أرشيف المقالات: مقالات

همسات نفسية -2098-

12

همسات نفسيه -2098-
الاكتئاب المتكرر

ظاهرة التكرار في الأمراض النفسية ليست بالظاهرة الغريبة أو الشاذة فكثير من هذه الأمراض يكون تكرارها متاحاً جداً . ومن المفيد التمييز بين الانتكاسة المرضية (Relapse) والتكرار المرضي (recurrence) ، فالأول يمثل ارتداداً إلى حالة نفسية أكثر صعوبة مما كانت عليه ، مع العلم أن المريض في حالة انتكاسه لا يكون قد تشافى تماماً من مرضه الأصيل . التكرار حالٌ آخر ، فالمريض يكون قد استشفى من مرضه الأصيل بشكل كامل ومرت عليه فترة عادت فيها حالته النفسية مستقرة وخاليةً من الأعراض ، ولهذا فإن التكرار يمثل عودةً لأعراضٍ مرضية للمرض السابق والتي من المفروض أن المريض تجاوزها واستشفى منها . الحالة الأولى الانتكاسة يحتاج فيها المريض علاجاً للتغطية والثبات (Maintenance therapy) ولمدة زمنية يحددها الطبيب لمختلف الحالات ، ومن هنا جاءت فكرة الالتزام بأخذ مضادات الاكتئاب لمدة الأشهر الستة آنفة الذكر ، وتأتي هذه السُنّة من باب عدم الانتكاس ، أما التكرار لنفس المرض عدة مرات فيحتاج إلى علاج وقائي (Prophylaxis Treatment) من أجل الحفاظ على استقرار المريض ودرءاً لرجوع غير حميد لذات المريض .
الاكتئاب – كاضطراب – خاضع للانتكاس والتكرار . وقد يكون من المفيد التعرض لأشكال هذا التكرار والذي يأخذ صوراً مختلفة ، ولعلنا نصل إلى فهم أفضل لهذا الموضوع إذا نظرنا إلى الاكتئاب كاضطراب يقع ضمن طيف ممتد على مستواه الأول تقع الشدة ، وعلى مستواه الثاني يقع تكرار الحصول لهذا المرض .

×
(الشدة) (2)

وإذا أخذت أي نقطة في هذين المستويين كان النتاج وصفاً مفيداً لحالة الاكتئاب التي يمر فيها المريض ، وللتأكيد فإن أي نقطة تقترحها متواجدة في مجتمع مرضى الاكتئاب ونشاهدها إكلينيكياً وإحصائياً .
وقياساً فإن نقطة (1) تمثل اضطراباً اكتئابياً شديداً ومتكرراً (Recurrent depressive disorder: severe type) وعلى نفس المنوال فإن نقطة (2) تمثل اضطراباً اكتئابياً خفيفاً غير متكرر أي لمرة واحدة (Depressive episode: mild type) .
ورجوعاً إلى تقسيم الأمراض الوجدانية بناءً على مسيرة المرض ، فإن الاكتئاب قد يكون منفرداً في الاضطراب الوجداني أحادي القطب (Unipolar) أو قد يكون جزءاً من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب (Bipolar) ، وهذا الأخير مشهور بتراوحه بين الإستشفاء والعودة إلى الأعراض أي التكرار سواءً للاكتئاب أو الزهو ، فهو إذن اضطراب موسوم بصفة التكرار . والاضطراب الوجداني أحادي القطب لا يحمل نفس السمة فيما يتعلق بالاكتئاب ، لكن الواقع الاحصائي يفيد أن نصف المرضى المصابين بالاكتئاب للمرة الأولى واستشفوا منه ، يتعرضون لعودة ثانية على الأقل خلال السنة الأولى من الإصابة بالاكتئاب للمرة الأولى ، وتزيد النسبة لتصل حوالي 75% خلال السنة الثانية ، نتحدث هنا عن المسير الطبيعي للمرض دون اللجوء إلى العلاج الوقائي .
قد يترافق الاكتئاب مع ظروف طبية خاصة ويأخذ صفة التكرار مع تكرار الظرف الطبي ، وتكون أوضح صور هذا الترابط ذلك الذي يربط الاكتئاب بفترة النفاس (Puerperal depression) ، إن النسبة المعروفة لإصابة النساء الوالدات لمواليد جدد بالاكتئاب (10%) ترتفع بعد الإصابة الأولى ، ونرى في بعضهن اكتئاباً يمكن التنبؤ به ورصده في الأسبوعين الأولين من الولادة ويستمر لفترة لا تتجاوز الشهر غالباً ، وتشفى حتى بدون علاج وبشكل تلقائي ، ما عدا نسبة بسيطة قد يستمر الاكتئاب فيها طويلاً مستلزماً تدخلاً طبياً مناسباً .
الاكتئاب الموسمي كذلك يأخذ صفة التكرار ويرتبط ارتباطاً موسمياً ، حيث يمثل فصل الشتاء مرتعه الخصب الذي فيه يكون ويتكرر .
والصورة الأوضح للاكتئاب المتكرر تلك الموصوفة تحت تسمية الاكتئاب المتكرر قصير المدى (Recurrent brief depression) . ورغم عدم ورودها تحديداً في التقسيمات العالمية للأمراض النفسية، إلا أنها من أكثر الاضطرابات الاكتئابية مشاهدةً في العيادات النفسية ، حيث تمثل في بعض الاحصائيات حوالي 5% إنتشاراً في المجتمع . وهذا النوع من الاكتئاب يأخذ نفس المواصفات الكافية لتشخيص الاكتئاب من المزاج المنخفض ، والاضطرابات البيولوجية والأعراض السلوكية والمعرفية ، ولكن الوقت اللازم لتشخيص الاكتئاب والمحدد بوجود الأعراض بشكل دائم ولمدة أسبوعين على الأقل نجدها غير متوافرة هنا ، حيث تستمر الأعراض لعدة أيام فقط، وتنجلي حدتها وتغيب فترة من الزمن لتعود بعد ذلك ولمدة وجيزة . ورغم ما يبدو ظاهرياً أنها أفضل مسيراً من الاكتئاب الكبير لقصر مدة الاضطراب ، إلا أن التكرار الشديد لها يشوش هذه النظرة المريحة ، حيث يتكرر الاضطراب في بعض المرضى ليصل عدة مرات في الشهر ، إضافة إلى أن مثل هذا النوع من الاكتئاب يحمل خطورة انتحارية عالية ويضع على عاتق المعالج أهمية المتابعة الاستباقية (العلاج الوقائي) حفاظاً على استقرار المريض وتقليص التكرار . يستجيب الاكتئاب المتكرر قصير المدى على مضادات الاكتئاب وعلى العلاج الضوئي (Phototherapy) كاستجابة نظيره الآخر الاكتئاب الموسمي .
الاكتئاب المتكرر بأشكاله المختلفة نجده مسبوقاً أو مترافقاً مع بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعائلية أحياناً . وكثيراً ما نرى مرضى لا يصيبهم التكرار للاكتئاب إلا ضمن ظروف وأحداث معينة ، بينما تستقر أحوالهم تماماً مع مسيرة حياة مستقرة اجتماعياً واقتصادياً . وهذا إن أكّد شيئاً فإنما يؤكد النظرة الكلية للإنسان وأهمية التفاعل بين الظرف الواقع على الشخص وبين عطل الناقلات العصبية الكيماوية واضطرابها ، وأثر الاثنين في تكوين الاستجابات العاطفية والنفسية .
لقد وجد أن أحداث الحياة العصيبة أو المفاجئة أو المغيرة لما كان عليه الإنسان، تساهم في حصول الاكتئاب سواءً في بداية المرض أو في الصورة المرضية المتكررة . وربما تحمل هذه النقطة حواراً يتعلق من قد استبق الآخر وسببه ، بمعنى هل الظرف الجديد هو ما رسّب الاكتئاب أم أن الاكتئاب قد ساهم في تكوين وصناعة هذا الظرف ، ومثاله : ذلك الذي قد فصل من عمله فربما يكون الفصل من العمل ضاغطاً باتجاه ترسيب الاكتئاب ، وبالعكس فإن الأعراض الاكتئابية مثل قلة الهمة والتراجع النفسي الحركي واضطراب النوم والشهية والأفكار الحزينة وغير الدافعة للعمل ، قد شكلت أداءً وظيفياً متواضعاً لدى ذلك الشخص مما اضطر أصحاب العمل إلى التصرف بالفصل .
تري بعض الدراسات الاجتماعية أن الدعم الاجتماعي والأسرة المتماسكة ، تمثل حماية ضد التكرار لحصول الاكتئاب بينما يمثل عكس هذه الصورة مدعاة لاكتئاب متكرر وطويل المدى .
وكما هو معروف في الأمراض النفسية الأخرى كالفصام ، تظهر زيادة التعبير العاطفي لدى عوائل المرضى وأزواجهم (High expressed emotion = High EE) عاملاً لا يمكن تجاهله في ترسيب الاكتئاب وتكراره مراراً ، وإن كان أثر هذا العامل أقل وضوحاً منه في الفصام العقلي . إن التعبير العاطفي الزائد يتمثل بالتعليق والانتقاد لتصرفات المكتئب وتباطئه وقلة همته وتدني نشاطه بل إن بعض الأهالي قد يصلون إلى درجة إظهار الكره والعدوانية باتجاه مريضهم محملين بحرصهم عليه ، وهو حرص مضر وغير مفيد على جميع الأحوال ، إن التعبير العاطفي يجب أن يحمل معاني الدفء وإن يتغلف بالحب والدعم والمساندة للمريض لا انتقاده وتجريحه .
إذا كنا قد أكدنا على فترة (الستة أشهر) في علاج الموجة الاكتئابية الواحدة (Depressive Episode) منعاً لوقوع الإنتكاس ، فإننا نتحدث عن أهمية الالتزام بالعلاج لمدةٍ طويلة المدى قد تصل إلى سنين في حالة الاكتئاب المتكرر . ويبادرنا العديدُ من المرضى وأهاليهم بكيل من النقد والإلحاح بهدف وقف العلاج رغم تأكيدنا للهدف الوقائي من إبقاء العقار . وإذا اضطر الطبيب النفسي إلى إيقاف العلاج بناءً على الضغط والطلب المتزايد ، وتمت الانتكاسة والتي قد نجد صعوبةً في الخروج منها ، وما قد يجر من متاعب ومعاناة للمريـض وإنتاجيته ونوعية حياته وربما حياته نفسها ، فعلى من تقع المسؤولية الطبية والأخلاقية والإنسانية ؟؟ إنه وضع مشابه تماماً لاقتراف وقف الأنسولين عن مريض يعاني من السكري المعتمد على الأنسولين ، وإن شئنا التطرف فهو أيضاً مشابه لإزالة جهاز التنفس الصناعي عن مريض يحتاجه لوقت معين على أمل أن يستطيع التنفس دون مساعدة بعد ذلك ، ايقاف العلاج في غير الوقت المناسب هي فعلة تحمل صفة إجرامية .

همسات نفسية- 2097-

12

همسات نفسية- 2097-
الاكتئاب عند الأطفال والمراهقين

يصيب الاكتئاب طفلاً من كل 50 تحت سن 12 ، ويصيب مراهقاً من كل عشرين ، وقد يكون الاكتئاب في هذه الفئة العمرية من أي نوع سواء الاكتئاب كهجمة كبرى أو صغرى أو ضمن اضطراب المزاج أحادي أو ثنائي القطب وكذلك تكدر المزاج ، وكثيراً ما يعاني الأطفال والمراهقون ولا يكترث أحد لمعاناتهم ، إذ تعدّ الأسرة هذه المظاهر غير مهمة وغالباً ما ينظر اليها أطباء الأسرة وأطباء الأطفال على أنها مرحلة في النمو لا داعي للاكتراث لها ، رغم أن الطفل وحتى بعض المراهقين قد لا يعبرون بكلمات واضحة عن مشاعر الاكتئاب ، ولكن دراستهم تتأثر وتكيفهم الإجتماعي وعلاقاتهم تتأثر وقد يتجهون إلى الانحراف السلوكي ، أو يتعاطون المؤثرات العقلية أو يحاولون الانتحار ، وقد يختلط الاكتئاب مع القلق والمرض العضوي كالسكري وغيره ، وهناك من الأعراض ما هو مشترك مع البالغين ولكن بعض الأعراض تخص الأطفال أو المراهقين دون الكبار . من الأعراض المشابهة للكبار : المزاج الحزين والمضطرب ، وفقدان المتعة في الهوايات ، وتغير الشهية ، والوزن ، والنوم ، والكسل، والخمول ، والتهيج ، والشعور بعدم جدوى الحياة وتأنيب الضمير ، والصعوبة في التركيز ، وتكرار أفكار الانتحار . وأما الأعراض الخاصة في الأطفال والمراهقين فهي :
* الشكـوى من أعراض عضوية غير محددة مثل التعب ، والصداع، وآلام العضلات ، وآلام المعدة.
* التغيب عن المدرسة وضعف التحصيل.
* التفكير في الهرب من البيت والحديث عن ذلك ومحاولته.
* نوبات الصراخ والتذمر والشكوى والبكاء.
* الشكوى المتكررة من الملل.
* عدم الاهتمام باللعب مع الأصدقاء.
* استعمال المواد الطيارة والمؤثرات العقلية والكحول.
* العزلة الإجتماعية
* الخوف من الموت.
* الحساسية الشديدة للرفض أو الفشل.
* زيادة العدوانية والغضب والضجر.
* السلوك المستهتر.
* مشاكل في العلاقات.
ومن المهم جداً أن يتم تمييز الحالة بشكل مبكر قبل أن تؤثر على حياة الطفل فيمتنع عن الدراسة وينزوي ويتأخر عن ركب أقرانه. ونرى أن بين الأطفال دون الثانية عشرة يتساوى الأولاد والبنات في انتشار الاكتئاب ، ولكن بين المراهقين فإن النسبة تتغير لتصبح ضعف النسبة بين البنات عن الأولاد ، وكأن ذلك تمهيدٌ للنسبة بين الكبار والتي تصل إلى ثلاثة أضعاف بين النساء مقارنةً بالرجال .
ومن العوامل التي تزيد من حدوث الاكتئاب وجود تكرار للمرض الاكتئابي بين أفراد الأسرة ، والضغـوط البيئية والأسرية والإجتماعية ، والتدخين ، وفقدان أحـد الوالدين أو أشخاص مقربين، وفشل العلاقات العاطفية ، ووجود اضطرابات سلوكية ، وفـرط الحركة ، واضطرابات التعلم ، والأمراض العضـوية المزمنة ، والاساءات بأشكالها المختلفة التي يكون قد تعرض لها الطفل ، ولا شك أن للكوارث والحروب واللجوء الإرغامي ، آثاراً سلبية على صحة الأطفال والمراهقين النفسية .
كثيراً ما يلاحظ أن الآباء والأمهات يرتبكون في تحديد ما إذا كان الطفل مكتئب أم لا ، والحقيقة أن على الوالدين تقديم الملاحظات للطبيب ، وهو المؤهل للتشخيص ، ويمكن للوالدين أن يستعرضا الأوجه الخمسة التالية : –
1 – المشاعر: الحزن ، والفراغ ، واليأس ، وتأنيب الضمير ، وعدم الجدوى ، وعدم القيمة ، وعدم الاستمتاع بالأمور اليومية التي طالما كانت ممتعة.
2 – التفكير: ويشمل التركيز ، واتخاذ القرار ، وانهاء الواجبات المدرسية ، والمحافظة على المستوى الدراسي أم تدهوره.
3 – الشكاوى الجسدية: الصداع ، وألم البطن ، وآلام المفاصل والظهر ، والإرهاق ، واضطراب النوم ، وتغير الوزن بالزيادة والنقصان.
4 – السلوك: الاضطراب ، وعدم الرغبة بالذهاب إلى المدرسة ، والرغبة في الانزواء ، وصعوبة في التعامل مع الآخرين ، والتأخر عن الحصص ، والتخلي عن الرياضة والنشاطات والهوايات ، واستعمال مؤثرات عقلية.
5 – خطورة الانتحار: هل يتحدث الطفل عن الموت والانتحار ؟ وهل يتساءل فيما إذا كان ذلك محرماً ؟ وهل يتساءل عن ردة فعل الأهل فيما لو أقدم على ذلك ؟
ومن حيث العلاج ، فإنه لا بد من أن يستعمل العلاج النفسي والعائلي السلوكي والمعرفي ومضادات الاكتئاب المختلفة بإشراف الطبيب المختص ، وإذا تم التشخيص بسرعة ووضعت خطة العلاج ونفذت فإن التحسن سريع . ومن حيث وقاية الطفل والمراهق الذي يعتقد أن لديه من الأسباب ما يجعله أكثر عرضة للاكتئاب ، فقد أظهرت أساليب التوعية والتدريب وتحسين الحوار العائلي ، والانتباه لأي تغير بسرعة أثراً جيداً في التخفيف من حدوث الاكتئاب بين الأطفال والمراهقين .

همسات نفسيه-2096-

download

همسات نفسية-2096-
الاكتئاب في المستشفيات العامة

إن الأمراض النفسية المتواجدة لدى المرضى في المستشفيات العامة ، والذين قد تم دخولهم بسبب عرض عضوي هو من إختصاص فرع مهم من الطب النفسي، هو (Liaison Psychiatry) والمتعارف على تسميته بطب النفس الارتباطي أو الاستشاري . وفكرة هذا الطب الاستشاري هي ارتداد حميد لتاريخ الطب القديم، حيث كان الطب من مكونات الفلسفة والتي تعنى بفهم الحياة ككل وتفسير ظواهرها ومعالجتها بكليتها . ولكن مدرسة العلم الشامل قد خسرت أنصارها خصوصاً في الطب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، بعد التأكيد على أهمية فهم الأمراض لا فهم المريض .
هذه النظرة التفصيلية أفقدت العلوم الطبية ردحاً من الزمن، قدرتها على رؤية المريض – الإنسان – مرتبطاً مع ظروفه وضغوطه المختلفة ، فرحه وترحه ، ثقافته وتعليمه بل وتاريخه وأصوله . وهكذا فإن أصاب “عدنان” ألم ، فالمهم ضمن هذا العزل الظالم هو ألم عدنان وليس عدنان صاحب الألم ، وعلى نفس المنوال فأن “هدى” إذا شخصت بسرطان الثدي ، فالتركيز إذاً ينصب على ثدي هدى لا هدى المريضة ، إن هذا بلا شك هو قصر نظر وإجحاف لا علاقة له برسالة الطب السامية المنحازة أبداً لصالح المريض لا لصالح فضول معرفة المرض وحسب .
لقد بدأ النمو الحقيقي لهذا العلم الإرتباطي في الربع الثاني من القرن العشرين . ونقطة التحول جاءت بعد إطلاق مصطلح الأمراض النفسجسمية (Psychosomatic Disorders) في الثلاثينات من ذات القرن . وقد جاء هذا المصطلح بداية ليدافع عن فكرة أن الأمراض العضوية مؤكدة التشخيص كالضغط والربو مثلاً ، هي بالأصل جاءت من أسباب نفسية واجتماعية . ولكن هذا التطرف “بالتسبيب الكامل” جاء ليأخذ بعد ذلك نظرة أكثر موضوعية قائلاً بمساهمة العوامل النفسية والاجتماعية في ظهور المرض أو استمراره أو زيادة أعراضه وشدته .
في التطبيق العملي ، فإن طب النفس الاستشاري يحقق أسلوبه إما عن طريق وجود قسم نفسي متخصص في المستشفيات العامة أو بشكل استشارات نفسية يقدمها اختصاصي الطب النفسي عند الحاجة.
الأسلوب الأول : يتنامى بشكل كبير في الدول الغربية ، ويتبنى الأسلوب الارتباطي في العمل ، بينما تشكل الاستشارات الطريقة السائدة في بلادنا . إن أسلوب الطب الارتباطي ، يحتم أن يعمل الطبيب النفسي ضمن فريق متكامل كحالة وجوده مع الفريق الجراحي في الحالات الجراحية ، أو مع الفريق الباطني في الحالات الداخلية والباطنية وهكذا . هذا وتقع على الطبيب النفسي مهمة مساعدة الفريق للتعامل مع المشاكل والاضطرابات النفسية المرضية التي يواجهونها مع مرضاهم ، بشكل يومي وذلك بحكم وجوده كعضوٍ أصيل في الفريق ، وتأتي طريقة الاستشارات كطريقة منقوصة نسبياً لأن رأي الطبيب النفسي يؤخذ به عند الطلب ، وربما لا يستعان به خصوصاً في بلادنا اللهم إذا فقد الطبيب من الاختصاص الآخر قدرته على السيطرة واضطر إلى اللجوء إلى خطة طوارئ ألا وهي استشارة الطبيب النفسي ، وهذا هو واقع الحال للأسف .
فريق الطب النفسي الارتباطي أو الاستشاري يتراوح في حجمه. صحيح أن ما نراه شائعاً هو تكونه من شخص الطبيب النفسي إلا أن الوضع المثالي يحتم وجود فريق متكامل ومتناغم يشمل فيما يشمل – إضافة إلى رأسه الطبيب النفسي – الممرض النفسي ، الباحث الاجتماعي والاختصاصي النفسي الإكلينيكي . وتقتضي الحاجة كثيراً أن يستعان بكـل أفراد الطاقم للتعامل والتقييم والمعالجة وإبداء الرأي .
ويأتي موقع السؤال التالي الآن : ماذا يفعل فريق الطب النفسي الاستشاري إذا طلب منه التدخل ، ما هي مهامه وكيف يتعامل ؟ هذا السؤال يخص الطبيب النفسي ، فهو هنا تقع عليه مهمتان أولهما تقييم الحالة ، وثانيهما الاتصال وتبادل الرأي مع الطبيب المختص من الاختصاص الآخر ويجب أخذ النقاط التالية بعين الاهتمام : –
أ – حالة المريض الجسدية والعقاقير المتناولة والآثار الجانبية المترتبة عنها .
ب – رغبة المريض برؤية طبيب نفسي ، إذ من الواجب أن يناقش هذا الأمر سابقاً مع طبيبه المشرف في حالة توافر القدرة لدى المريض على إعطاء إقرار بذلك . وإلا فإن الأمر يبقى بين يدي الطبيب المشرف وذوي المريض .
جـ – الاطلاع على سيرة المريض الطبية والجراحية . والانتباه إلى ملاحظات التمريض المتعلقة بالسلوك والأعراض البيولوجية كالشهية للطعام والنوم.
د – اتباع الطريقة الكلاسيكية المفصلة للتاريخ المرضي النفسي للمريض والفحص العقلي .
هـ – عدم الاعتماد على الفحص الجسدي الذي خضع له المريض سابقاً . فلا بد من الفحص السريري مترافقاً مع اهتمام خاص للجهاز العصبي .
و – أخذ معلومات أخرى من الأقارب شاملة للأرضية الاجتماعية والثقافية والشخصية للمريض .
ز – كتابة التقرير النفسي الاستشاري والتي ستدخل ضمن الملف الطبي للمريض ، تختلف عن المتبع تقليدياً في الملفات النفسية . من الواجب أن تكون ملخصة ، بسيطة ومباشرة بعيدة عن حشو المصطلحات الغامضة وغير المفهومة . ومن المفضل أيضاً أن يتم تجنب ذكر المعلومات الخاصة والسرية ، والتي لا تحوي أهمية عملية لحالة المريض أو للإجابة والتساؤل من قبل الطبيب المشرف .
حـ -إعطاء تشخيص مباشر سواء كان مبدئياً أو نهائياً بهدف إزالة اللبس .
ط – توضيح طريقة التعامل والعلاج بشكل مفصل ، وعلى الطبيب النفسي أن يتأكد من قدرة جهاز المستشفى على التعامل والتنفيذ لهذه التعليمات .
ي – استكمال الحلقة الاستشارية بأخذ معلومات راجعة عن حالة المريض بعد تلقي العلاج ووضع خطة للمتابعة .
إن هذا الحرص الشديد على أهمية الارتباط والاستشارة للطب النفسي في المستشفيات العامة ، تأتي كما ذكر سابقاً من جوهر الارتباط الوثيق بين الجسد والنفس ، وهذا الارتباط يأخذ تعبيرات مختلفة نوردها كما يلي : –
1. العوامل النفسية قد تأتي كمرسبات للأمراض العضوية. مثلاً ، أثر التوتر على القرحة المعدية .
2. أمراض نفسية تعبر عن نفسها بأعراض جسمية. مثلاً ، الأمراض الجسمنفسية كالأعراض التحويلية والمراق والقلق .
3. المترتبات النفسية من الأمراض الجسمية. مثلاً ، حالات عدم التأقلم نتيجة فقدان البصر .
4. الأمراض النفسية المترافقة مع أمراض جسدية بالتصادف ، كترافق القلق مع الأورام الخبيثة.
5. الأمراض النفسية الناتجة مباشرة من عطل عضوي. مثلاً ، الإصابة الدماغية للفص الجبهي المؤدية لاضطراب الشخصية.
ويبدو – الإكتئاب – موضوعنا المطروح كعامل مشترك في كل الأحوال السابقة. فهو كمرض نفسي يختبئ في أحيان كثيرة تحت غطاء الأعراض الجسمية والبيولوجية . ولهذا فهو يأتي بهوية غامضة ، قد تخفى على طبيب الإختصاص الآخر المواجه لهذه الحالة في المستشفيات العامة . وهو بهذا لا يلام إذ أنه يشاهد أعراضاً توحي بوجود علة عضوية ، ما هو موقفه وهو يرى المريض يعاني من قلة الشهية وإضطراب النوم ، وفقدان الوزن ، والإمساك ، والعنه الجنسية ، واضطراب الدورة الشهرية ، والصداع ، والشعور بالتنميل أو الوهج في الأطراف ، والتعب العام ، والخلل في الذاكرة، وآلام الصدر ، وصعوبة التنفس . وأضف ما شئت ؟! وتظهر هذه التعبيرات الجسدية للاكتئاب أكثر ما تظهر – وكما تؤكد الدراسات والقراءات الإكلينيكية – في دول العالم الثالث ، حيث قلة التعبير اللغوي عن النفس ومكنوناتها ، حتى أن الرجال الشرقيين يرون في الحزن والبكاء إهانة تنتقص من مميزات الرجولة وتحبط صفة الخشونة والاعتداد ! ويأتي الحل لهذا المشكل الصعب بلجوء الطبيب إلى الفحص النفسي لمريضه والسؤال مباشرةً عن المزاج ، فقدان الاهتمام بالحياة والمتعة بها ، والأعراض النفسية الأخرى والتي سوف تؤكد تشخيص الإكتئاب. إن بضع الدقائق الكافية للفحص النفسي لن تسبب خسارة الطبيب أو تعبه عند عملها ، ولكنه وبدون شك سوف يخسر الكثير إذا رافقه الإهمال في عملها ، هذه الخسارة تُضر المريض في وقت شفائه ونوعية حياته ومعاناته وتفقد الطبيب ثقة المريض به ، وهي من أهم خصائص العملية العلاجية الناجحة ، وفوق ذلك فهي تمثل إخفاقاً وفشلاً للطبيب في إدراك التشخيص والمعالجة .
الاكتئاب كذلك من المترتبات الرئيسية للأمراض العضوية ، وعلى سبيل الإيضاح لا الإجمال ، نرى أن حوالي ثلث المرضى المصابين بإحتشاء العضلة القلبية يعانون من الاكتئاب والقلق ، خلال ستة أسابيع من حادثتهم غير السعيدة (الاحتشاء) . صحيح أن هذه النسبة تقل خلال متابعتهم بعد سنة إلا أنها تبقى مرتفعة ، إذ أن 20% منهم تبقى لديهم أعراض اكتئابية كافية للتشخيص ، وبحاجة إلى تقييم وعلاج نشط . والنسبة السابقة تنطبق كذلك على السيدات اللواتي أجرين عملية إزالة الثدي (Mastectomy) كما تؤكده العديد من الإحصائيات والدراسات .
وتجدر الإشارة هنا أن الاكتئاب قد يكون التعبير الأول للعديد من الأمراض العضوية غير المكتشفة ، ويمثل عرضاً أصيلاً فيها . والقائمة طويلة فهي تشمل الاضطرابات التشريحية والوظيفية للدماغ ، وأمراض الغدد الصماء ، والأورام الخبيثة المختلفة خصوصاً في منطقة رأس البنكرياس ، وأمراض الكلى ، والالتهابات الجرثومية والخمجية ، وأمراض المناعة الجسمية وغيرها، كما تبدو العلاجات المتلقاة من المريض ذات أهمية كبرى ، إذ أنها قد تساهم في ترسيب بل وفي تسبيب الأعراض الاكتئابية .
على المعالج والطاقم الطبي إذن أن يبقوا العيون مفتوحة على مريضهم ، صاحب العلة العضوية لادراك أعراض الاكتئاب مبكراً ، ولحسن الحظ فأن الاكتئاب هنا هو مشكلة ذات حلول وتستجيب جيداً للعقاقير المضادة للاكتئاب .
إن الطبيب النفسي المستشار في الحالات الآنفة يواجه تحدياً مهماً لعلمه وخبراته ، وعليه أن يجيب على العديد من الأسئلة والاستفسارات : –
1. هل الاكتئاب كعرض أو كمرض موجود لدى هذا المريض ؟.
2. هل الاكتئاب أو غيره كاضطراب الشخصية يتداخل ويساهم في استمرار المرض العضوي ، والتجاوب مع العلاجات والشفاء والتحسن ؟
3. هل من المتوقع أن يؤدي المرض العضوي إلى أعراض اكتئابية وكيف يتم الكشف المبكر عنها ؟
4. هل هنالك اقتراحات معينة تتعلق بعلاج المريض أو أية إجراءات مناسبة أخرى ؟
5. هل هنالك ضرورة لنقل المريض إلى مستشفى للطب النفسي ، وهل هنالك أعراض خطيرة كالأفكار الانتحارية قد تلوّح بإنهاء الحياة ولا يمكن السيطرة عليها داخل المستشفى العام ؟
وتبقـى هذه الخطوات نقاطاً عملية مفيدة لما هو متاح في الواقع ، ويبقى في أذهاننا نحن المهتمين والمنتمين للجهاز الطبي نظرة استراتيجية مثالية ، تهدف إلى جعل الطب النفسي الإرتباطي حقيقة روتينية نعمل بها في مستشفياتنا العامة ، لما فيه من مصلحة جلّى للمريض ولثقافة طبية نفسية ناضجة .

همسات نفسية -2094

E41EDB46-6580-4E15-9162-234028E6EBB8_w1023_r1_s

همسات نفسيه -2094-
الانتحــــار

إن معدل الانتحار في أي مجتمع له تأثير على المجتمع ، ويعكس بشكل واضح مدى قدرة المجتمع على احتواء هذه الظاهرة ومنعها ، وتتفاوت المعدلات المعلنة للانتحار في الدول المختلفة ما بين 25 – 45 حالة انتحار لكل مائة ألف من السكان سنوياً في الدول الغربية ، وتنخفض في الدول العربية إلى ما دون “الحالة” لكل مائة ألف من السكان ، ويبدو أن هناك حماية من الانتحار في المجتمع العربي والإسلامي بسبب الوازع الديني والترابط الأسري والاجتماعي ، ولكن انخفاض النسبة في الدول العربية وغيرها من الدول النامية يلعب به عامل آخر وهو عدم دقة التبليغ ، ولما يحمل الانتحار من وصمة في المجتمع فإن الكثير من الحالات لا تسجل على أنها انتحار ، وتُعطى أسباب طبيعية للوفاة . ومن المعروف أن ثلثي المنتحرين يكونون قد نوهوا بالانتحار أو أعلنوه صراحة للأطباء ، أو لذويهم ولم يُتخذ أي إجراء ، كما أن نسبة كبيرة من المنتحرين يكونون قد حاولوا الانتحار مرة أو أكثر ، ولم تؤخذ محاولاتهم على محمل الجد ، وفي القانون الأردني مثلاً فإن على الادعاء العام التحقق فقط في محاولات الانتحار والانتحار بما يتعلق بنقطة وحيدة هي أنه لم يكن هناك مساعدة من أي شخص على الانتحار أو محاولته ، وأن ما تم لم يكن محاولة قتل ، وبعدها يقفل ملف القضية ، دون إلزام بإجراءات من قبل المستشفى ولا المريض الذي وصل إلى الطبيب بعد أن حاول الانتحار أو ما يسمى (بإيذاء النفس المتعمد) ، والذي يصل معدله سنوياً إلى 350 – 500 حالة لكل مائة ألف من السكان في معظم الدول المتقدمة ، أما في الدول العربية فالرقم أقل بكثير من ذلك ، وقد لا يتعدى عشر حالات لكل مائة ألف من السكان ، وذلك لنفس الأسباب الواقفة وراء انخفاض معدلات الانتحار.
ومن المعروف أن الذكور أكثر انتحاراً من الإناث ، مع أن الإناث أكثر في محاولات إيذاء النفس المتعمدة ، كما أن العزلة الاجتماعية والعائلية تزيد من احتمال الانتحار ، فالمطلقون والأرامل والعزاب أكثر انتحاراً من المتزوجين ، وأما المشاكل النفسية فعلى رأسها الاكتئاب ، إذ أن أكثر من 70% من المنتحرين هم من ضحايا هذا المرض ، ونسبة أخرى من ذوي الشخصيات المضطربة والمدمنين على الكحول والمخدرات ، ونسبة من مرضى الفصام العقلي .
وهناك عوامل أخرى تجعل من الانتحار أكثر احتمالاً عند مرضى الاكتئاب خصوصاً البطالة ، ومحاولات الانتحار السابقة والأمراض العضوية المستعصية ، بالإضافة إلى أن بعض فئات المجتمع والمهنيين تبدو أكثر ميلاً للانتحار ، فالطبقات الضعيفة والعالية أكثر ميلاً للانتحار من الطبقات المتوسطة ، وهناك مهن كالأطباء والقضاة والكتاب يبدون ميلاً للانتحار أكثر من غيرهم ، وقد لوحظ في السنوات العشرة الأخيرة انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الانتحار في كثير من الدول ، وقد عزي سبب ذلك للتقدم الهائل في معالجة الاكتئاب وازدياد الوعي لهذا المرض .
وعند تقييم حالة المريض النفسية لا بد أن يقوم الطبيب بمعرفة أية أفكار بعدم جدوى الحياة أو تمني الموت ، وما هو الرادع لعدم الانتحار ، وهل حاول المريض الانتحار سابقاً أو خطط أو يخطط له ، وقد يتردد الناس والأطباء أحياناً في السؤال عن الانتحار وكأن السؤال سيجعل المكتئب ينتحر ، وهذا ليس صحيحاً ، بل إن السؤال عن الانتحار بحد ذاته هو أحد وسائل الوقاية من حدوثه .
وفي مجتمعنا العربي لا بد أن نعمل بجد بهدف إبقاء الانتحار تحت السيطرة ، وذلك يتم بعدة وسائل :-
1. التركيز على الوازع الديني وتحريم قتل النفس.
2. عدم التخلي عن الأسرة الممتدة ، والتكافل الاجتماعي والتعاطف الذي تمتع به مجتمعنا لفترات طويلة ، ويلاحظ في السنوات الأخيرة أن هناك بوادر تفكك لهذا التكافل المحبب والمطلوب.
3. زيادة الوعي للمشاكل النفسية عموماً والاكتئاب خصوصاً بين الناس.
4. توفير الخدمات النفسية والارشادية في المدارس والجامعات والمصانع.
5. إدخال المرض النفسي ضمن أنظمة التأمين المختلفة ، والتي دأبت على استثناء المرض النفسي دون منطق.
6. تدريب طلاب الطب والأطباء العامين في ميدان الطب النفسي، والتأكيد على قدرة الطبيب العام على تمييز الاكتئاب وتشخيصه وعلاجه إن أمكن أو تحويله إلى الأطباء النفسيين.
7. معالجة حالات الاكتئاب الشديدة والتي فيها نوايا انتحارية ، بحذر ودقة وفي مكان متخصص وآمن ، وضمن رعاية طبية وتمريضية متخصصة في مستشفى نفسي أو قسم للطب النفسي في مستشفى عام.
8. العمل على تعديل القوانين بحيث يصبح التقييم النفسي إجبارياً لكل محاولات الانتحار وإيذاء النفس.

همسات نفسية -2095

2111782222_421103213

همسات نفسية -2095-
المرأة والاكتئاب
من المعروف أن المرأة أكثر عرضة للإكتئاب من الرجل بثلاثة أضعاف ، وفي مختلف المجتمعات ، إلا في الاكتئاب المصاحب لاضطراب المزاج المزدوج القطب (الزهو الاكتئابي) والذي يتساوى انتشاره بين الرجال والنساء وبمعدل 1% من السكان . ومن المؤسف أنه رغم هذا الإرتفاع الواضح للاكتئاب بين النساء فإننا لا نجد أنهن يصلن إلى العلاج بنفس النسبة ، وعلى الأغلب فإن الرجل أكثر حظاً في الوصول للعلاج من المرأة . والعوامل التي ترفع من معدل الاكتئاب عند المرأة عديدة منها : الحمل والولادة وما يعنيه ذلك من تغيرات فسيولوجية وهرمونية ، وتغير في الدور الذي تؤديه المرأة في الأسرة والمجتمع ، وكما أن الوضع النفسي والاجتماعي للمرأة عموماً وفي مجتمعنا بالذات يحوي الكثير من الكبت والقمع والاضطهاد للأنثى ، فهي منذ ولادتها مرفوضة ، ثم تتعرض للتفرقة والتمييز في طفولتها وتحرم من التعليم والخروج إلى الحياة ، وقد تتزوج في سن مبكرة وتحمل مسؤوليات كبيرة ، وتنتقل المرأة من إضطهاد الأبوين إلى اضطهاد الزوج ، وعادةً ما تكون المرأة كبش فداء لكثير من مشاكل المجتمع ، وهي الأكثر تأثراً بالفقر والبطالة من الرجل ، وهي أكثر عرضة للإساءة الجنسية والنفسية والجسدية في الطفولة ، وعرضة للعنف الأسري بعد الزواج . وفي كثير من الحالات التي تصل إلى العيادات النفسية ، نجد أن المرأة قد أصيبت بالاكتئاب مثلاً بعد الولادة الأولى ، وتأثرت حياتها بالكسل والخمول والتباطؤ وضعف الثقة بالنفس والسلبية ، وأتهمت بالإهمال في البيت والزوج والأبناء ، ولم يسمع طلبها للعلاج ، ولم يكترث لها عندما حاولت الانتحار بل على العكس عوقبت على ذلك ، ونصحت بالحمل من جديد ، وتكررت الحكاية عند بعض السيدات أكثر من خمس ولادات ، واكتئاب متواصل تخف حدته في الحمل ويشتد بعد الولادة ، وقد يصل الأمر بالزوج إلى الزواج من أخرى ، لأن زوجته غير قادرة على رعاية البيت وتقديم واجباتها الزوجية على أكمل وجه ، وليس غريباً أن ترى سيدة لم تكمل الثلاثين من عمرها وقد أمضت اثنى عشر عاماً أو أكثر في الزواج كلها حمل وولادة وإكتئاب ومشاكل ، ووصلت إلى فقدان 30 كغم من وزنها ، وتظنها للوهلة الأولى قد تجاوزت الخمسين ، وليس غريباً أن تحضر المرأة للعلاج دون علم الزوج خوفاً من أن يؤخذ عليها أنها مريضة نفسية ، وكثيراً ما تهدد المرأة بأنها سوف تطلق وتحرم من أطفالها لأنها فاقدة لعقلها إذا وصلت إلى العيادة النفسية ، ومع أن هذا غير صحيح قانونياً لكن المرأة قد تصدقه لعشرات السنين ، وكثيراً ما تصل المرأة للعلاج ولا تكمله ، لأن الزوج اعترض أو غير مقتنع أو أنه بدأ يعيّرها بالمرض ، واضطرت للمكابرة والادعاء بأنها شفيت والحمد لله ، ومن الملاحظ أن عدد أسرة النساء في المستشفيات النفسية في الدول المتقدمة تكون أكثر من الرجال وكذلك مراجعات العيادات الخارجية ، أما في معظم الدول العربية فإن عدد أسرة النساء غالباً ما يكون ربع أسرة الرجال ، والمراجعات في العيادات بالتأكيد ينال الرجلُ منها نصيباً أكثر من المرأة بدرجات متفاوتة في الأمراض المختلفة ، في الاكتئاب تحديداً ، مع أن عدد النساء المكتئبات ثلاثة أضعاف الرجال تقريباً . وبالتالي فإن مجتمعنا يطالب المرأة بالكثير الكثير ، ولا يقدم لها ما نصت عليه الشريعة الإسلامية في المساواة ، وما يقبله المنطق والإنسانية في العلاج إذا مرضت ، وهو أبسط حقوق الإنسان . حتى المرأة التي تعلمت وأصبحت أستاذة جامعية أو طبيبة أو مهندسة ، وتعمل وتنتج وتعتمد على نفسها اقتصادياً ما زالت تعاني الكثير من القهر والتفرقة ، وما زالت مطالبة بأن تحضر كوب الماء للزوج حتى لو كانت مرهقة ، وكأن بعض الرجال يعاقب زوجته العاملة بكثرة الطلبات والضغوط مقابل السماح لها بالخروج للعمل ، ويسمح الرجل لنفسه بالكثير من الحريات ، ويحجب عن المرأة أبسط الحقوق مثل زيارة والدتها المريضة ، أو الإستراحة بعد عناء العمل لساعة . ولا شك أن للحركة النسائية دوراً في التخفيف من معاناة المرأة ، وهذا دور لا بد أن تتعاون فيه كافة المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية وأهل الفكر والرأي والصحافة والإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية.
وفي معالجة الاكتئاب عند المرأة لا بد من الأخذ بعين الاهتمام بعض الفروق عن الرجل ، مثل زيادة الأعراض قبل الدورة الشهرية والحمل ومراحله المختلفة ، والولادة وما يترتب عليها من انتكاسات للمرأة المكتئبة ، ولا يعد الحمل أو الولادة عائقاً لمعالجة الاكتئاب ، وهناك من أساليب المعالجة ما لا يؤثر على الجنين ولا على مسيرة الحمل .
ومن المعروف أن بعض النساء اللواتي يعانين من توتر ما قبل الدورة الشهرية ، قد تظهر عليهن أعراض الاكتئاب بشكل واضح قبل كل دورة شهرية وهذا يتطلب العلاج ، كما أن نسبة من النساء لا يتحملن أقراص منع الحمل وقد تؤدي إلى التوتر والقلق والاكتئاب ، أما بعد الولادة فإن أكثر من نصف النساء تظهر عليهن أعراض كآبة عابرة بين اليوم الثالث والخامس بعد الولادة ، ولا تحتاج هذه الحالة لأي معالجة ، وذلك أن مجرد التطمين والعلم المسبق بإمكانية حدوثها وزوالها تلقائياً بأقل من أربع وعشرين ساعة يكون كافياً ، وخلال الأسابيع الستة التي تعقب الولادة فإن عشر النساء يعانين من اكتئاب النفاس بدرجات وفترات متفاوتة ، وبالرغم من زواله تلقائياً في بعض الحالات إلا أنه قد يتطلب علاجاً فورياً ، وفي نسبة قليلة لا تتعدى الحالة لكل ألف ولادة قد تصاب المرأة بذهان النفاس ويكون فيه أعراض الهلوسة والتوهم واضطراب التفكير والسلوك ، وفي كثير من هذه الحالات يكون هناك أعراض اكتئابية واضحة مع الذهان .
ومن النادر أن تصاب المرأة بحالات اكتئاب شديدة أو ذهان اكتئابي أثناء فترة الحمل ، وعندها قد تلح على الإجهاض وقد تحاول إيذاء نفسها وجنينها ، وهذا يمكن علاجه ، وليس من المسموح قانونياً وشرعياً إجراء الإجهاض ، والذي ينص القانون على أنه يُجرى فقط إذا كان استمرار الحمل يهدد حياة الأم بالخطر الأكيد .
ومن المشاكل الشائعة في مفاهيم الناس وحتى الأطباء أحياناً أن سن اليأس وهو انقطاع الدورة الشهرية ، وعدم إمكانية الحمل ، يفهم على أنه حالة من اليأس والاكتئاب . وهذا غير صحيح ، فقد دلت معظم الدراسات أن الاكتئاب عند المرأة يكون في أعلى معدلاته في السنوات الخمس التي تسبق انقطاع الدورة الشهرية ، أما بعد توقف الدورة الشهرية ، فإن معدلات الأمراض النفسية تقل عند المرأة وخصوصاً الاكتئاب ، وباعتقادنا أن تسمية سن اليأس خطأ لغوي وعلمي فاليأس من الحمل يفهم على أنه اكتئاب، ونقترح أن يسمى (سن الأمل) طالما أنه بداية لانخفاض معدلات الأمراض النفسية والاكتئاب .

همسات نفسية-2093-

750_f4f9764e68

همسات نفسية-2093-
تصنيف الاكتئاب

(1) التصنيف حسب السبب
أ . الإكتئاب الداخلي والتفاعلي
(Reactive and Endogenous Depression)
وهو تصنيف قديم عدَّ أن الاكتئاب إما أن يكون ناتجاً عن ظروف وأحداث الحياة ويُعد تفاعلياً ، أو أنه لا يرتبط بأي مشاكل خارجية وبهذا يعتبر داخلياً ، إلا أن هذا التقسيم قد أصبح الآن غير دقيق ، ولا يتفق مع نتائج البحث العلمي، فهناك استعداد داخلي للاكتئاب يتفاوت من شخص لآخر ، وتلعب العوامل الخارجية دوراً لكل حالة اكتئاب وبدرجات متفاوتة ، بحيث أنه يمكن النظر للاكتئاب على أنه يقع على خط مستقيم أحد طرفيه داخلي والطرف الآخر خارجي أو تفاعلي ، وغالباً ما يكون المكتئب على نقطة تمتد على هذا الخط وليس على طرفيه .
ب‌. الإكتئاب الأولي والثانوي (Primary and Secondary Depression) :-
هذا التقسيم للتفريق بين الاكتئاب الذي يظهر إبتداءً في الحياة النفسية ويعد أولياً، أما الذي يحدث على خلفية مرض نفسي آخر ، كالفصام العقلي أو الإدمان على الكحول والمخدرات ، وكذلك الذي يحدث نتيجة لبعض الأمراض العضوية أو العقاقير فإنه يعد ثانوياً .
جـ. الاكتئاب العضوي وغير العضوي
(Organic & Nonorganic Depression):
مع أن كافة أشكال الاكتئاب تظهر بالنهاية نتيجة للتغيرات الكيماوية في مراكز التحكم بالمزاج ، إلا أن الاكتئاب العضوي يقصد به الاكتئاب الناتج بشكل مباشر عن مرض عضوي ، مثل إصابات وأورام الدماغ والجلطات الدماغية ، نقص إفراز الغدة الدرقية ، وسرطان البنكرياس والرئة وغيرها من الأمراض، كما يضاف إليها الاكتئاب الناتج عن عقاقير طبية مثل بعض أدوية الضغط ، وأدوية الكورتيزون أو مواد الإدمان مثل الكوكايين والأمفيتامين والقات والكحول .
(2) التصنيف حسب الأعراض
(Neurotic and Psychotic Depression)
وفيه قسم الاكتئاب إلى اكتئاب عصابي (بسيط) واكتئاب ذهاني (شديد) ، وعدّ أن وجود مظاهر ذهانية تفصل الاكتئاب إلى هذين النوعين . وفي هذا التقسيم إجحاف لأشكال الاكتئاب العديدة غير الذهانية التي عدّت عصابية ، مع أنها متفاوتة في درجات قد تصل في الشدة إلى الاكتئاب الذهاني أو أكثر ، وفي وقت من الأوقات عُدّ الاكتئاب العصابي مساو للاكتئاب التفاعلي ، وعدّ الاكتئاب الذهاني مساوياً للاكتئاب الداخلي ، وهذه تقسيمات لا تتفق أيضاً مع المشاهدات ونتائج البحوث العلمية .
ومع ذلك فإن الاكتئاب الذهاني لا زال قائماً ، مع أنه قليل الحدوث نسبياً ، ويتميز بالهلاوس والأوهام المختلفة ، أما الاكتئاب العصابي فقد عدّه البعض رديفاً لتكدر المزاج (Dysthymia)، مع أن هذا التشبيه تجانبه الدقة .
(3) التصنيف حسب مسيرة المرض في عمر الإنسان:
أ . الاكتئاب أحادي القطب وثنائي القطب
(Unipolar and Bipolar Depression)
يشكل الاكتئاب جزءاً من اضطرابات المزاج التي تشمل الزهو (الهوس) والحالات المزاجية المختلطة والاكتئاب ، ولذلك عُدَّ الاكتئاب أحادي القطب إذا تكرر كحالات اكتئاب دون أن يتخللها حالات من الهوس ، وثنائي القطب إذا كان الاكتئاب يتناوب حدوثه مع حالات من الزهو والحالات المزاجية المختلطة.
ب. الاضطراب المزاجي الموسمي (Seasonal Affective Disorder):
هناك فئة من المرضى يتكرر عندهم اضطراب المزاج في نفس الوقت من السنة ، وقد يكون هذا الوقت هو الخريف أو الشتاء ثم يتحسن المريض في الربيع والصيف وفي حالات أخرى فإن الاكتئاب أو الزهو يتكرر مع تغير الفصول ، وخصوصاً بداية فصل الربيع وهذا الشكل من اضطراب المزاج تم ربطه بأشعة الشمس وتأثيرها على إفراز الميلاتونين في الدماغ .
جـ . الاكتئاب التراجعي (Involutional Depression) :-
وهو نوع من الاكتئاب يصيب الكهول ، ويتميز بالتهيج والأعراض المراقية (Hypochondriasis) أي توهم المرض ، وكان هناك اعتقاد بأن هذا النوع من الاكتئاب له أسبابه الخاصة ، وتطوره المتفرد ، إلا أن هذا لم يثبت ، ويبدو أنه شكل للاكتئاب في هذا السن .
د . اكتئاب الشيخوخة (Senile Depression) :-
وقد كان هناك اعتقاد بأنه متميز عن باقي أشكال الاكتئاب بأسبابه وتطوره ، إلا أن هذا لم يثبت أيضاً ، ولكن الثابت أنه أقل تجاوباً مع العلاج ، وقد يكون سريع الانتكاس ، ويتطلب علاجاً أطول ، وقد يكون مدى الحياة .
هـ . (Melancholia) :-
تمثل هذه التسمية القديمة الجديدة شكلاً من أشكال الاكتئاب الشديد ، ويُميزه فقدان المتعة في الحياة ، وعدم تغير المزاج طيلة ساعات اليوم مع زيادة ملحوظة في سوء المزاج صباحاً وتحسن طفيف مساءً ، إضافة إلى تواجد الأعراض البيولوجية مثل قلة الحركة ، والصحو الباكر من النوم ، وضعف الشهية وفقدان الوزن الملحوظ.
(4) التصنيف الدولي العاشر (ICD 10)
صدر هذا التصنيف عن منظمة الصحة العالمية ، وقد قسم الاكتئاب إلى عدة أنواع :-
أ . انتكاسة اكتئاب (شديدة أو بسيطة) :-
وهي حالات الاكتئاب الشائعة متفاوتة الحدة ، وقد يكون هناك عوامل مهمة مرسبة للحالة ، أو أحداث بسيطة وقد لا يكون هناك أي مبرر منطقي للاكتئاب، وقد قسمت إلى بسيطة وشديدة ، والبسيطة عادةً ما لا تؤثر على أداء الإنسان لوظائفه اليومية بشكل واضح ، ولكن الانتكاسة الشديدة قد تؤدي إلى توقف الطالب عن دراسته ، أو ربة البيت عن أداء واجباتها اليومية ، وقد يستقيل الموظف وتتراجع أعمال التاجر والنجار والحداد ورجل الأعمال بشكل ملحوظ، وتتأثر صحته وسلوكه بشكل كبير .
ب . اضطراب مزاجي مزدوج القطب (مرحلة إكتئاب)
إن مرحلة الاكتئاب التي تحدث ضمن مرض الهوس الاكتئابي، لا تختلف في أعراضها عن الاكتئاب عموماً ، ولكنها قد تكون مسبوقة أو متبوعة بالزهو ، أو أنها تتبادل الدور مع الزهو كل سنة أو ستة أشهر .
جـ . اكتئاب متكرر (بسيط ، متوسط الشدة ، شديد )
إن حدوث الاكتئاب في حياة الإنسان ، قد لا يتكرر ولا تعود الأعراض ثانية ، وفي أحوال أخرى فإن هناك تكراراً للاكتئاب ، إما على فترات متباعدة قد تصل الخمس سنوات أو أكثر ، وقد يكون شديداً في كل مرة أو بسيطاً في كل مرة ، وقد تتفاوت الانتكاسات من مرة لأخرى ، وقد يتكرر بلا سبب واضح ، أو لأسباب بسيطة ، أو أحداث معينة مثل الفشل في الدراسة أو الزواج، والتغيير مثل بداية المرحلة الجامعية ، وبداية العمل والإقبال على الزواج ، ويمكن أن يكون التكرار بعد الولادة عند بعض النساء .
د . اضطرابات مزاجية طويلة الأمد (اضطراب مزاجي دوري ، تكدر المزاج)
وهذه من المشاكل التي قد يصعب تمييزها من قبل المريض نفسه، أو مَن حوله ، وقد تعد جزءاً من شخصيته . ففي اضطراب المزاج الدوري يتأرجح المريض بين الاكتئاب البسيط أو تكدر المزاج ثم ارتفاع المزاج بما لا يصل للزهو ، ولكن فيه ابتهاج ونشاط وحركة زائدة نوعاً ما ، وكثيراً ما يصف الناس هذا الشخص بأنه مزاجي مع أن الاضطراب يتعدى الشخصية المزاجية، أما تكدر أو عسر المزاج فهو درجة بسيطة من الاكتئاب ولكنه طويل الأمد .
هـ . تشمل الأشكال الأخرى للاكتئاب سواء غير النموذجية أو المصاحبة لأمراض أخرى كالفصام .
والاكتئاب غير النموذجي يختلف عن الاكتئاب بأنه يكون مصحوباً بزيادة النوم، والأكل والوزن ، ويترافق مع الكسل والقلق أحياناً ، وغالباً ما يلاحظ في النساء . أما الاكتئاب المصاحب للفصام العقلي فهو من أشكال الاكتئاب الهامة، والتي قد تتزامن مع أعراض الفصام ، أو تسبقها أو تتبعها .
(5) التصنيف الأمريكي الرابع DSM4 :
صدر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي وقسّم الاكتئاب إلى عدة أنواع :
‌أ. انتكاسة اكتئاب كبرى .
‌ب. اضطراب مزاجي مزدوج القطب (مرحلة اكتئاب) .
‌ج. اضطرابات اكتئاب أخرى : كالاكتئاب المتكرر وتكدر المزاج .

همسات نفسية-2092-

images

همسات نفسية-2092-
مظاهر الاكتئاب

تتنوع مظاهر الاكتئاب في أشكالها وشدتها ، وذلك حسب نوع الاكتئاب ومدته، وهل ترافقه أعراض أخرى أم لا ، ومن أي أنواع الاكتئاب هو ، ولا ننسى أن الاكتئاب لا بد أن يتمشى في مظاهره مع طبيعة الشخصية وظروف الفرد وجنسه وعمره . ومع ذلك سوف نستعرض المظاهر الرئيسة للاكتئاب من الناحية العملية :-
أ . المزاج
يتكدر المزاج ويهبط ويشعر المكتئب باليأس والقنوط ، وعدم القدرة على الاستمتاع ، ويفقد الرغبة في ممارسة أموره المختلفة في حياته اليومية ، كالعمل أو الدراسة ، ويفقد حماسه للهوايات والمطالعة ومتابعة التلفاز ، ويجد أن كل ما يقوم به هو عبء ثقيل ، لا بد أن يجبر نفسه عليه ، وعلى الأغلب يكون المزاج في أسوأ أحواله في الفترة الصباحية ويتحسن في المساء ، وقد يبدو المزاج المكتئب واضحاً على تعابير الفرد ، فيميل إلى العبوس ويقل الضحك والابتسام إلى أقل درجة ، وقد تصبح الدموع سهلة وملحوظة ، ولكن عندما يشتد الاكتئاب قد يصعب على المريض أن يبكي ، وفي حالات قليلة قد تكون حيلة الانكار النفسي مسيطرة ، فتجد المكتئب مبتسماً وكأنه يرتدي قناعاً كاذباً من البهجة ، لا شك أن هبوط المزاج هو المظهر الرئيس لهذا المرض ، ولكنه على الأغلب لا يأتي وحده، بل يترافق مع مجموعة كبيرة من المظاهر الأخرى .
ب . المظهر والحركة
قد لا يتغير مظهر المريض بشكل واضح في حالات الاكتئاب البسيطة والمتوسطة أحياناً ، وفي حالات تكدر المزاج ، ولكن التدقيق في المريض ومقارنة مظهره الحالي مع مظهره السابق لمن يعرفه يجد فيه الإهمال بالأناقة والمظهر ، ويقل استعمال مواد التجميل ، وتميل الملابس إلى الألوان الداكنة ، وتعابير الوجه إلى العبوس والجمود وتقطيب الحاجبين ، وقد يتحاشى المكتئب النظر المباشر في عيون محدثه ، ويميل إلى النظر إلى الأرض ، وغالباً ما يكون هناك تباطؤ نفسي حركي ، فالكلام بطيء ، وقد يتخلله الكثير من التوقف، والاستجابات البطيئة وقد يأخذ المريض وقتاً حتى يجيب على سؤال بسيط ، وحتى طريقة المشي وتغيير الملابس قد تتباطأ ، وفي الحالات الشديدة قد يصل التباطؤ لدرجة الذهول ، عندما يكون المريض في الفراش لا يتحرك ، ومع أنه واعٍ وعيناه مفتوحتان إلا أنه لا يتجاوب مع الأسئلة والمثيرات ، ويكتفي بتحريك النظر . وفي حالات أخرى قد يترافق الاكتئاب مع تهيج شديد في الحركة ، وتجد المريض غير قادر حتى على الجلوس ، يفرك يديه ، ويتحرك طوال الوقت بلا هدف ذهاباً وإياباً رغم شعوره بالإرهاق الشديد ، حتى الجلوس لعشرِ دقائق لاستكمال فحصه من قبل الطبيب قد يصبح مستحيلاً.
جـ . النـــوم
يضطرب النوم في الأغلب ، فيصحو المريض مبكراً وفي أشد حالات الضيق والانزعاج ، ولا يستطيع العودة إلى النوم ، وقد يصحو نتيجة الكوابيس التي تدور حول الموت والأموات ، ومن الممكن أن يكون النوم متقطعاً وغير مشبع حتى ولو كانت ساعاته كافية ، وفي الحالات التي يترافق فيها الاكتئاب مع بعض القلق النفسي قد يجد المريض صعوبة في أن يبدأ النوم أيضاً ، وليس غريباً أن يكون هناك صعوبة في بداية النوم ، وقد يكونُ النومَ سطحياً متقطعاً فيه الكثير من الكوابيس والصحو مبكراً في مزاج كئيب ، وفي الحالات الشديدة قد ينقطع النوم نهائياً . وفي نسبة قليلة من المرضى قد يزيد النوم ، ويسمى هذا الاكتئاب “غير النموذجي” .
د . الطعـــام
تقل شهية المكتئب للطعام ، وقد يأكل بلا شهية ثم يصل إلى درجة عدم القدرة على رؤية الطعام أو شم رائحته ، ويقل معدل تناول الوجبات وكميتها ، وقد يفقد المريض قدرته على تذوق ما لذ وطاب من الطعام ، فحتى الأكل الذي كان يرغبه ، لا يكترث به ، ويصعب التأثير على قابليته للطعام مهما كان الطعام شهياً ومغرياً ، ويترافق هذا مع هبوط الوزن ، وقد يفقد المريض بضعة كيلو غرامات في فترة شهور ، ولكن قد يصل فقدان الوزن إلى 40% من الوزن الأصلي في فترة بسيطة ، ويصبح من الواضح على المريض الهزال الشديد والشحوب ، وفي قلة من المرضى قد يزيد الطعام والوزن ، وخصوصاً في الاكتئاب الموسمي أو غير النموذجي في الإناث ، والذي يترافق مع زيادة في النوم .
هـ. النشـــاط
يقل نشاط المكتئب عموماً ، فقد ينقطع عن زيارة الأهل والأصدقاء ، ويختفي عن المناسبات والأفراح والأتراح ، ويقضي وقتاً طويلاً منعزلاً صامتاً ، لا يكترث حتى لقراءة صحيفته المفضلة ، أو الاستحمام ، أو التسوق ، وقد يكون هذا الأمر تدريجياً فلا يلاحظه ، وقد يكون مفاجئاً للجميع ، حتى الواجبات الدينية والتردد على المسجد يتوقف ، وقد يبدو هذا واضحاً في الأعياد الدينية ، عندما لا يقوم المكتئب بما اعتاد عليه من نشاط في صلة الأرحام وزيارة الأصدقاء ، وظهور الفرح والبهجة عليه وعلى أسرته ، وقد تجد أن قلة نشاط الأم أو الأب انعكست على الأطفال وعلى الأسرة جميعها، كما أن قلة النشاط الاجتماعي قد يفهم من قبل الناس على أنه عدم رغبة في التعامل معهم ، ويأخذون موقفاً سلبياً من المريض وأسرته ، “مما يزيد الطين بلة” ، فلا يفكرون بزيارته أو الاتصال معه أو الاستفسار عن صحته ، مما يزيد شعوره بالوحدة وفقدان الأمل وتتأكد مشاعره بأن لا أحد يكترث به ، مما يدفعه للتشاؤم من المستقبل والناس .
و . التفكــيــــر
يتغير تفكير الإنسان المكتئب ، فلا ينظر للأمور إلا من منظار تشاؤمي قاتم ، يرى نفسه فاشلاً ، ولا يثق بنفسه للقيام بالمهام البسيطة التي طالما كان يقوم بها بتفوق ، ولا يرى من الأشياء إلا مساوئها ، ولا يتوقع إلا الخسارة والمصائب ، وتُسيطر على تفكيره تساؤلات عن جدوى الحياة ومعناها ، ويفاضل بين هذه الحياة والموت، ويصل للتفكير بأن الموت هو الأفضل فيتمناه ، وقد يفكر بالانتحار ، ويتردد في الإقدام عليه ، إما لأنه محرّم ، أو خوفاً من الوصمة التي تُلحق بعائلته ، وخوفاً على أسرته وأطفاله الذين يعتمدون عليه في كل شيء ، يُعيد التفكير بالماضي عن كل هفوة صغيرة أو كبيرة فيلوم نفسه عليها ، ويؤنبه ضميره ، ولا يرى في المستقبل أي بارقة أمل ، ولا بصيص نور . وفي الحالات الشديدة يحمِّل نفسه وزر أمور لم يقترفها ، ويصبح اجترار الأفكار هو ما يقضي به معظم وقته ، وبأسلوب غير منطقي يتركز حول فكرة أنا فاشل ولا أحد يكترث ، وعليه فإن المستقبل ميؤوس منه ، وهذا الأسلوب في التفكير يجعل مريض الاكتئاب خلافاً لغيره من المرضى، لا يُقبل على العلاج والشفاء، لأنه بقناعته لا مخرج له من هذا الوضع ، وأنه سيستمر هذا النمط من التفكير طوال حياته أو أنه سيموت قريباً ، أو يفقد عقله ، ويترافق عليه مع الشعور بالذنب وتأنيب الضمير ، والذي قد يكون من أكثر الأمور إيلاماً .
ز . الأعــراض الجسديـة
قد يصل مريض الاكتئاب إلى الطبيب العام أو إختصاصي الأمراض الباطنية أو القلب أو الجهاز الهضمي أو الأعصاب بشكاوى الصداع ، وألم الصدر ، وألم البطن ، وألم الظهر ، أو جميعها معاً . وقد يتردد المريض على أكثر من طبيب ويجري الكثير من الفحوصات ، وتزداد الأعراض الجسدية كلما ترافق الاكتئاب مع القلق ، وقد يصل المريض لتوهم الأمراض العضوية وعدم القناعة بكل الآراء الطبية المطمئنة والفحوصات السليمة . ولا بد من التأكيد على أن المريض العربي أكثر ميلاً للشكوى من الأعراض الجسدية بدل الشكوى النفسية المباشرة ، والتي ما زال ينظر إليها بأنها ضعف ، أو تقاعس ، أو وهم .
جـ . الجنــس
من المألوف أن تقل الرغبة الجنسية تدريجياً لدى الذكور والإناث ، وقد يضعف الأداء الجنسي والإثارة أيضاً ، وقد يصبح هذا العرض هو المسيطر والهاجس خصوصاً عند الرجل ، الذي قد يبكي على رجولته المفقودة ويختبر نفسه صباح مساء ، ليصل إلى قناعة أنه قد فقد رجولته ، ولا داعي لحياته ، ويتمحور تفكيره على هذا الأمر وبصورة مزعجة جداً ، إذ أنه يبحث عن المقويات الجنسية والهرمونات ويراجع الأطباء والمشعوذين بهذا الشأن ، وقد يكون الأثر الجنسي وفقدان الرغبة ضمن الأعراض الكثيرة ، ولا يكترث لها المريض أو المريضة نظراً إلى أن هناك أولويات أهم من الجنس .
ط . القدرات العقلية
يترافق الاكتئاب مع ضعف التركيز والانتباه ، وذلك لعدم الاكتراث والاستغراق في اجترار الأفكار ، مما يؤدي إلى عدم تخزين المعلومات ، وعند محاولة استرجاعها لا يجدها المريض ، فيظن أنه قد بدأ بالنسيان وأنه سيفقد قدراته العقلية قريباً ، وقد تؤثر عليه مشكلة التركيز فإذا كان على مقاعد الدراسة ، فإنه قد يفشل لأول مرة في حياته ، مما يزيد حاله سوءاً ، وحتى ربة البيت قد تجد نفسها غير قادرة على تذكر أمور البيت البسيطة ، فلقلة تركيزها يصبح أداؤها في تدهور ، مما يحطم ما بقي لديها من ثقة بالنفس ، وفي كبار السن فوق الستين ، قد تكون مظاهر النسيان أكثر ما يميز الاكتئاب لدرجة أن يسمى الاكتئاب عندها بالخرف الكاذب .
ي . الأعراض الذهانية
ويقصد بها الهلاوس والهذيانات وهي مرتبطة بالحواس المختلفة ، فيرى المريض صوراً ويسمع أصواتاً ويشم روائحاً ، لا أساس لها ولا وجود لها إلا في دماغه ، كما قد يتغير طعم الغذاء ويشعر في جسمه أشياء غير موجودة ، وتترافق مع التوهم بالعدم ، أو التوهم بالذنب ، فيرى المكتئب صور جنازته وقبره ، ويسمع من يوبخه ويقلل من شأنه ، ويدعوه للانتحار ، ويشم رائحة الموت ويتوهم أنه قد اقترف ذنوباً كبيرة بحق البشرية ولا بد من إعدامه ، وإذا وجدت هذه الأعراض إضافة لأعراض الاكتئاب الأخرى ، فإن هذا ما يسمى بالاكتئاب الذهاني .
المظاهر المذكورة للاكتئاب قد تترافق جميعها أو بعضها ، وقد تتفاوت في حدتها ، ولكنها الأساس في تشخيص المرض .
قد تظهر أعراض أخرى عند البعض ، مثل تبدد الشخصية وهو الشعور وكأن الشخص ليس هو رغم أنه متأكد من ذاته أنه لم يتغير ، وهذا قد يتزامن مع تبدد الواقع وهو الشعور كأن المكان والبلد والوجود قد تغيرت رغم المعرفة الأكيدة بعدم وجود التغيير ، وهذان العرضان يخشى المريض الإباحة بهما لاعتقاده أن الآخرين لن يفهموا ما يقصد وسوف يعدونه فاقداً لعقله . كما أن هناك الأفكار الوسواسية التي قد تطغى على الأعراض السابقة ، مثل فكرة الكفر أو العنف أو أفكار جنسية يعدها المريض سخيفة ومرفوضة ومع ذلك يجد نفسه مضطراُ للتفكير فيها ، ورغم أنه يقاومها إلا أنها تعاوده .

همسات نفسيه -2091-

sante12_148742836

همسات نفسية -2091-
مسيرة الإكتئاب

إذا تُرك الإكتئاب دون علاج فإن بعض حالاته قد تتحسن تلقائياً دون علاج ، ولكن على الأغلب أنه سيستمر ويتفاقم وقد يؤدي لمضاعفات ومحاولات انتحار وتكرارها ، أما مع العلاج فإن أكثر من ثلثي المرضى يكونون قد شُفوا بعد مرور سنة ، وهناك نسبة قليلة لا تتجاوب مع العلاج وقد يصبح مرضها ضمن فئة الاكتئاب المستعصي أو المزمن ، وعلى مدى خمس سنوات من بداية المرض فإن هناك إحتمالاً للانتكاس عند نصف من أصيبوا بالاكتئاب ، ولكن من الملاحظ أن المريض عندما يكون قد مر بالتجربة الأولى للاكتئاب وتخطاها ، فإنه سيكون أقدر على التعامل مع التجربة الثانية بسرعة ودون تأخير وبثقة ، وهناك فئة الاكتئاب المتكرر وهذه الفئة من المرضى بحاجة للعلاج الوقائي طويل الأمد .

همسات نفسية -2090

880x495_358751

همسات نفسية -2090
انتشار الاكتئاب

إن أعراض الاكتئاب تنتشر في المجتمع بمعدل يتراوح ما بين 13-20% من السكان ، ومن هؤلاء هناك 7% يعانون من حالات اكتئاب شديدة ، وهذه الدراسات شملت العديد من الدول في العالم ، ويبدو من بعض الدراسات أن الدول قد تتراوح في معدلات الاكتئاب ، ولكن بكل المقاييس تبقى هذه النسب مرتفعة ، وقد يكون المعدل في العالم العربي على الحد الأدنى ، لأنه يقع في مناطق أكثر تعرضاً لأشعة الشمس ولا زال فيه من الروابط الاجتماعية والإيمان والتقاليد ما يعطي بعض الحماية للناس ، ومع أن الاكتئاب يصيب كل الأعمار لكنه أكثر ظهوراً في العقد الثالث والرابع من العمر ، وهي قمة سنوات العطاء عند الفرد ، ومعروف أن الاكتئاب أكثر انتشاراً بين النساء منها بين الرجال بثلاثة أضعاف على الأقل ، كما أن غير المتزوجين والأرامل والمطلقين أكثر عرضة من المتزوجين خصوصاً في الرجال ، أما بين النساء فيبدو أن الزواج يزيد من فرص الاكتئاب ، كما أن هنالك ميلاً لفئات معينة من الناس للاكتئاب أكثر من غيرها ، مثل الأشخاص ذوي الشخصيات المتطرفة ، ومن يعانون من أمراض مزمنة أو أمراض خطيرة ، ومن يتعاطون الكحول والمخدرات ، وبعض المرضى الذين يعانون من أمراض نفسجسدية كالربو ، وارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة ، كما وترتفع معدلات الاكتئاب في نزلاء السجون، أما بالنسبة للطبقات الاجتماعية والثقافية فمن الواضح أن جميع الطبقات تصاب بالاكتئاب ، مع أن هناك بعض المؤشرات تفيد أن الطبقات المتوسطة أقل تعرضاً للاكتئاب والانتحار من الطبقات الأقل حظاً والعالية ، أي الطبقات الواقعة على طرفي السلم الاجتماعي والاقتصادي.

همسات نفسية -2089-

12

همسات نفسيه -2089-
الحزن والاكتئاب

إن الشعور بالحزن من متطلبات حياة الإنسان ، ولا بد لكل فرد من بني البشر أن يمر بلحظات أو ساعات وأحياناً بأيام أو بأسابيع من الشعور بالحزن والهم والغم والنكد لسبب أو لآخر ، فهذا حزين لأنه رسب في امتحان وذاك خسر في تجارة ، وفلانة تبكي فراق زوجها الذي توفاه الله ، وفلان قد هبطت معنوياته لأن الفتاة التي أحبها لسنوات قررت الزواج من غيره ، هذه الأمثلة وغيرها الكثير الكثير قد يمر بنا جميعاً دون استثناء ، ومن الملاحظ في مشاعر الحزن أن تبدأ بحدث أو ظرف معين وتتصاعد معه وما تلبث أن تخف وتتلاشى في فترة تتراوح من ساعات إلى بضعة شهور ، ومن المألوف أن الحزن لا يستمر على نفس الشدة ولا يعطل حيـاة الإنسان ، ولكن الاكتئاب يختلف في النوع والكم والتطور ، وقد يبدأ حزناً عادياً ويتطور للاكتئاب ، ولكنه كثيراً ما يبدأ اكتئاباً دون مقدمات وأسباب للحزن ، ومن الممكن أن يتحول الحزن الطبيعي المقبول إلى اكتئاب في أية لحظة ، ومثال على ذلك الإنسان الذي يفقد شخصاً عزيزاً عليه ، ويمر بمراحل حسرة الحداد ، وفي المرحلة الأولى يكون في صدمة ولا يصدق ما حدث ، ثم يدخل في المرحلة الثانية من البكاء والحزن ، والشعور بالفقدان ، ويفترض في هذه المرحلة أن تنتهي بعد أسابيع أو شهور ليدخل الإنسان في مرحلة التأقلم مع الحدث والتعايش معه ، ولكن البعض لا يستطيع ذلك وقد يدخل في المرحلة الأولى أو الثانية في الاكتئاب النفسي ، وتبدأ مظاهره المختلفة ، وتتغير مسيرة حسرة الحداد .
ولو أخذنا مثلاً للتفريق بين الحزن والاكتئاب كأن يفقد شخصان كل ما يملكان بحادث سطو مسلح ، وبالتأكيد سيكون الحزن والقنوط ملازماً لهما ، وقد يصلان إلى اليأس ، ولكن إذا كان أحدهما لديه الاستعداد للاكتئاب النفسي فإنه سينتقل من الحزن إلى الاكتئاب ، فإذا حدث بعد بضعة أسابيع أن تم إستعادة كل ما فقداه ، فإن الأول الحزين ، والذي لم يطور اكتئاباً تنتهي مشكلته بعودة ممتلكاته ، وسيحتفل ويبتهج ، أما الثاني الذي أصبح في حالة اكتئاب ، فإنه بعد عودة ممتلكاته ، سيبقى مكتئباً بائساً ، بل قد يزيد اكتئابه ، لأنه رغم زوال السبب لم يتغير شعوره وبدأ يطور أفكاراً اكتئابية ، بأن ما حدث يمكن أن يتكرر وما فائدة الحياة إذا كان للإنسان أن يتعرض لمثل هذه المواقف مستقبلاً ؟ حتى أنه بعد ذلك قد يصبح زاهداً في هذه الثروة التي انتظرها طويلاً أو غضب لفقدانها ولكن بعد عودتها إليه لم يكن قادراً على التعايش الطبيعي معها، فقد تحول الحزن إلى اكتئاب ، وما يعنيه هذا من حدوث نقص في الناقلات العصبية الكيماوية في المشابك العصبية المسؤولة عن المزاج في الدماغ .
ومعظم الناس تخلط بين الحزن والاكتئاب ، فإذا علم أحدهم أن صديقه مكتئب يرفض الأمر ، ويحاول إقناعه بأنه شخصياً قد تعرض لأسوأ من حالته عندما فقد ابنه أو عندما خسر تجارته ولكنه تخطى ذلك ، ويتساءل عن مبرر للإكتئاب لدى صديقه ، دون الإدراك أن الاكتئاب ليس بحاجة لمبرر وان ما تخطاه هـو كان حزناً وليس اكتئاباً ، ولا بد من التفريق بينهما ، وإذا كان الحزن الطبيعي يكدر حياة الإنسان مؤقتاً فالاكتئاب مرض لا بد من معالجته ، وتبعاً لمنظمة الصحة العالمية فإنه من الأمراض الشائعة جداً القابلة للعلاج.