” جاء ليأخذ بعد ذلك نظرة أكثر موضوعية قائلاً بمساهمة العوامل النفسية والاجتماعية في ظهور المرض أو استمراره أو زيادة أعراضه وشدته .
في التطبيق العملي ، فإن طب النفس الاستشاري يحقق أسلوبه إما عن طريق وجود قسم نفسي متخصص في المستشفيات العامة أو بشكل استشارات نفسية يقدمها اختصاصي الطب النفسي عند الحاجة.
الأسلوب الأول : يتنامى بشكل كبير في الدول الغربية ، ويتبنى الأسلوب الارتباطي في العمل ، بينما تشكل الاستشارات الطريقة السائدة في بلادنا . إن أسلوب الطب الارتباطي ، يحتم أن يعمل الطبيب النفسي ضمن فريق متكامل كحالة وجوده مع الفريق الجراحي في الحالات الجراحية ، أو مع الفريق الباطني في الحالات الداخلية والباطنية وهكذا . هذا وتقع على الطبيب النفسي مهمة مساعدة الفريق للتعامل مع المشاكل والاضطرابات النفسية المرضية التي يواجهونها مع مرضاهم ، بشكل يومي وذلك بحكم وجوده كعضوٍ أصيل في الفريق ، وتأتي طريقة الاستشارات كطريقة منقوصة نسبياً لأن رأي الطبيب النفسي يؤخذ به عند الطلب ، وربما لا يستعان به خصوصاً في بلادنا اللهم إذا فقد الطبيب من الاختصاص الآخر قدرته على السيطرة واضطر إلى اللجوء إلى خطة طوارئ ألا وهي استشارة الطبيب النفسي ، وهذا هو واقع الحال للأسف .
فريق الطب النفسي الارتباطي أو الاستشاري يتراوح في حجمه. صحيح أن ما نراه شائعاً هو تكونه من شخص الطبيب النفسي إلا أن الوضع المثالي يحتم وجود فريق متكامل ومتناغم يشمل فيما يشمل – إضافة إلى رأسه الطبيب النفسي – الممرض النفسي ، الباحث الاجتماعي والاختصاصي النفسي الإكلينيكي . وتقتضي الحاجة كثيراً أن يستعان بكـل أفراد الطاقم للتعامل والتقييم والمعالجة وإبداء الرأي .
ويأتي موقع السؤال التالي الآن : ماذا يفعل فريق الطب النفسي الاستشاري إذا طلب منه التدخل ، ما هي مهامه وكيف يتعامل ؟ هذا السؤال يخص الطبيب النفسي ، فهو هنا تقع عليه مهمتان أولهما تقييم الحالة ، وثانيهما الاتصال وتبادل الرأي مع الطبيب المختص من الاختصاص الآخر ويجب أخذ النقاط التالية بعين الاهتمام : –
أ – حالة المريض الجسدية والعقاقير المتناولة والآثار الجانبية المترتبة عنها .
ب – رغبة المريض برؤية طبيب نفسي ، إذ من الواجب أن يناقش هذا الأمر سابقاً مع طبيبه المشرف في حالة توافر القدرة لدى المريض على إعطاء إقرار بذلك . وإلا فإن الأمر يبقى بين يدي الطبيب المشرف وذوي المريض .
جـ – الاطلاع على سيرة المريض الطبية والجراحية . والانتباه إلى ملاحظات التمريض المتعلقة بالسلوك والأعراض البيولوجية كالشهية للطعام والنوم.
د – اتباع الطريقة الكلاسيكية المفصلة للتاريخ المرضي النفسي للمريض والفحص العقلي .
هـ – عدم الاعتماد على الفحص الجسدي الذي خضع له المريض سابقاً . فلا بد من الفحص السريري مترافقاً مع اهتمام خاص للجهاز العصبي .
و – أخذ معلومات أخرى من الأقارب شاملة للأرضية الاجتماعية والثقافية والشخصية للمريض .
ز – كتابة التقرير النفسي الاستشاري والتي ستدخل ضمن الملف الطبي للمريض ، تختلف عن المتبع تقليدياً في الملفات النفسية . من الواجب أن تكون ملخصة ، بسيطة ومباشرة بعيدة عن حشو المصطلحات الغامضة وغير المفهومة . ومن المفضل أيضاً أن يتم تجنب ذكر المعلومات الخاصة والسرية ، والتي لا تحوي أهمية عملية لحالة المريض أو للإجابة والتساؤل من قبل الطبيب المشرف .
حـ -إعطاء تشخيص مباشر سواء كان مبدئياً أو نهائياً بهدف إزالة اللبس .
ط – توضيح طريقة التعامل والعلاج بشكل مفصل ، وعلى الطبيب النفسي أن يتأكد من قدرة جهاز المستشفى على التعامل والتنفيذ لهذه التعليمات .
ي – استكمال الحلقة الاستشارية بأخذ معلومات راجعة عن حالة المريض بعد تلقي العلاج ووضع خطة للمتابعة .
إن هذا الحرص الشديد على أهمية الارتباط والاستشارة للطب النفسي في المستشفيات العامة ، تأتي كما ذكر سابقاً من جوهر الارتباط الوثيق بين الجسد والنفس ، وهذا الارتباط يأخذ تعبيرات مختلفة نوردها كما يلي : –
1. العوامل النفسية قد تأتي كمرسبات للأمراض العضوية. مثلاً ، أثر التوتر على القرحة المعدية .
2. أمراض نفسية تعبر عن نفسها بأعراض جسمية. مثلاً ، الأمراض الجسمنفسية كالأعراض التحويلية والمراق والقلق .
3. المترتبات النفسية من الأمراض الجسمية. مثلاً ، حالات عدم التأقلم نتيجة فقدان البصر .
4. الأمراض النفسية المترافقة مع أمراض جسدية بالتصادف ، كترافق القلق مع الأورام الخبيثة.
5. الأمراض النفسية الناتجة مباشرة من عطل عضوي. مثلاً ، الإصابة الدماغية للفص الجبهي المؤدية لاضطراب الشخصية.
ويبدو – الإكتئاب – موضوعنا المطروح كعامل مشترك في كل الأحوال السابقة. فهو كمرض نفسي يختبئ في أحيان كثيرة تحت غطاء الأعراض الجسمية والبيولوجية . ولهذا فهو يأتي بهوية غامضة ، قد تخفى على طبيب الإختصاص الآخر المواجه لهذه الحالة في المستشفيات العامة . وهو بهذا لا يلام إذ أنه يشاهد أعراضاً توحي بوجود علة عضوية ، ما هو موقفه وهو يرى المريض يعاني من قلة الشهية وإضطراب النوم ، وفقدان الوزن ، والإمساك ، والعنه الجنسية ، واضطراب الدورة الشهرية ، والصداع ، والشعور بالتنميل أو الوهج في الأطراف ، والتعب العام ، والخلل في الذاكرة، وآلام الصدر ، وصعوبة التنفس . وأضف ما شئت ؟! وتظهر هذه التعبيرات الجسدية للاكتئاب أكثر ما تظهر – وكما تؤكد الدراسات والقراءات الإكلينيكية – في دول العالم الثالث ، حيث قلة التعبير اللغوي عن النفس ومكنوناتها ، حتى أن الرجال الشرقيين يرون في الحزن والبكاء إهانة تنتقص من مميزات الرجولة وتحبط صفة الخشونة والاعتداد ! ويأتي الحل لهذا المشكل الصعب بلجوء الطبيب إلى الفحص النفسي لمريضه والسؤال مباشرةً عن المزاج ، فقدان الاهتمام بالحياة والمتعة بها ، والأعراض النفسية الأخرى والتي سوف تؤكد تشخيص الإكتئاب. إن بضع الدقائق الكافية للفحص النفسي لن تسبب خسارة الطبيب أو تعبه عند عملها ، ولكنه وبدون شك سوف يخسر الكثير إذا رافقه الإهمال في عملها ، هذه الخسارة تُضر المريض في وقت شفائه ونوعية حياته ومعاناته وتفقد الطبيب ثقة المريض به ، وهي من أهم خصائص العملية العلاجية الناجحة ، وفوق ذلك فهي تمثل إخفاقاً وفشلاً للطبيب في إدراك التشخيص والمعالجة .
الاكتئاب كذلك من المترتبات الرئيسية للأمراض العضوية ، وعلى سبيل الإيضاح لا الإجمال ، نرى أن حوالي ثلث المرضى المصابين بإحتشاء العضلة القلبية يعانون من الاكتئاب والقلق ، خلال ستة أسابيع من حادثتهم غير السعيدة (الاحتشاء) . صحيح أن هذه النسبة تقل خلال متابعتهم بعد سنة إلا أنها تبقى مرتفعة ، إذ أن 20% منهم تبقى لديهم أعراض اكتئابية كافية للتشخيص ، وبحاجة إلى تقييم وعلاج نشط . والنسبة السابقة تنطبق كذلك على السيدات اللواتي أجرين عملية إزالة الثدي (Mastectomy) كما تؤكده العديد من الإحصائيات والدراسات .
وتجدر الإشارة هنا أن الاكتئاب قد يكون التعبير الأول للعديد من الأمراض العضوية غير المكتشفة ، ويمثل عرضاً أصيلاً فيها . والقائمة طويلة فهي تشمل الاضطرابات التشريحية والوظيفية للدماغ ، وأمراض الغدد الصماء ، والأورام الخبيثة المختلفة خصوصاً في منطقة رأس البنكرياس ، وأمراض الكلى ، والالتهابات الجرثومية والخمجية ، وأمراض المناعة الجسمية وغيرها، كما تبدو العلاجات المتلقاة من المريض ذات أهمية كبرى ، إذ أنها قد تساهم في ترسيب بل وفي تسبيب الأعراض الاكتئابية .
على المعالج والطاقم الطبي إذن أن يبقوا العيون مفتوحة على مريضهم ، صاحب العلة العضوية لادراك أعراض الاكتئاب مبكراً ، ولحسن الحظ فأن الاكتئاب هنا هو مشكلة ذات حلول وتستجيب جيداً للعقاقير المضادة للاكتئاب .
إن الطبيب النفسي المستشار في الحالات الآنفة يواجه تحدياً مهماً لعلمه وخبراته ، وعليه أن يجيب على العديد من الأسئلة والاستفسارات : –
1. هل الاكتئاب كعرض أو كمرض موجود لدى هذا المريض ؟.
2. هل الاكتئاب أو غيره كاضطراب الشخصية يتداخل ويساهم في استمرار المرض العضوي ، والتجاوب مع العلاجات والشفاء والتحسن ؟
3. هل من المتوقع أن يؤدي المرض العضوي إلى أعراض اكتئابية وكيف يتم الكشف المبكر عنها ؟
4. هل هنالك اقتراحات معينة تتعلق بعلاج المريض أو أية إجراءات مناسبة أخرى ؟
5. هل هنالك ضرورة لنقل المريض إلى مستشفى للطب النفسي ، وهل هنالك أعراض خطيرة كالأفكار الانتحارية قد تلوّح بإنهاء الحياة ولا يمكن السيطرة عليها داخل المستشفى العام ؟
وتبقـى هذه الخطوات نقاطاً عملية مفيدة لما هو متاح في الواقع ، ويبقى في أذهاننا نحن المهتمين والمنتمين للجهاز الطبي نظرة استراتيجية مثالية ، تهدف إلى جعل الطب النفسي الإرتباطي حقيقة روتينية نعمل بها في مستشفياتنا العامة ، لما فيه من مصلحة جلّى للمريض ولثقافة طبية نفسية ناضجة .