أرشيف المقالات: مقالات

همسات نفسيه -2072- الاكتئاب

12

همسات نفسيه -2072-

الاكتئاب
ماهية الإكتئاب
إن الشعور بالحزن من متطلبات حياة الإنسان، ولابد لكل فرد من بني البشر أن يمر بلحظات أو ساعات وأحياناً بأيام أو بأسابيع من الشعور بالحزن والهم والغم والنكد لسبب أو لأخر، فهذا حزين لأنه رسب في إمتحان وذاك خسر في تجارة، وفلانة تبكي فراق زوجها الذي توفاه الله، وفلان قد هبطت معنوياته لأن الفتاة التي أحبها لسنوات قررت الزواج من غيره، هذه الأمثلة وغيرها الكثير، قد تمر بنا جميعاً دون استثناء، ومن الملاحظ في مشاعر الحزن أن تبدأ بحدث أو ظرف معين وتتصاعد معه وما تلبث أن تخف وتتلاشى في فترة تتراوح من ساعات إلى بضعة شهور، ومن المألوف أن الحزن لا يستمر على نفس الشدة ولا يعطل حياة الإنسان، ولكن الإكتئاب يختلف في النوع والكم والتكرار، وقد يبدأ حزناً عادياً ويتطور للإكتئاب، ولكنه كثيراً ما يبدأ إكتئاباً دون مقدمات وأسباباً للحزن، ومن الممكن أن يتحول الحزن الطبيعي المقبول إلى إكتئاب في أية لحظة. ومثال على ذلك الإنسان الذي يفقد شخصاً عزيزاً عليه، ويمر بمراحل حسرة الحداد، وفي المرحلة الأولى يكون في صدمة ولا يصدق ما حدث، ثم يدخل في المرحلة الثانية من البكاء والحزن والشعور بالفقدان، ويفترض في هذه المرحلة أن تنتهي بعد أسابيع أو شهور ليدخل الإنسان في مرحلة التأقلم مع الحدث والتعايش معه، ولكن البعض لا يستطيع ذلك وقد يدخل في المرحلة الأولى أو الثانية في الإكتئاب النفسي، وتبدأ مظاهره المختلفة، وتتغير مسيرة حسرة الحداد.
ولو أخذنا مثلاً للتفريق بين الحزن و الإكتئاب كأن يفقد شخصان كل ما يملكان بحادث سطو مسلح، وبالتأكيد سيكون الحزن والقنوط ملازماً لهما، وقد يصلان إلى اليأس، ولكن إذا كان أحدهما لديه الإستعداد للإكتئاب النفسي فإنه سينتقل من الحزن إلى الإكتئاب، فإذا حدث بعد بضعة أسابيع أن تم استعادة كل ما فقداه، فإن الأول الحزين، والذي لم يطور إكتئاباً تنتهي مشكلته بعودة ممتلكاته، ويحتفل ويبتهج، أما الثاني الذي أصبح في حالة إكتئاب، فإنه بعد عودة ممتلكاته، سيبقى مكتئباً بائساً، بل قد يزيد اكتئابه، لأنه رغم زوال السبب لم يتغير شعوره وبدأ يطور أفكاراً اكتئابيه، بأن ما حدث يمكن أن يتكرر وما فائدة الحياة إذا كان للإنسان أن يتعرض لمثل هذه المواقف مستقبلاً، حتى أنه بعد ذلك قد يصبح زاهداً في هذه الثروة التي أنتظرها طويلاً أو غضب لفقدانها ولكن بعد عودتها إليه لم يكن قادراً على التعايش الطبيعي معها، فقد تحول الحزن إلى إكتئاب، بما يعنيه هذا من حدوث نقص في الناقلات العصبية الكيماوية في المشابك العصبية المسؤولة عن المزاج في الدماغ.
ومعظم الناس تخلط بين الحزن والإكتئاب، فإذا علم أحدهم أن صديقه مكتئب يرفض الأمر، ويحاول اقتناعه بأنه خسر تجارته ولكنه تخطى ذلك، ويتساءل عن مبرر الإكتئاب لدى صديقه، دون الإدراك أن الإكتئاب ليس بحاجه لمبرر وأن ما تخطاه هو كان حزناً وليس إكتئاباً. ولابد من التفريق بينهما. وإذا كان الحزن الطبيعي يكدر حياة الإنسان مؤقتاً فالإكتئاب مرض لابد من معالجته، والذي تعتبره منظمة الصحة العالمية مرض شائع جداً يؤثر على إنتاجية البشر ولكنه قابل للعلاج والشفاء.

مظاهر وتشخيص الإكتئاب
إن تشخيص الإكتئاب يقوم على معرفة مظاهره التي تتنوع في أشكالها وشدتها، وذلك حسب نوع الإكتئاب وحدته، وهل ترافقه أعراض أخرى أم لا، ومن أي أنواع الإكتئاب هو، ولا ننسى أن الإكتئاب لابد أن يتمشى في مظاهره مع طبيعة وظروف الفرد وجنسه وعمره، وهذه هي المظاهر الرئيسية للإكتئاب.
1- المزاج:
يتكدر المزاج ويهبط ويشعر المكتئب باليأس والقنوط، وعدم القدرة على الاستمتاع، ويفقد الرغبة في ممارسة أموره المختلفة في حياته اليومية، كالعمل أو الدراسة، ويفقد حماسه للهوايات والمطالعة ومتابعة التلفاز. ويجد أن كل ما يقوم به هو عبء ثقيل لابد أن يجبر نفسه عليه ويكون المزاج في أسوأ أحواله في الفترة الصباحية ويتحسن في المساء، وقد يبدو المزاج المكتئب واضحاً على تعابير المريض، فيميل إلى العبوس ويقل الضحك والابتسام إلى أقل درجة وقد تصبح الدموع سهلة وملحوظة ولا يستطيع التوقف عن البكاء.
2- المظهر والحركة:
قد لا يتغير مظهر المريض بشكل واضح في حالات الإكتئاب البسيطة والمتوسطة أحياناً، وفي حالات تكدر المزاج، ولكن التدقيق في المريض ومقارنة مظهره الحالي مع مظهره السابق لمن يعرفه يجد فيه الإهمال بالأناقة والمظهر، ويقل استعمال مواد التجميل وتميل الملابس إلى الألوان الداكنة و تعابير الوجه إلى العبوس والجمود وتقطيب الحاجبين، ويتحاشى المكتئب النظر المباشر في عيون محدثه، ويميل إلى النظر إلى الأرض، وغالباً ما يكون هناك تباطؤ نفسي حركي، فالكلام بطئ وقد يتخلله الكثير من التوقف، و الاستجابات بطيئة وقد يصل التباطؤ لدرجة الذهول مثل الفصام، بحيث يتوقف عن الحركة ويستلقي على السرير فاتحاً عيناه دون أي استجابة، وفي حالات أخرى يترافق الإكتئاب مع تهيج شديد في الحركة، وتجد المريض غير قادر على الجلوس.
3- النوم:
يضطرب النوم في الأغلب، فيصحو المريض مبكراً وفي أشد حالات الضيق والانزعاج، ولا يستطيع العودة إلى النوم، وقد يصحو نتيجة الكوابيس التي تدور حول الموت والأموات، ومن الممكن أن يكون النوم متقطعاً وغير مشبع حتى لو كانت ساعاته كافية، وفي الحالات التي يترافق فيها الإكتئاب مع بعض القلق النفسي قد يجد المريض صعوبة في أن يبدأ النوم أيضاً. وفي حالات الشديدة قد ينقطع النوم نهائياً، وفي نسبة قليله من المرضى قد يزيد النوم، ويسمى هذا الإكتئاب (غير النموذجي).
4- الطعام:
تقل شهية المكتئب للطعام، وقد يأكل بلا شهية ثم يصل إلى درجة عدم القدرة على رؤية الطعام أو شم رائحته، ويقل معدل تناول الوجبات وكمياتها، وقد يفقد المريض قدرته على تذوق ما لذ وطاب من الطعام. وهذا يؤدي إلى هبوط الوزن، وقد يفقد المريض بضعة كيلوغرامات في فترة شهور، وقد يصل فقدان الوزن إلى 40% من الوزن الأصلي في فترة بسيطة، ويصبح من الواضح على المريض الهزل الشديد والشحوب، وفي قلة من المرضى قد يزيد الطعام والوزن، وخصوصاً في الإكتئاب الموسمي الشتوي أو غير النموذجي عند الإناث، والذي يترافق أيضاً مع زيادة النوم.
5- النشاط:
يقل النشاط المكتئب عموماً، فقد ينقطع عن زيارة الأهل والأصدقاء، ويختفي عن المناسبات والأفراح والأتراح، ويقضي وقتاً طويلاً منعزلاً صامتاً، لا يكترث حتى لقراءة صحيفته المفضلة، أو الانسجام أو التسوق، وقد يحدث هذا تدريجياً أو بصور مفاجئة للجميع حتى الواجبات الدينية والتردد على المسجد يتوقف، وابتعاده عن الناس يفهم عادة من الناس بأنه لا يرغب بالعلاقة معهم فيقاطعوه مما يزيد في عزلته وشعوره أن لا أحد يكترث به ويدفعه للتشاؤم من المستقبل والناس.
6- التفكير:
يتغير التفكير الإنسان المكتئب، فلا ينظر للأمور إلا من منظار تشاؤمي قاتم، يرى نفسه فاشلاً، ولا يثق بنفسه للقيام بالمهام البسيطة التي طالما كان يقوم بها بتفوق، ولا يرى من الأشياء إلا مساوئها. ولا يتوقع إلا الخسارة والمصائب، وتسيطر على تفكيره تساؤلات عن جدوى الحياة ومعناها، ويفاضل بين هذه الحياة والموت، ويصل للتفكير بأن الموت هو الأفضل فيتمناه وقد يفكر بالإنتحار. ويتردد في الأقدام عليه، إما لأنه محرم، أو خوفاً من الوصمة التي تلحق بعائلته، وخوفاً على أسرته وأطفاله الذين يعتمدون عليه في كل شيء، ويؤنبه ضميره، ولا يرى في المستقبل أي بارقة أمل، وهذا الأسلوب في التفكير يجعل مريض الإكتئاب خلافاً لغيره من المرضى، لا يقبل على العلاج والشفاء، لأنه بقناعته لا مخرج له من هذا الوضع.
7- الأعراض الجسدية:
أن ثلثي مرضى الإكتئاب يشتكوا للأطباء من الأعراض الجسدية وليس النفسية، فيصل المريض للطبيب العام أو اختصاصي الأمراض الباطنية أو القلب أو الجهاز الهضمي أو الأعصاب بشكاوى كثيرة كالصداع، وألم الصدر وألم البطن وألم الظهر أو جميعها معاً. وقد يتردد المريض على أكثر من طبيب ويجري الكثير من الفحوصات، وتزاد الأعراض الجسدية كلما ترافق الإكتئاب مع القلق، وقد يصل المريض لتوهم الأمراض العضوية وعدم القناعة بكل الآراء والفحوصات الطبية السليمة، ولابد من الإشارة إلى أن المريض العربي أكثر ميلاً للشكوى من الأعراض الجسدية بدل الشكوى النفسية المباشرة، والتي مازال ينظر إليها بأنها ضعف، أو تقاعس أو وهم.
8- الجنس:
تقل الرغبة الجنسية تدريجياً لدى الذكور والإناث، وقد يضعف الأداء الجنسي والإثارة أيضاً، وقد يصبح هذا العَرَض هو الهاجس والمسيطر خصوصاً عند الرجل، الذي قد يبكي على رجولته المفقودة ويختبر نفسه صباح مساء، ويفشل ويصل لقناعه أنه فقد رجولته، ولا داعي لحياته.
9- القدرات العقلية:
يترافق الإكتئاب مع ضعف التركيز والإنتباه، وذلك لعدم الإكتراث والاستغراق في اجترار الأفكار، مما يؤدي إلى عدم تخزين المعلومات، وعند محاولة استرجاعها لا يجدها المريض، فيظن أنه قد بدأ بالنسيان وأنه سيفقد قدراته العقلية قريباً، وقد تؤثر هذه المشكلة على تركيز المكتئب الطالب فيفشل في الدراسة، وربة البيت قد تجد نفسها غير قادرة على تذكر أمور البيت البسيطة، فلقلة تركيزها يصبح أداؤها في تدهور، مما يحطم ما بقي لديها من ثقة بالنفس. أما في كبار السن فوق عمر الستين، قد تكون مظاهر النسيان أكثر ما يميز الإكتئاب لدرجة أن نسمي الإكتئاب عندها بالخرف الكاذب.
10- الأعراض الذهانية:
ويقصد بها الهلاوس والأوهام، فيرى صوراً ويسمع أصواتاً ويشم روائحاً، لا أساس لها ولا وجود لها إلا في دماغه، فيرى صورة جنازته وقبره، ويسمع من يوبخه ويقلل من شأنه، ويدعوه للإنتحار وقد يتوهم أنه أقترف ذنوباً كثيرة ويستحق الإعدام عليها وقد يشعر أن بعض أعضاء جسده قد اختفت مثل أن قلبه غير موجود أو أن أمعاءه مغلقه.

والطبيب النفسي لابد أن يبحث عن هذه الأعراض والتي تستمر أكثر من أسبوعين حتى يصل إلى التشخيص، وهذا التشخيص يحدد الإكتئاب ونوعه، وأهم هذه الأنواع:
1- انتكاسة إكتئاب بسيطة أو شديدة.
2- إضطراب مزاجي مزدوج القطب (مرحلة إكتئاب).
3- إكتئاب متكرر (بسيط، متوسط الشدة، شديد)
4- إضطرابات مزاجية طويلة الأمد (إضطراب مزاجي دوري، لتكدر المزاج).
5- إكتئاب النفاس.
6- الإكتئاب الغير نموذجي.
7- الإكتئاب الشتوي.

أسباب الإكتئاب والعوامل المؤدية إليه
إن الأطباع العام لدى الناس هو أن لكل حالة إكتئاب سبباً واضحاً و مباشراً في حياة الفرد ومحيطه مثل: الخسارة المادية، أو الفشل الدراسي أو الوظيفي، أو الطلاق، أو مشاكل العلاقات مع الناس، ولكن هذه النظرة ليست علمية ودقيقة، إذ أن عدداً كبيراً من الناس قد يتعرض لنفس المؤثر، ومع ذلك لا يظهر الإكتئاب إلا في نسبة معينة منهم، وهذا يعني أن لديهم استعدادا للمرض في تكوينهم البيولوجي والنفسي والإجتماعي، وعليه فإنه يمكن القول بأن أسباب الإكتئاب عديدة تتجمع لتحدث تغيراً في الناقلات العصبية الكيماوية في الدماغ، ويؤدي هذا إلى مظاهره السريرية المختلفة.
1- الأسباب الوراثية:
خلال العقود الثلاثة الماضية كانت هناك دراسات مكثفه لدور العوامل الوراثية في هذا المرض، وتبين بشكل قطعي أن هناك استعدادا وراثياً يظهر بشكل واضح في بعض العائلات وخصوصاً في حالات الإكتئاب الذهاني والإكتئاب الشديد، وقد شملت هذه الدراسات دارسة تكرار الحالة في نفس العائلة، وفي التوائم المتشابهة وغير المتشابهة سواءاً من تمّ تربيتهم في نفس البيئة أو بيئتين مختلفتين، والدراسات الحالية تحول التعرف على الخلل الجيني ومنه للوصول للعلاج الجيني وهذا ما يعرف بالهندسة الوراثية.
2- البيئة الإجتماعية:
دلّت الدراسات المختلفة على أهمية السنوات الأولى من عمر الطفل في بنائه النفسي، وتأثير هذا البناء على إمكانية حدوث الإكتئاب في المستقبل، ومن الأمور الواضحة أن الحرمان من الأم يشكل نقطة ترجيح لصالح الإكتئاب في المستقبل، كما أن العلاقات مع الوالدين لها دور تلعبه سواء كانت هذه العلاقة تتمثل في الإهمال، أو زيادة في الرعاية والإهتمام والصراعات بأشكالها المختلفة، بالإضافة إلى الظروف الإجتماعية الصعبة التي يعيشها البعض، كالبطالة والفقر والتفكك الأسري.
3- الشخصية:
يلاحظ مثلاً أن الشخصية الوسواسه والتي تتميز بالدقة والحرص الزائد، وصحوة الضمير، يكون تكيفها مع الأحداث الجديدة صعباً، فالأحداث مثل تغير السكن أو العمل، أو مثل الترقي في العمل، أو الخطوبة، حتى أن هناك ما يسمى باكتئاب الترقي أو إكتئاب الخطوبة. وهناك إرتفاع في حدوث الإكتئاب في الشخصيات المضطربة عموماً.
4- العوامل المرسبة للإكتئاب:
وتعني بها أحداث الحياة المختلفة، والتي تسبق ظهور الحالة مثل الوفيات وفقدان المال والمنصب، أو التعرض لحوادث ومشاكل إجتماعية وقانونيه، والعلاقة بين أحداث الحياة والإكتئاب، يمكن النظر إليها على أنها مجرد تزامن بالصدفة، كما يمكن النظر لهذه الأحداث على أنها غير نوعيه، إذ أن الكثير من الأمراض النفسية والعضوية تكون قد سبقتها هذه الأحداث. وهناك إحتمال ثالث لابد من أخذه بعين الإعتبار وهو أن يكون الحدث ناتجاً عن الإكتئاب وليس سبباً له، مثل أن يكون المكتئب قد أهمل بعمله بصوره كبيره مما أدى إلى فصله من العمل.
5- النظريات النفسية:
تعاقبت المدارس النفسية التحليلية به والسلوكية في وضع تفسير للإكتئاب، وكان أكثرها اقترابا من المنطق العلمي والعملي، النظرية المعرفية التي وضعها (بيك)، والذي يقول بأن أسلوب التفكير هو الذي يؤدي إلى المزاج المكتئب، بحيث يصل الفرد عند تعرضه لمشكله ما إلى مثلث الإكتئاب، والتي تكون أحدى زواياه ( أنا سيء وفاشل) وثاني الزوايا ( إن الناس سيئون ولا يكترثون) وفي الزاوية الثالثة ( لا أمل في المستقبل)، ويدور الفرد بين هذه النقاط مندفعاً نحو مزاج مكتئب، معمماً هذه العبارات السلبية، وقد اكتسبت هذه النظرية أهمية خاصة، فقد بني عليها أسلوب العلاج المعرفي، والذي أعطى نتائج جيده في علاج الإكتئاب النفسي.
6- النظريات الكيماوية:
لقد تعددت وتشعبت هذه النظريات، ولكنها تركزت على الخلل الحاصل في أحاديات الأمين من الناقلات العصبية مثل الدوبامين والنور أدرينالين والسيروتونين، ومما يدعم هذه النظريات أن مضادة الإكتئاب الفعالة هي التي تعمل على زيادة هذه الناقلات العصبية في المشابك العصبية بوسائل كيماوية مختلفة.

علاج الإكتئاب
إذا ما قدرنا أن حدوث الإكتئاب يقع بفعل عوامل شخصية وراثية وكيماويه بالإضافة لظروف الحياة والبيئة فإن العلاج أيضاً يكون بطريقين:
a. العلاج الفيزيائي:
 العلاج بالعقاقير.
 العلاج بالإختلاج الكهربائي.
 العلاج بالرنين المغناطيسي
b. العلاج النفسي:
 العلاج السلوكي.
 العلاج المعرفي.
 العلاج التحليلي.
– العلاج بالعقاقير: يستند هذا على العقاقير المضادة للإكتئاب والتي تعمل على تصحيح الخلل الحاصل في الناقلات العصبية الكيماوية، وقد بدأت مضادات الإكتئاب من الخمسينات بمضادات الإكتئاب ثلاثية الحلقات والمركبات المثبطة لأكسيد أحادي الأمين. وهذه العقاقير لها الكثير من الأعراض الجانبية، ولكن من الثمانينات بدأت مجموعات جديدة من مضادات الإكتئاب هي مثبطات أعادة قبض السيروتونين النوعية ومثبطات إعادة قبض السيروتونين والأدرينالين النوعية، وهذه العقاقير فعّاله وبأعراض جانبيه بسيطة، والمهم التأكيد أن مضادات الإكتئاب هي ليست مهدئات ولا هي أدويه تؤدي للانتعاش والفرح بل هي أدوية نوعيه تعالج هذا المرض ومفعولها لا يبدأ إلا بعد ثلاثة أسابيع من إستعمالها المتواصل والتحسن يتم بعد ثلاثة شهور، وبعد التحسن فإن هذه العقاقير يجب أن تعطى لمدة سنه للتخفيف من إحتمال الإنتكاس، أما في الإكتئاب المتكرر فإنها تعطى لفترات طويلة.
– العلاج بالإختلاج الكهربائي: وهذا النوع من العلاج يستعمل في الإكتئاب المستعصي أو الذي يترافق من خطورة عالية بالإنتحار ولا يمكن إنتظار مضادات الإكتئاب حتى تأخذ مفعولها. وبعد انتهاء جلسات العلاج الكهربائي التي قد تتراوح بين 6 – 12 خلسة يتابع المريض العلاج بالعقاقير المضادة للإكتئاب.
– العلاج بالتحفيز المغناطيسي: وبدا استماله في العشر سنوات الأخيرة وهو مفيد للاكتئاب الذي لم يستجيب للعلاجات الاخرى
– العلاج النفسي: التحليل النفسي غير مجدي مع أن بعض أساليب العلاج النفسي المشتقة منه قد تفيد، والعلاج السلوكي أكثر فعالية في القلق والرهاب، أما العلاج المعرفي فهو العلاج النفسي الذي يعطي أفضل النتائج في الإكتئاب، وقد يستعمل منفرداً، إلا أن أفضل النتائج هي في الجمع بين مضادات الإكتئاب والعلاج المعرفي.
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 134 – من هو المبـدع؟

u-2oAZGe_400x400

همسات نفسيه – 134 –
من هو المبـدع؟

يكثر الحديث عن المبدع والمبدعين والإبداع، وتفهم أحياناً على أنها من أنجز عملاً فنياً أو قصيدة شعرية أو رواية، ويتم الخلط بينهما وبين المجتهد والذكي والعبقري والموهوب، و سأخصص الحديث بتعريف الأشخاص المبدعين مستعرضاً 32 صفة بإمكان كل فرد أن يجد مدى إنطباق كل صفة عليه، وليس بالضرورة أن يكون الإنسان لديه كافة الصفات وبنفس القوة أو ليس لديه أياً منها، وهنا يأتي دور أهمية معرفة هذه الصفات حتى يتمكن الإنسان الذي لديه بعض صفات الإبداع من تطويرها، وهذه الصفات على النحو التالي:

1. الحساسية:
وهذه الحساسية تقود صاحبها إلى الإنتباه للمشاكل المعروفة وغير المعروفة، وتساعده على تلمس أمور الحياة المختلفة بسرعة، وتجعله مهتماً بالآخرين وملزماً نفسه بالقضايا والتحديات.
2. لا يكون دافعه المال:
رغماً أن المال في المجتمع والإقتصاد هو قوة محركة ودافعة للناس جميعاً بما فيها المبدعين، إلا أن المبدعين وبإحساسهم الفطري يقدرون بالإحساس المال اللازم لحاجاتهم، وعندما يتحقق ذلك لا يعود الدافع وراء نشاطهم في الحياة هو المال.
3. الشعور بوجود الهدف:
بالفطرة والبداهة يكون المبدعون قد حددوا هدفاً في الحياة، ويعلمون أن بإستطاعتهم إختبار هدف أو خلق هدف لتحفيزهم ليصلون إلى درجات عالية من المهارة و القدرة والموهبة.
4. سرعة التكيف:
لا يمكن للمبدع إلا أن يكون متكيفاً وبسرعة مع كل الظروف والأجواء، وبإمكانه أن يجبر نفسه على هذا التكيف، خصوصاً إذا كان هذا التكيف ضروري لتحقيق الطموح.
5. حب الغموض:
إن المبدعين يتحملون تواجد فكرتين أو أكثر ويستوعبون إمكانية وجود الحقيقة النسبية مع أية فكرة، وإنهم يعشقون الغموض والتحدي مع الناس والأفكار، والغموض يساعدهم على رؤية الأشياء من جوانب مختلفة طول الوقت.
6. دقيقي الملاحظة:
المبدعون عادةً يستعملون كل حواسهم وإنتباههم ومقدراتهم لملاحظة ومراقبة ما يحدث حولهم.
7. نظرة المبدع إلى العالم مختلفة عن نظرة معظم الناس:
يلاحظ أن المبدع يقرع الطبول والأبواب والأفكار التي لا يقرؤها غيره، وينتعش وقت تعدد وسائل إدراك الأشياء ورؤيتها وسماعها ولمسها وشمها وتذوقها، مما يفتح تفكير المبدع نحو إحتمالات لا نهائية.
8. رؤية الإحتمالات:
إن الشخص العادي البعيد عن الإبداع يخشى ويقاوم الإبداع والمبدعين والتفكير الإبداعي، ويفضل أن يعمل ضمن حدود واضحة ومسؤوليات دقيقة، بينما المبدعون يعشقون أن يروا إحتمالات كثيرة ولا نهاية لأي موقف أو تحد أو مشكلة.
9. متسائلون:
المبدعون وخصوصا ً من إرتقى منهم على سلم الإبداع يخرج من رحم أمه وهو يطرح الأسئلة، وطبيعتهم أن يسألوا، والسؤال ليس لهدف النقد أو الإحراج، وقد يتساءلون عن ماهية الأشياء وما وراءها، مما قد يفهم على أنه نقد لها، ولكنهم في الحقيقة لا يقصدون ذلك بل يسألون ويستكشفون ويختبرون الأشياء ويلعبون بها كما يمكن أن تكون فقط لغاية المعرفة والإستكشاف وما هي أهم الفضائل في عقلية المبدع.
10. القدرة الفطرية على الربط والتركيب الدقيق:
ويعني ذلك القدرة على رؤية الصورة الإجمالية الكاملة للأشياء والأنماط الموجودة فيها، وإلتقاط الحلول ولو من أجزاء بسيطة من تلك الصورة، حتى لو أن أساسياتها كانت مفقودة، وهم يثقون بقدرتهم “الفطرية” وبداهتهم حتى لو لم تكن صحيحة 100% طوال الوقت.
11. القدرة على الخيال:
يلاحظ المبدع حتى في طفولته من قبل المدرسين والآباء بأنهم كثيري السرحان والشرود، ويعشق المبدعون التجول في عالم من الخيال، وقد يلفت نظر الطفل المبدع فيلم الكرتون الميال نحو الخيال أكثر من الواقع الثابت.
12. المرونة:
إن المبدعين شديدو المرونة وخصوصاً في تبادل الأفكار، ويحبون أن يروا الأشياء من زوايا مختلفة، وأن يراكموا الإجابات والإحتمالات والإمكانات والإجابات التقريبية، بينما يرغب غير المبدعين بحل أو إجابة واحدة مريحة.
13. الإنسياب:
يلاحظ أن عند سؤال المبدع سؤالاً بسيطاً مثل إستعمال الطوبة فإنه لا يكتفي بإجابة واحدة، بل من الممكن أن يقول إنها تستعمل لسند الباب أو لربط القارب أو ممكن إستعمالها كسلاح أو ثقل لموازنة الأشياء ويتدفق في الإحتمالات بلا حدود.
14. الخيال الخصب في التجريب وإختبار الأفكار.
15. الفطرة والبديهة:
كلما إزداد إبداع الفرد كلما اعتمد على قدرته الفطرية التلقائية مثل القدرة على معرفة الإجابة بحقائق بسيطة أو الإحساس بالمشاكل حتى أنها لم تحدث بعد.
16. الأصولية (Original):
إن أحد القوى الدافعة التي يترعرع عليها المبدعين هي أن لا يكون مقلداً، بل خلاقاً مبتكراً منه تنبع الأفكار والأعمال.

17. المهارة والحذاقة (Ingenuous):
عمل الأشياء غير المألوفة وحل المشاكل والمعادلات الصعبة هما من ميزاتهم، ولهم دائماً رغبة في التفكير فيما لم يفكر فيه أحد، مما يعطيهم ميزات هذه الصفة.
18. الحيوية والنشاط (Energetic):
التحديات والمشاكل والأفكار الجديدة عندما يتمسك بها المبدع تصبح فعلياً مصدر إثارة وإهتمام وشحذ للهمم وتطلق طاقات هائلة لا حدود لها.
19. روح النكتة:
الدعابة والإبداع يبدو أنهم يسيران معاً، والإعتقاد الأغلب أن الإبداع من الصعب حصوله دون وجود لمسة من الفرح والفكاهة، أما الجدية الزائدة فقد تعيق الإبداع.
20. تحقيق الذات:
وصفها أبراهم ماسلوا في 1960، ويبدو أنها أكثر إنطباقاً على المبدعين من غيرهم، وهي تحقيق الأهداف والدوافع إلى أقصى حد ممكن والوصول إلى تحقيق الذات.
21. ضبط النفس:
تبدو هذه الصفة متناقضة مع المبدعين، إذ قد يبدون غير منظمين ويميلون إلى الفوضى أحياناً، إلا أنهم ذوي قدرات هائلة في التنظيم النفسي الداخلي، وهم في نفس الوقت يقاومون الإنضباط الروتيني والممل وغير المبدع من الآخرين.
22. التعرف على الذات:
في الإطلاع على حياة أكثر من 4000 من المبدعين المعروفين في العالم، تبين أنه من الأشياء المشتركة بينهم إحتفاظهم بمذكرات وسجلات عن نفسهم، يقومون من خلالها بمعرفة ذاتهم وفهمها وتطويرها
23. الإهتمامات المتخصصة:
وهذه صفة أخرى تبعث على الحيرة في المبدعين ذلك أنهم على السطح يبدون مهتمين في كل شئ، ومع ذلك يكون لديهم القدرة على تركيز إهتماماتهم وإلتزامهم وتوجيه طاقاتهم نحو شيء ما، ويبدو أنه مع توزيع وتشعب إهتماماتهم يساهم هذا بطريقة غير مباشرة في الإلمام والإثراء بموضوع إهتمامهم الأساسي.
24. إنحراف التفكير:
يرغب المبدعين في إنحراف تفكيرهم عن الخط الطبيعي ليروا الأشياء من جوانب أخرى ويتحدون ما هو قائم، وبذلك قد يراهم المجتمع بأنهم متمردون غير عاديين، يصعب فهمهم أو أنهم قد أفلتوا زمام الأمور.
25. الإستطلاع:
المبدعون مسرفون في حب الإستطلاع والإكتشاف والبحث، حتى تظنهم كالأطفال في بعض الأحيان لشدة رغبتهم في معرفة ما يدور حولهم بعمق وتفاعل كبير.
26. عدم التحديد:
حتى يتمكن المبدع من إكتشاف عدة إحتمالات فإنهم غالباً ما يرغبون بترك المواضيع مفتوحة دون جواب نهائي قطعي أو حل إنتظاراً لمزيد من الأفكار والتشعب.

27. الإستقلالية:
يتطلب المبدع درجة عالية من الإستقلالية ويقاوم الإعتماد ومن الممكن أن يترعرع على الإعتماد المتبادل مع من هم مثله.
28. شديدي النقد:
المبدعون يتحدون ويعترضون وينتقدون كل شيء تقريباً وكل فكرة وكل قاعدة وكل قانون، ويستمرون في تحديهم ويبالغون به حتى أن الكثيرين يروهم كناقدين مزعجين أحياناً.
29. غير موافقين وغير ملتزمين(nonconforming):
يتصف المبدعون أنهم لا يقبلون الحدود والقواعد والعادات والتقاليد والأعراف السائدة وغالباً ما يسبحون ضد التيار.
30. الثقة:
وفيها أيضاً إشكالية لدى المبدعين، فبالإضافة إلى إبداعهم فإنهم شديدو الثقة، حتى في الحالات التي يحبطون بها ولا تسير الأمور بالشكل الذي يرغبون، وإذا إهتزت ثقتهم فإنهم سرعان ما يعودوا لثقتهم بأنفسهم، متحديين مشاعر الإحباط والقهر والهزيمة والفشل بثقة داخلية غريبة تنقلهم من جديد إلى البحث عن حلول ومخارج دون إستسلام.
31. مخاطر ون:
وفي هذه الصفة يكمن سوء فهم إذ يرى الناس أن المبدعين يخاطرون ويدخلون في أمور لا داعي لها، في حين أن المبدع لا يرى فيما يفعل مخاطرة أو مغامرة، بل يرى أن ما يقوم به هو حل ممكن وأسلوب من الأساليب المطروحة، كما أنهم في طبيعتهم يحبون إيجاد قائمة من الإحتمالات والبدائل والحلول، بحيث إذا لم ينجح أحد البدائل ينتقلون مباشرة ودون تردد إلى التالي، حتى أن أديسون عندما سئل كيف شعر عندما فشل سبعة آلاف مرة في محاولة إكتشاف الشعيرات التي تضيء أجاب أن آلاف المرات هذه لم تكن فشلاً، بل أن كل واحدة منها كانت حلاً لمشكلة لم تكن قد حلت حتى تلك اللحظة.
32. المثابرة:
كثير من المبدعين ومن عرفوا في التاريخ أمضوا سنوات طويلة ليصلوا إلى ما وصلوا إليه دون كلل أو ملل أو إستسلام، ولذلك يلاحظ إصرار المبدع على ما يرغب في تحقيقه مهما كانت الصعوبات والمدة والفشل.

همسات نفسية-2071- الاضطرابات الذهانية

12

همسات نفسية-2071-
الاضطرابات الذهانية

قد يبدو وكأن الحديث عن الذهان يعني الفصام ولكن هذا غير دقيق، إذ أن الفصام هو أحد أنواع الذهان وأكثرها شهرة وأتساعاً، وتشمل الإضطرابات الذهانية ما يلي:
1- إضطراب الفصام (Schizophrenia) هو إضطراب ذهاني فيه إضطراب بالتفكير والمزاج والسلوك ويتميز بالهلاوس والتوهم. ويصيب 1% من البشر خلال حياتهم، والمرض موجود في المجتمعات والأجناس والمناطق في العالم. وهناك مليوني مريض جديد سنوياً بالفصام في العالم والمرض ينتشر بين الجنسين على السواء وغالباً في سن الشباب والفصام مرض تزيد مدته عن الشهر ويأخذ مساراً طويلاً مزمناً منتكساً. وقد يصبح إضطراب مدى الحياة.
2- الإضطراب الشبه فصامي (Schizophrenia from disorder) هو إضطراب إلا أنه لا يقتضي الشهر في الأعراض وينتهي خلال 6 شهور، ولا يعتبر مرض مزمن.
3- الإضطراب الفصامي الوجداني (Schizoaffective disorder) ويسمى أيضاً الإضطراب الفصامي المزاجي وفيه تلتقي أعراض الفصام وإضطراب المزاج وإنتشاره أقل من الفصام، ومآله أفضل من الفصام.
4- الإضطراب التوهمي (Delusional disorder) ويتميز هذا الإضطراب بوجود توهم ثابت راسخ وغير مستهجن وقد يبدو للوهلة الأولى أنه قصه واقعية من الحياة اليومية. ولكن بتعريف التوهم: أنه فكرة خاطئة راسخة مسيطرة لا يقبل النقاش المنطقي ولا تتمشى مع الخلفية الثقافية والإجتماعية للفرد. وهو أقل أنتشار من الفصام و يصيب الناس في منتصف العمر والإناث أكثر من الذكور، وهذا الإضطراب أكثر أرتباطاً بالمشاكل الإجتماعية ومنه عدة أنواع.
• إضطراب توهمي اضطهادي Persecutory delusional disorder وتكون المتوهمات من النوع الإضطهادية أن الشخص مراقب ومطارد وهناك من يحيك له المكائد أو ينوي ويحاول إيذاءه.
• إضطراب توهمي بالغيرة Delusional disorder of jealousy وسمي أيضاً الغيرة المرضية التوهميه وفيه توهم أن الزوج أو الزوجة على علاقة خارج الزواج.
• إضطراب توهمي بالحب Eratomanic delusional disorder وفيه يعتقد المريض أن يملك قدرات خارقه أو أنه شخص مهم.
• إضطراب التوهم المشترك Shared delusional disorder وفيه يشترك أكثر شخص بالتوهم مثل الأم وابنتها، وقد يكون ثلاثة أو أكثر.
5- إضطراب ذهاني قصر Brief psychotic disorder أعراض ذهانية لا تستمر أكثر من أسبوع إلى شهر وغالباً ما تكون ناتجة عن صدمة نفسية كبيرة.
6- إضطراب ذهاني مشترك Shared psychotic disorder حالة نادرة يمتد فيها الذهان من المريض لمن حوله وقد يكون شخص أو أكثر. وهو شبه إضطراب التوهم المشترك، ولكن فيه أعراض ذهانية أخرى كالهلاوس.
7- ذهان النفاسPostpartum psychosis إضطراب ذهاني يحدث بعد الولادة بمعدل حالة لكل 1000 ولادة، وله علاقة بالإضطرابات المزاجية أكثر من الفصامية. وغالباً ما يتحسن بسرعة. وفيه خطورة الإنتحار وقتل الوليد ويمكن أن يتكرر في الولادات التالية.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 2070 – التقاعد

12

همسات نفسية – 2070 –
التقاعد

من المفترض أن يكون التقاعد عن العمل مرحلة جميلة من مراحل حياة الانسان، فيها مطالب وضغوط أقل وأوقات أكثر لما يرغب الانسان بعمله وكان دائما لا يجد الوقت الكافي له ،وهذا يتطلب ان يكون الانسان قد هيأ نفسه للتقاعد ووضع برنامج لحياته وما سيتغير عليه وكيف يمضي ساعات الفراغ ، ولكن مع الأسف فإن مجتمعنا لا ينظر للتقاعد بهذه النظرة ولا يهتم الإنسان لهذه المرحلة من العمر ، ومع ذلك نجد الكثير من الناس ينتظروا التقاعد والتقاعد المبكر ، وما هي الا شهور بعد التقاعد حتى يدخلوا في الفراغ والعزلة ، والشعور بعدم الأهمية وانقطاع التواصل الاجتماعي، وهذا ينعكس سلبيا على الصحة النفسية والجسدية ، وعلى العلاقات الأسرية والاجتماعية .
ومن الشائع أن يتوقف المتقاعد عن ممارسة أمور كثيرة عتد التوقف عن العمل مثل اضطراب لأوقات النوم والصحو والطعام، وعدم الالتزام بمواعيد الصلاة التي كان يتمنى أن يصليها دائما بالمسجد ولكن الوقت لم يسمح، ولكن بعد التقاعد و وجود الوقت الكافي قد يتوقف الانسان حتى عن الوصول للمسجد ولو لمرة في اليوم.
هذا لا يمنع ان الكثير من الناس يعيد تنظيم حياته بعد التقاعد، ويمارس الرياضة والقراءة والصلاة والتواصل الاجتماعي، ويدخل في نشاطات تطوعية وخيرية وثقافية، مما يجعل من تقاعده ممتعا ومريحا وايجابيا على كل المستويات الاسرية والصحية والنفسية، ومن المعروف عالميا ان الحكومات والشركات تقوم بعمل دورات للموظفين بمختلف مستوياتهم الثقافية للتهيئة التقاعد، وكما أنها توفر نوادي وأماكن خاصة ليجتمع فيها المتقاعدون ويوسعوا شبكتهم الاجتماعية ونشاطاتهم اليومية.
وباعتقادي أننا قد أصبحنا بحاجة لمثل هذه النوادي والمراكز في بلادنا، وبحاجة للتهيئة المسبقة للتقاعد وتجنب التقاعد المفاجئ.
مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -2069- إضطرابات الشخصية

12

همسات نفسية -2069-
إضطرابات الشخصية

1- إضطراب الشخصية الزوريParanoid Personality disorder: يتميز هذا الإضطراب بحساسية مفرطة نحو الهزائم والرفض وعدم مغفرة الإهانات والجروح، وحمل الضغائن والشك والميل لتشويه الخبرات، وسوء تفسير تصرفات الأخرين على أنها عدوانية، الإحساس بالأهمية الذاتية والشكوى الدائمة والتذمر من أنه لم يأخذ حقه في الحياة، وأن الناس لا يقدرونه حق التقدير، ويميل هؤلاء للغيرة والشك، وهؤلاء الأشخاص يتعثروا في العمل والعلاقات الإجتماعية والأسرية وهم معرضين للذهان الزوري والفصام.
2- إضطراب الشخصية الفصامية Schizoid Personality Disorder: يتميز هذا الإضطراب بالانعزال وعدم التواصل العاطفي والإجتماعي، ويفضلوا الخيال والأنشطة الفردية، وليس لديهم القدرة على التعبير عن المشاعر والإستمتاع، ويراه الناس بارد الأحاسيس غير مبالي، لا يستطيع القيام بأعمال فيها احتكاك بالجمهور كالعلاقات العامة والبيع والشراء، وقد ينجحوا كباحثين أو فلاسفة ومنظرين.

3- إضطراب الشخصية السيكوباثية (المعادية للمجتمع) Psychopathic Personality Disorder:
هذا الإضطراب يتميز بعدم الإهتمام بالالتزامات الإجتماعية وافتقاد الشعور مع الأخرين، وعنف غير مبرر أو مبالاة واستهتار، وهؤلاء الأشخاص بعيدين كل البعد عن القيم الإجتماعية والأخلاقية والدينية، ولا يغيروا سلوكهم بالخبرة أو العقاب، فلا يتعلموا من أخطائهم، ولا يتحملوا الإحباط، ومن السهل أن يقوموا بسلوكيات عنيفة مع استعداد شديد للوم الأخرين وإيجاد مبررات، مما يضع الشخص في صراع مع المجتمع. وتنتشر هذه الشخصية بين نزلاء السجون والمجرمين، فالمبدأ في حياتهم هو تحقيق المتعة والرغبة بغض النظر عن العواقب القانونية والإجتماعية، وقد ينجح بعض هؤلاء في الوصول لمواقع قيادية مستندين على الأنانية المفرطة والطموح الذي ليس فيه ضمير، لا يحترم الشخص السيكوباثي مشاعر وعواطف الأخرين، وأحياناً إذا كان لهؤلاء تميز في الذكاء والقدرات فيكونوا من النصابين. ومنذ الطفولة تجد أن هناك مؤشرات سلوكية منحرفة مثل الكذب والسرقة والاغتصاب والانحراف الجنسي والإدمان والسرقة وهناك نوعين من السيكوباثي.
1- السيكوباثي المتقلب العاجز: وهو كثير الشبه بالشخصية العاجزة، فتجده دائماً في عمل متغير، لا يستطيع المثابرة على عمل وأخذ أكثر من بضع شهور، يتخللها مشاحنات ومشاجرات واعتراض على نظام العمل، دون الإكتراث لنتائج ذلك السلوك وهو فقدان العمل، تتعدد زيجاتهم وأولادهم من كل زواج دون أن يتحملوا مسؤولية رعايتهم، ولا يخلصوا لأحد، ويظهر عليهم الحماس في مواقف ولكن سرعان ما يتغير ويميلوا للإدمان والشذوذ الجنسي أو الجرائم البسيطة.
2- السيكوباثي (العدواني المتقلب): وهو أقل شيوعاً من النوع السابق، وأصحاب هذه الشخصية يندفعوا للإضرار بالمجتمع بكل الطرق ويقترفوا الجرائم والقتل والاعتداء لأتفه الأسباب، ولا يكون لهم ولاء ولا صداقه والمبدأ هو المصلحة الشخصية فقط، ويبتعد عن زملاءه لمنافعه الخاصة، ولا يكترث لمصائب الناس، وقد يصلوا للسلطة والمناصب الكبيرة لعدم التزامهم بمبادئ أخلاقية أو إجتماعية وليس بالكفاءة.
4- إضطراب الشخصية غير المتزنة انفعاليا:
Emotional Unstable Personality Disorder
في هذا الإضطراب ميلاً شديداً نحو التصرف تبعاً للاندفاعات بغض النظر عن التبعات ومزاج غير مستقر، وضعف القدرة على التخطيط للمستقبل، وانفجارات الغضب الشديد تؤدي كثيراً للعنف، وخصوصاً إذا تعرض للنقد أو الاعتراض من الأخرين وهناك نوعين من هذا الإضطراب.
1- النوع المندفع: Impulsive type
2- النوع الحدي: Borderline type
وتتميز هذه الشخصية بالأتي:
1- الإندفاع وعدم التنبؤ بسلوك الشخص مثل التذمر، الجنس، المقامرة، الإدمان، السرقة، والإيذاء الجسدي.
2- علاقات قوية عبر شخصية غير متوازنة، والتأرجح المستمر في الاتجاهات وتعظيم أو تحقير النفس أو الأخرين، والتلاعب في استقلال الأخرين.
3- الغضب غير المناسب ودون سيطرة عليه.
4- إضطراب الهوية بعدم التأكد من عدة ظواهر في الذات مثل الصورة الذاتية الأهداف المستقبلية، الصداقة، القيم والولاء.
5- عدم التوازن الوجداني وتذبذب المزاج من الإكتئاب إلى القلق إلى الغضب إلى العصبية الزائدة.
6- عدم تحمل الوحدة.
7- التحطيم الذاتي من محاولات الإنتحار، أو كثرة الحوادث أو تشويه الجسد.
5- إضطراب الشخصية الهستيري Histrionic Personality Disorder:

يتميز بالمبالغة في الذات والأداء المسرحي والمبالغة في المشاعر وسهولة الإيحاء والتأثر بالأخرين، عواطف سطحيه وانغماس في الذات، وعدم وضع الإعتبار للأخرين، واشتياق دائم للتقدير وأن تكون مركز الإهتمام ومحط الأنظار، وهي أكثر حدوثاً بين النساء وهن أكثر عرضه للإضطرابات التحويلية والتفارقيه. الشخصية الهستيرية تواجه صعوبة كبيرة في إقامة العلاقات المناسبة الطويلة، وتتأثر قراراتهم بالناحية المزاجية والانفعالية أكثر من تأثرها بالناحية الموضوعية. أصحاب هذه الشخصية أنانيين، مع رغبة في الظهور وجلب الإنتباه والإهتمام، وحب الإستعراض والمبالغة في الكلام والملبس أو الزينة، وتأويل أي تصرف على أنه جنسي، وكثيراً ما يجذبن صاحبات هذه الشخصية الرجال نحوهن ولكن العلاقة سرعان ما تتغير كما إن علاقتهن الجنسية غالباً ما تفشل، تعدد العلاقات العاطفية والزواج، وفي العمل لا تصلح صاحبة هذه الشخصية للعمل القيادي وما يحتاج للتخطيط وقد تنجح في التمثيل والمسرح والصحافة والعلاقات العامة.

6- إضطراب الشخصية الوسواسه القهرية:
Obsessive Compulsive Personality Disorder

هذا الإضطراب يتميز بعدم الاستقرار على رأي والشك والحذر الشديد، والسعي نحو الكمال، والحاجة إلى التأكد المكرر من الأشياء، و الانشغال المفرط في تفاصيل التفاصيل، بحيث تضيع الصورة الكاملة للموضوع، هؤلاء الأشخاص ذوي ضمير صاحي، و اهتمام بالإنتاجية الشخصية لدرجة نسيان المتعة والعلاقات الشخصية، و التزام هائل بالتقاليد وعدم التعبير عن المشاعر، وتصلب وعناد وإصرار أن يخضع الناس لنظامه وأفكاره و اندفاعه، تتميز هذه الشخصية بالنظام والدقة المتناهية والسعي نحو المثل العليا، و احترام التقاليد، ومن الصعب أن يتراجعوا عن قرار اتخذوه أو موقف اتخذوه، ويميلوا للروتين، ويحاسبوا أنفسهم على أتفه الأمور، يميلوا للتكرار فيقرأ الرسالة عدة مرات قبل أن يرسلها، ويكرر التأكد من كتابة أسمه على ورقة الامتحان، ويتأكد من الغاز والكهرباء والأبواب عدة مرات في اليوم وقبل النوم، يومهم منظم وهناك وقت لشرب القهوة ثم قراءة الصحف فتناول الإفطار وينزعجوا إذا حاول أحد زعزعة نظامهم. وبالتالي قد يثور هؤلاء الأشخاص على العاملين معهم أو أفراد الأسرة إذا أختل النظام ولو بدرجة بسيطة، الإهتمام بالنظافة في الملبس والمسكن، وترتيب المنزل ونظافته التي لا تتوقف، وعادة ما يهتم هؤلاء الأشخاص بصحتهم ويزورا الأطباء والمستشفيات لكل صغيره وكبيره، ويتبعوا الطعام الصحي ويصّروا على العصير الطازج ويتنولوا الفيتامينات ويحبوا القراءة في المسائل الطبية. وينجح أصحاب هذه الشخصية في الأعمال الإدارية والتنفيذية، والمحاسبة والمكتبات والأرشيف، ولكن إذا توسعت مسؤولياتهم ولم يعد بالإمكان السيطرة بإحكام عليها أصيبوا بالقلق، وهم معرضون للقلق والإكتئاب والوسواس خصوصاً في مراحل مهمة من حياتهم كالخطوبة والترفيع والتغيير.

7- إضطراب الشخصية التجنبية Avoidant Personality Disorder:

يتميز بالإحساس الدائم بالتوتر والتوجس، والوعي الشديد بالذات، وأحاسيس بعدم الأمان والدونية، والسعي الدائم لحب وقبول الأخرين، وحساسية مفرطة نحو الرفض والنقد، ورفض الدخول في العلاقات إلا بعد الحصول على ضمانات أكيده بالقبول غير المشروط بالنقد، والعلاقات الشخصية محدودة جداً، واستعداد دائم للمبالغة في الأخطار المحتملة في المواقف اليومية، إلى حد تجنب بعض النشاطات ونمط حياه محدد بسبب الحاجة الدائمة إلى التأكد من الأشياء والشعور بالأمان.

8- إضطراب الشخصية الاعتمادية: Dependent Personality Disorder

هذا الإضطراب يتميز بإعتماد شامل على الأخرين أو السماح لهم بتولي جوانب مهمة من حياته الشخصية، ورضوخ غير مبرر لرغباتهم وعدم مطالبة هؤلاء الأشخاص (الذين يعتمد عليهم الشخص) بأي مطالب، حتى لو كانت منطقيه، ويفهم الشخص نفسه على أنه لا حول له ولاقوه وغير كفوء ومفتقد للقوه، ويكون الشخص الاعتمادي مشغول بالخوف من هجر الناس له، ويريد تطميناً دائماً أن هذا لن يحدث، وإحساس بعدم راحة شديدة عندما يكون لوحده، والإحساس بالكارثة والضياع عند انتهاء علاقة حميمة والميل إلى التعامل مع المحن بإلقاء المسؤولية على الأخرين. وفي هذا النوع نجد تعبيراً صارخاً عن الافتقار إلى الثقة بالنفس و الإعتماد عليها، ويكون هناك مشاعر بالعجز الكامل الشامل وعدم القدرة على إتخاذ القرارات، وهو عادة غير مسؤول وطفولي التصرفات، ويميل إلى التعلق بالأخرين كما يفعل الأطفال.وهؤلاء الأشخاص معرضين للقلق، وفي الزواج قد يلقي بكل المسؤولية على الزوجة ويأخذ موقفاً سلبياً.

9- إضطراب الشخصية السلبي – (العدواني) Passive -Aggressive Personality Disorder:
يتميز هؤلاء الأشخاص بالمقاومة السلبية في تعاملهم وعندما يطلب منهم القيام بعمل ما يختلقون الأعذار بالنسيان والانشغال والتعب، وعدم تقبل من هم أصحاب سلطه ونفوذ وعدم مواجهتهم بل الهروب السلبي في التعبير عن العنف، وهؤلاء قد يفشلوا في الزواج والعمل والعلاقات الشخصية.

10- إضطراب الشخصية النرجسية Narcissistic Personality Disorder:
في هذا الإضطراب يكون الشخص لديه شعور بالأهمية والتميز ومشغول بالأحلام حول النجاح الغير محدود، القوه الجمال والذكاء، وحسب اعتقادهم بما أنهم مميزين فلابد أن يعجب بهم الناس ويقدموا لهم الخدمات وكل ما يطلبوا، ويشعروا أن لهم الحق في التقارب مع الناس ذوي المراكز المرموقة، وقد يستغلوا الناس ولا يتعاطفوا معهم ولا يكترثون لهم وبمشاعرهم، ويغاروا مما يحصل عليه الأخرين وما يصلوا إليه، ويعتقدوا أن الناس يغاروا منهم بنفس الطريقة، ويظهروا للناس متعجرفين ومتعالين، مما يضعف فرص تكيفهم مع الأخرين، ويعرضهم للكثير من الصدمات عندما يفرض الواقع والحقيقة مكان الأحلام.
11- إضطراب الشخصية الفصامي النمطي:
Schizotypal Personality Disorder
الأشخاص في هذا الإضطراب قلقون إجتماعياً ويمروا باضطرابات معرفيه و إدراكية، ويظهر عليهم إضطراب في الكلام وتناقض في المشاعر ويكونوا متطرفين في سلوكهم، وهذا الإضطراب يبدو قريباً من الفصام أكثر من إضطرابات الشخصية وفي التقسيم العالمي العاشر يصنف مع الفصام. إن قلقهم الإجتماعي يكون عائق في قدرتهم على تكوين العلاقات الإجتماعية ولا يكون لهم أصدقاء، ويشعروا أنهم مختلفون عن باقي الناس ولا ينسجموا معهم. لديهم أفكار أشارة للذات وشكوك، وأفكار غريبة وتفكير سحري، كأن الأمور تحدث كل المعجزات ويهتموا بالظواهر الغريبة والتخاطر عن بعد، وأفكار الإشارة بالذات تعني أنهم يعتبروا أن حديث الأخرين وتصرفاتهم قد يكون لها علاقة بهم وغالباً سلبية، ولكنهم غير متأكدين من ذلك وفي كلامهم جمل بتركيب غريب وكلمات وتعابير غير مألوفة، ملابسهم ومظهرهم غريب وملفت للنظر وغير مناسب للبيئة التي يعيشوا فيها، وتجاوبهم العاطفي قليل وقد يكون عكسي ويعتبروا من أكثر فئات إضطراب الشخصية غرابه.

الدكتور وليد سرحان
Email;wsarhan34@gmail.com

همسات نفسية – 179 – توهم المرض

12

همسات نفسية – 179 –
توهم المرض

إن توهم المرض من المشاكل النفسية الشائعة ويندرج في إطارها نوعين مهمين وهما المراق (Hypochondriasis) والتجسيد (Somatization disorder).

المراق: يعرف المراق على أنه الخوف و الإهتمام الدائم من وجود مرض عضوي، وهذا يعتمد على تفسير بعض الأعراض الجسدية وأن هذه الأعراض والأفكار لا تنتهي رغم التشخيص الطبي والتطمين المستمر، حتى أنه يلاحظ مع كثرة الفحوصات والإجراءات الطبية الغير ضرورية ، يقع هؤلاء المرضى في مشكلة تفسير هذه التحاليل وقياس الضغط بشكل متكرر وتكرار فحوصات معينة، وكثيراً ما يكون مبعث هذا الخوف بعض الوظائف الطبيعية للجسم مثل ضربات القلب و التعرق وحركة الأمعاء ، وأحياناً أعراض بسيطة مثل البثرات والجروح أو السعال والصداع الذي لا يكترث له أحد، وأحياناً يعطوا أعراض وأوصاف يصعب فهمها مثل تعب قلب أو شد شرايين أو حرقة في العظام وغيرها، ومع إستمرار رحلة المرض فإن هناك مضاعفات يصبحوا ضحيتها مثل مضاعفات الإجراءات الطبية الغير ضرورية مثل التمييل أو التنظير، أو أن هناك بعض الحالات المرضية الحقيقية لا تكتشف لكثرة الشكاوي والأعراض والأوهام، ومن الممكن أن يؤثر هذا المرض على العلاقات الأسرية والإجتماعية وعلى الأداء في العمل وقد يؤدي إلى التعطل عن الدراسة أو العمل بشكل كامل، ولا بد من تفريق هذا المرض عن الإكتئاب وتكدر المزاج والقلق العام والفزع والوسواس القهري والأمراض الذهانية و التجسيدية وإدعاء المرض.

إن المراق يبدأ في أي عمر مع أنه في الأغلب يبدأ في العشرينات ويأخذ مساراً مزمناً فيه فترات من الهدوء والشدة، ومما يجعل تقدم المرض أحسن أن يكون قد حدث بشكل مفاجئ وأن لا يكون يرافقه مكتسبات من هذا المرض، ويعالج هذا المرض بصعوبة لأن معظم المرضى يرفضون الذهاب للطبيب النفسي لإعتقادهم بوجود مرض جسدي و لإعتقادهم بأن الطبيب النفسي لن يكون قادراً على مساعدتهم، وعندما يصلوا لا بد أن تتوقف رحلة التسوق بين الأطباء والفحوصات ثم يتم تشخيص الحالة، وفيما إذا كانت مقرونة بمشاكل نفسية أخرى، والعلاج يكون غالباً بالأدوية المضادة للإكتئاب والقلق، بالإضافة إلى المعالجة السلوكية والنفسية، والنتائج تعتمد بشكل كبير على مدى إلتزم هؤلاء المرضى بالعلاج.

إضطراب التجسيد: (Somatization disorder) إن هذا الإضطراب يتميز بأعراض جسدية مختلفة تبدأ قبل سن الثلاثين، وتستمر لسنوات ولا يمكن تفسير هذه الأعراض بناء على الفحوصات الطبية و المخبرية و الشعاعيه، وقد عرف هذا المرض أيضاً بإسم (متلازمة بريكت)، يتجول هؤلاء المرضى باحثين عن حل بين العشابين والمشعوذين إلى الأطباء في مختلف الإختصاصات والمستشفيات و الطوارئ.
ومن مميزات هذا المرض:
• وجود آلام في أربع مناطق على الأقل أو وظائف من وظائف الجسم.
• وجود أعراض في الجهاز الهضمي وآلام.
• وجود أعراض جنسية وفي الجهاز التناسلي.
• وجود بعض الأعراض الشبيهة بالأعراض العصبية. وهذه الأعراض ليست كذباً أو إدعاءاً بل إنها أعراض يشعر بها المريض، وقد تكون شكوى المريض من أن هناك ألماً بكافة أنحاء جسمه، في الرأس والبطن والمفاصل والأطراف والصدر وأثناء الدورة الشهرية.
• غثيان وإنتفاخ وغازات وقيء وإسهال.
• عدم تحمل الكثير من أنواع الطعام.
• إضطراب في الدورة الشهرية.
• ضعف في بعض الأطراف.
• عدم القدرة على الكلام أو إحتباس البول دون وجود دليل عضوي على ذلك.

يستمر هذا المرض لفترة طويلة ويتأرجح بشدة من وقت إلى آخر، ومن المتوقع أن يصاب هؤلاء المرضى بالقلق والإكتئاب النفسي لأنهم لم يستطيعوا حل الأعراض السابقة، وقد يتورط هؤلاء المرضى في الإدمان على بعض المهدئات والمسكنات للتخلص من المرض ويقعوا في مشكلة جديدة.

إن كثير من هؤلاء المرضى يقاومون أية إستفسارات عن وضعهم النفسي و الإجتماعي والأسري وهذا تحدي لا بد أن تتم مواجهته، و يجدر الإهتمام بأخذ السيرة المرضية كاملة والتقييم الجسدي الكامل قبل أن يتم التشخيص ثم وضع خطة العلاج، ولا بد من تفريق هذا المرض عن أي أمراض عضوية أخرى أو مشاكل نفسية أو إدعاء المرض، يرفض هؤلاء المرضى أيضاً التحويل للطبيب النفسي وقد لا يصلوا إلا وقد تفاقمت الأمور و إنتقلوا إلى حالات شديدة مزمنة يرافقها القلق و إكتئاب وإساءة إستعمال الأدوية، وفي العلاج لا بد من الأخذ بعين الإعتبار إعادة تنظيم نمط حياة هؤلاء الأفراد، وحثهم على الرياضة والأكل الصحيح و الإعتناء بالصحة أكثر من الإعتناء بالمرض.

إن أسباب هذا المرض مثل المراق أيضاً غير معروفة ولكن تلعب فيها العوامل البيولوجية والنفسية والسلوكية والإجتماعية والحضارية دورأ، أما إنتشاره فيصل إلى 2% من الناس وهو أكثر في النساء من الرجال، وفي عيادات الطب العام يمثل هؤلاء المرضى 5-10% من المراجعين يضاف إليهم أيضاً 5% من مرضى المراق.

همسات نفسية-2068- أسباب الإضطرابات النفسية

12

همسات نفسية-2068-
أسباب الإضطرابات النفسية

يبدو من المريح والمستساغ للناس أن يفهموا المشاكل والإضطرابات النفسية على أنها سبب ونتيجة، مثل أن فلانة أصيبت بالإكتئاب لوفاة زوجها وفلان أصيب بالفصام لطلاق والديه وفلان أصيب بالقلق لأنه تعرض للاعتداء في طفولته، ولكن واقع الأمر ليس بهذه البساطة، وعلى الأغلب فإن مجموعة من العوامل تتضافر معاً لحدوث الإضطراب. ولو أخذنا بالأمثلة السابقة وقلنا نعم أن وفاة الزوج هي سبب الإكتئاب حقاً، والواقع أن من توفي زوجها سوف تحزن وقد تمر بمراحل حسرة الحداد ولكن ليس بالضرورة أن تصاب بالإكتئاب، وبالتالي حتى تصاب فلانة بالإكتئاب، لبد من وجود عوامل أخرى في ذات هذه المرأة والتكوين الوراثي والبيولوجي وشخصيتها وظروفها وعلاقاتها وبيئتها، ونوعية العلاقة التي كانت قائمة بينها وبين زوجها، وعلى ذلك فإن البحوث العلمية قد أثبتت الكثير من العوامل المهمة في أسباب الإضطرابات النفسية.

1- الوراثة:
يحاول علم الوراثة التوصل لمدى مساهمة الوراثة والبيئة في حدوث الإضطراب، وفي الطريقة التي تورث فيها الإضطرابات ومحاولة التعرف على الجينات المحددة في الإنسان المعنية في كل إضطراب، وقد كان هناك تطور كبير على صعيد معرفة مساهمة الوراثة في الأسباب ولكن تحديد الآلية والجينات مازالت تخوض بحوثاً كثيرة خصوصاً بعد أن نمت الخارطة الجينية البشرية، ولمعرفة أثر الوراثة فقد استعملت دراسات التوائم المتشابهة والغير متشابهة ومن تم تربيتهم في نفس البيئة أو في بيئتين مختلفتين وتم ذلك في الغرب بدراسات التبني، والدراسات العائلية. ونحن الأن في عصر الهندسة الوراثية التي تأمل بتحديد جين أو أكثر لكل مرض وعلى كروموسوم معين في الخلية، وثم تعمل على إيجاد الخلل في هذا الجين والعلاج الجيني المناسب.

2- الأسباب الإجتماعية:
وقد تناولت هذه الدراسات إنتشار الإضطرابات المختلفة في المجتمعات والثقافات المختلفة، وحتى في الطبقات الإجتماعية في المجتمع الواحد، وتناولت بالبحث الوصمة الإجتماعية والإعاقة الإجتماعية في الإضطراب النفسي وأثر المصحات في تطوير بعض الإضطرابات سلباً، والانحراف الإجتماعي والسلوكي والجنوح وعلاقته بالإضطرابات عضوياً أو نفسياً، وكان لهذه الدراسات دورها في فهم الكثير من الجوانب لاضطرابات معينة، مثل الإدمان على المخدرات.

3- أحداث الحياة:
يمر الإنسان بأحداث كثيرة في حياته منها ما هو متوقع كالتخرج والعمل والانتقال من بلد لأخر ومنها ما هو متوقع ولكن صعب، كوفاة الزوج أو الزوجة أو الوالدين، ومنها ما هو غير متوقع مثل الكوارث الطبيعية والحروب، كلها بلا شك تشكل حياة الإنسان وصحته الجسدية والنفسية، ومن المؤكد أن الدراسات أوضحت وجود زيادة في أحداث الحياة في العديد من الإضطرابات النفسية وكذلك العضوية. وبينت الدراسات الفروق الفردية في تحمل آثار هذه الأحداث، وكيف أن المثيرات السابقة قد تزيد أو تقلل من قدرة الفرد على تحمل الأحداث الجديدة.

4- الأبعاد النفسية:
منذ بدأت مدرسة التحليل النفسي في محاولات فهم الإضطرابات النفسية، تعاقبت العديد من المدارس السلوكية والمعرفية والإنسانية وقد ساعدت في فهم جوانب معينة من بعض الإضطرابات النفسية، ولازالت البحوث في هذا المجال في تطور مستمر، وخصوصاً في فهم الشخصية.

5- الدماغ:
من المعروف أن الإضطرابات النفسية ما هي إلا خلل في النفس، والنفس هي جزء من الدماغ، وهي عبارة عن شبكة هائلة من الخلايا العصبية التي تعمل كهربائياً وكيماوياً، وفي الدماغ مليارات الخلايا، وبين الخلية والأخرى هناك فراغات تسمى المشابك العصبية يتم فيها إفراز مواد كيماوية تسمى الناقلات العصبية الكيماوية، وقد تتصل الخلية الواحدة بأكثر من عشرة ألاف خلية، وهناك من الدراسات ما يدل على وجود تغيرات في تركيب الدماغ وحجم بعض أجزاءه ونشاط أجزاء أخرى في إضطرابات معينة، وخلل في الناقلات العصبية الكيماوية، قد تكون هي المطاف الأخير لمجموع العوامل المختلفة التي تؤدي للإضطراب النفسي والخلل الكيماوي.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسيه-2067- التوافق عن طريق حيل الدفاع النفسية

12

همسات نفسيه-2067-
التوافق عن طريق حيل الدفاع النفسية

جاء هذا المفهوم من مدرسة التحليل النفسي أساساً، حيث اعتبرت أن حل الصراع قد يتم بطريقة إيجابية واقعية واعية للوصول للراحة والتوافق النفسي، ولكن إذا تعذر هذا لكون المشكلة تفوق قدرة الفرد على الحل أو التحمل، أو كانت المشكلة لا شعورية خافية الجوانب، أو لأنه لم يتعلم في ماضيه حل المشكلات بالطرق السليمة الناجحة، فهذا يؤدي للإحباط والصراع المتواصل، فيلجأ الفرد للحيل الدفاعية التي تدافع عن (الأنا) وتحاول تخفيف القلق والتوتر عنها، وهذه الحيل تعمل بصورة أليه لا شعورية غير مقصودة، كما لا تستهدف حل الأزمة فدوماً ترمي إلى الخلاص من التوتر والقلق والوصول إلى قدر من الراحة النفسية المؤقتة.
وهذه الحيل اللاشعورية متعددة، متفاوتة ومتشابكة تعمل في أكثر من ميدان وقد يشترك أكثر من صله في الميدان الواحد بصوره متداخلة، تجعل من الصعب تصنيفها، ولو أن البعض يصنفها إلى حيل هجومية وأخرى هروبيه أو دفاعية وأخرى خداعية، وكلها تهدف إلى تخفيف الكبت والصراع بين الدوافع والظروف (بين الهو والانا الأعلى) حتى يرتاح (الأنا).
وفيما يلي آليات الدفاع النفسية:
1- الكبتSuppression:
الكبت هو حيله هروبيه تلجأ إليها الأنا، لطرد الدوافع والذكريات وأفكار الخبرات الشعورية المؤلمة أو المحزنة وإكراهها على التراجع إلى اللاشعور أو الجزء الخفي من العقل (العقل الباطن). تقوم الأنا لا شعورياً بعملية الكبت الذي يعتبر عملية لا شعورية أو حيلة نفسية دفاعية يدافع بها الفرد عن نفسه وكل ما يزعجه أو يؤلمه أو يجرح كبرياءه أو يمس تقبل المجتمع له.
أن الرغبات والنزوات التي يتم كبتها تصبح في اللاشعور وتظل متحركة فيه تعمل في الخفاء وتلح جاهده في الظهور، وقد يبدو أثرها في السلوك الظاهري بصوره صريحة كبعض زلات اللسان، أو تظهر في صورة رمزية بالأحلام، وعلى شكل إضطرابات وانحرافات نفسية. وإذا قام الإنسان باستعمال الكبت بصورة محدودة فهو بلا شك يساعده على التوازن النفسي انتظارا لانتهاء الصراع الحقيقي، ولكن الإفراط في عملية الكبت له أثار ضاره متعددة، فالدافع المكبوت لا يبقى خامل بل يعمل باستمرار على دخول مجال الشعور، فتظل المعركة مستمرة بين الدافع المكبوت والقوي المسببة للكبت التي تعمل على طمسه وفي ذلك استنزاف للطاقة النفسية مما قد يترتب عليه تعباً جسمياً مستديماً ليس له أي سبب فسيولوجي ظاهر، على سبيل المثال لو كان للفتاة شقيقه قريبة من عمرها ولكنها أجمل مظهراً منها بشكل ملحوظ ويلفت نظر الناس للشقيقة الجميلة، فلا شك أن الفتاة قد تعاني من الغيرة من شقيقتها وقد تصر على عدم الإفصاح عن هذه الغيرة، وتكبت الغيرة، مما قد يترتب عليه أحد أمرين فهي إما أن تطور سلوكاً ودياً تجاه شقيقتها، أو قد تلحق الأذى والضرر بها، بحيث تعتقد مخلصه بأن هذا الضرر لم يكن مقصوداً رغم أن مصدره الغيرة المكبوتة اللاشعورية، والغيرة أو العداء المكبوت الذي يظهر بصوره مودة مبالغ فيها هو أحد نتائج الكبت وتعرف (بالتحويل العكسي)، ويمكن إعتبار التحويل العكسي حيله دفاعية نفسية مستقلة.
يلاحظ أن الكبت هو الحيلة الدفاعية النفسية المحورية التي قد ترافق الكثير من الحيل الأخرى أو تؤدي إليها.

2- التبريرRationalization :
هو حيله دفاعية تحاول إخفاء النزعات الخبيثة عن طريق المغالطة اللاشعورية في الإفصاح عن الدوافع الحقيقية ، هذه الحيلة الدفاعية تقي الإنسان من الإعتراف بالأسباب الحقيقية غير المقبولة لسلوكه أو لحماية نفسه من الإعتراف بالفشل أو الخطأ أو العجز، كما يحدث عندما يصدر عن الفرد تصرفات صادره عن دوافع غير مقبولة إجتماعياً ، فيفسر سلوكه تفسير يبين للناس ولنفسه أن سلوكه له أسباب معقولة ومقبولة من المجتمع، وليس معنى هذا أن يكون السلوك نفسه مقبولاً، ولكن التبرير يعني أننا نبرر سوكنا حتى يبرر في نظرنا ونظر الناس يكون معقولاً ويغنينا عن الإعتراف بالدوافع الحقيقية غير المقبولة.
وللتبرير عدة صور: اعتذار الفرد عن فشله في الحصول على شيء بأنه لا يميل إلى هذا الشيء أو يكرهه، كمثل التلميذ الذي يكره المدرسة أو الجامعة (دافع لا شعوري غير مقبول إجتماعياً) ويتأخر عن المدرسة كثيراً، مبرراً تأخيره بمرض والدته أو عدم نهوضه في الوقت المحدد، والأب الذي يبرر عقابه الشديد لأطفاله بأن ذلك لصالحهم في حين أن هذا العقاب هو تصرف لغضبه، والطالب الذي يرسب ويقنع نفسه أنه بهذه الطريقة سوف يستفيد، وفشل الطالب في دخوله كلية الطب والقول أنها تأخذ سنوات طويلة وسوف يضيع نصف عمره بالدراسة.

3- الإسقاط Projection :
في هذه الحيلة النفسية اللاشعورية ينسب الشخص عيوبه ورغباته المتسترة ومخاوفه المكبوتة التي لا يعترف بها، ويعزوها للأخرين، فالمشاعر العدوانية أو البخل أو الصفات الجسدية غير المرغوب فيها يتم أقصاها على الأخرين ونسبتها إليهم، و الاستغراق في الإسقاط يكون واضح في بعض الشخصيات كالشخصيات الزورية، أو في بعض الإضطرابات النفسية، فقد تتهم المريضة رجلاً بأنه يحبها ويغازلها ويراسلها، في حين أنها هي التي تحبه وتود أن تغازله وأن تراسله، والإسقاط يؤدي غرضاً مزدوجاً: فيه تخفيف من مشاعرنا ودوافعنا المزعجة، وتغاضى عن رؤية أنفسنا كما هي عليه في الواقع، كما أنه يجعلنا في حل من نقد الناس و اتهامهم والمبادرة إلى لومهم قبل أن يلومونا.

4- التقمُّص Identification:
هو التمثيل اللاشعوري للأشخاص أو لدوافعهم في الذات، بحيث تصبح أهدافهم ودوافعهم وطموحاتهم ، أهداف وطموحات الشخص المتقمص، وهو حيلة شعورية دفاعية تعمل على خفض التوتر النفسي، وإشباع الدوافع المحبطة عن طريق اندماج الفرد لا شعورياً في شخصية أخر، ومن الأمثلة على ذلك تقمص الطفل شخصية والده، وتقمص الفتاه شخصية المطربة الشهيرة، وقد يكون في التقمص أحياناً شيئاً من الإيجابية إذا كان يكتسب عن طريقة صفات إيجابية من الأخرين، ولكنه قد يصبح مزعجاً إذا تقمص الشاب شخصية والده الذي توفي فجأة، وكان هذا التقمص بمثابة الهروب من مواجهة فكرة فقدان الأب، ويحاول الأبن السيطرة على الأسرة وقد يطلق شاربيه ولحيته ويغير ملابسه وينبع هذا في الأغلب أنه لم يكن قد أرضى والده المرحوم.
والتقمص لا يقتصر على الاندماج في شخصية أفراد أخرين من أبطال أو زعماء أو ذوي نفوذ، إنما يمتد أحياناً إلى تقمص شخصيات ضعيفة أو مغلوب على أمرها، فقد يكون لدى الفرد رغبة قوية بالعقاب الذاتي ناشئة عن الشعور بالذنب.

5- النكوص Regression :
وهو من أكبر الحيل الدفاعية النفسية التي يقوم بها الفرد للتغلب على ما يقابله من صعاب وحل مشكلاته، بنكوص سلوكي على هيئة رجوع الفرد إلى مرحله سلوكية من الطفولة، التي سبق أن مرّ بها وتجاوزها، رجوعاً موضعياً يرتد فيه الفرد إلى ميول ومشاعر وتصورات طفولية، أو رجوعاً وظيفياً يجعل الفرد يرتد في سلوكه واستجاباته إلى أنماط قد ألفها في الطفولة. فهو استجابة توافقيه ترمي إلى تخفيف درجة التوتر الناشئ عن مواجهة الفرد لعائق أو مشكلة، وهذه الحيلة لا بأس بها لفترة بسيطة مثل الطفل ذو الثلاث أعوام الذي يولد له شقيق يأخذ كل الحب و الإهتمام، فيبدأ هذا الطفل بالنكوص ويعود ليبلل الفراش ويمص أصبعه، وقد يكون في هذا امتصاص للانزعاج والقلق لفترة مؤقتة ينتبه بعدها الأهل ويوزعوا الإهتمام والحب والحنان، ولكن هذا السلوك قد يمتد ويطول ويعيق التطور الطبيعي للطفل ويبدو النكوص واضحاً لدى كثير من الناس في حالة المرض الجسمي، ولكنه أكثر وضوحاً في الأمراض النفسية، إذ يتخذ أشكالاً منها التهجم والصراخ والغضب الشديد والضحك والبكاء الطفو لي، أو الإندفاع والخوف من أشياء تافهة.

6- التعويض Compensation:
وهي حيلة دفاعية نفسية لا شعورية، يلجأ إليها الإنسان نتيجة الشعور بالفشل أو النقص، أو العجز عن إشباع دافع قوي أو إضفاء عجز أو عيب جسدي أو نفسي، ويبدو في صورة اهتمام زائد أو سلوك معين لتخفيف حالة التوتر والقلق، فعلى سبيل المثال الطالب القصير في قامته ومحرج منها قد يلجأ للدراسة والمذاكرة الجادة التي قد توصله لبعض التفوق الذي يعوض الشكل وهذا تعويض إيجابي، ولكن التعويض قد يتخذ طابع سلبي عندما يتكلم الإنسان كثيراً عن نفسه وأهميته وقدراته ليعوض تقصيره، وهذا يجعل منه موقع سخريه، وهناك مثل شائع في الأب الذي لم يستطيع دخول الجامعة أو دراسة مادة معينة فيصر على أبنه أن يدرسها سواءً كان قادراً عليها ويرغبها أم لا.

7- أحلام اليقظة Day Dreaming:
أحلام اليقظة هي نوع من التفكير الذي لا يتقيد ولا يتأثر بالقيود الإجتماعية المنطقية التي تهيمن على التفكير العادي، وتستهدف هذه الأحلام إرضاء رغبات وحاجات لم يستطيع الفرد إرضاءها في عالم الواقع. فيها يبني القصور في الهواء أو يصبح نجم كروي لامع أو ممثل مشهور أو مسؤول كبير، وقد تكون هذه الأمنيات ممكنه ويخطط الإنسان لها، وقد يكون الفرد قد فشل في إمتحان الثانوية للمرة الثالثة ومع ذلك يجلس ساعات وهو يحلم أنه قد حصل على الدكتوراه وأصبح مسؤولاً مهماً، وبالتالي فإن الفرد يجد في هذه الأحلام عزاء وسلوى وخلاصاً من القلق الناجم عن إحباط دوافعه، فأن الضعيف يحلم بالقوة، والفقير بالثروة، والغبي بالذكاء، ومن ذلك يتضح أن أحلام اليقظة هي نوع من التعويض الوهمي و العزائي، وأحلام اليقظة ظاهرة طبيعية عادية لا ضرر منها إن التجأ الفرد إليها بمقدار بسيط، كما أنها ليست دوماً من النوع المستحيل، فالشعور بالرضا من الحل المؤقت للمشكلات في عالم الخيال، قد يساعد الفرد على تحقيق أحلامه في الواقع، ولكن الإسراف فيها يؤدي إلى التباس الخيال بالواقع أو أن يكتفي وقنع بها الحالم ويعفي نفسه من التنفيذ العملي لرغباته وآماله، وكما تصبح منارة إذا أثرت على النشاط والعلاقات مع الأخرين. وأحلام اليقظة نشاط ذهني شائع في كافة مراحل العمر ولكنها تزداد حدوثاً خلال فترة المراهقة ومرحلة الطفولة، وبالتالي فهي استجابة بديلة عندما يواجهه صعوبات شخصية وواقعية في حياته.

8- الإعلاء أو التساميSublimation :
وهي حيلة يسعى لها الفرد إلى الارتقاء بالدافع أو الرغبة أو العاطفة المكبوتة إلى مستوى أرفع أو أسمى، فهي عملية تحويل الطاقة النفسية من ميدان وجهة إلى ميدان أخر أكثر قبولاً في الإطار الإجتماعي. فالشخص الذي يشعر بالدافع العدواني قد يتسامى في الواقع ويرفع من هذا الدافع إلى أعمال إجتماعية معقولة ومقبولة مثل الصيد أو المصارعة. والشاب الذي يرهقه الدافع الجنسي ولا يستطيع إشباعه قد يلجأ للفن والرياضة ويتفوق فيها. وبالتالي فهذه الحيلة النفسية غالباً ما تساعد الأفراد، وقد تكون حلاً مؤقتاً وقد تصبح توجهاً دائماً، وليس معنى هذا أن كل ملاكم أو مصارع أو فنان هو بالضرورة يمارس ما يمارس كدفاع تسامي وإعلاء.

9- النسيانForgetfulness :
حيلة نفسية دفاعية يلجأ إليها الفرد للتخلص من الدوافع غير المقبولة، والرغبات التي إستحال تحقيقها، والذكريات المؤلمة، فتختفي إختفاءاً تاماً عن وعي الفرد وإدراكه ويزول ما كان يمكن أن يترتب عليها من سلوك، فقد ينسى الإنسان موعداً مع شخص لا يود في قرارة نفسه أن يراه، أو ينسى أسم شخص يكرهه، وقد يتسع نطاق النسيان ليشمل حياة الفرد الماضية كلها أو أجزاء منها. وقد يصل لحد مرضي. والنسيان الذي يعتبر حيلة دفاعية ويحدث نتيجة الكبت، يختلف عن النسيان العادي، الذي يحدث في حياتنا اليومية، نتيجة ضعف بعض الخبرات وزوالها تلقائياً من الذاكرة. أو بسبب كثرة الأنشطة التي يقوم بها الإنسان، ومن الممكن إن يسترجع هذه الخبرات، أما النسيان الناتج عن الكبت فهو حيله دفاعية هروبيه لا شعورية وليس من السهل تذكر ما كبت إلا في ظروف خاصة أو بعد المعالجة النفسية.

10- التحويل Replacement :
نوع من الحيل النفسية تواجه من خلالها القلق، والتوتر، والخوف من نطاق الشعور بواسطة عراقيل الصراعات الداخلية أو الدوافع المكبوتة إلى منافذ خارجية موضوعيه، منها ما هو عرض جسمي، يعبر عنه بصوره رمزية استعارية، ومنا ما يتضمن تحويلاً فسيولوجياً، يعبر عنه في صورة وظيفية، ومنها ما يظهر على شكل تعبير سلوكي في صورة عدوان، لا ينصب على الأشخاص أو الأشياء التي أثرته بل تتحول من مصدر الإحباط لتصب على شيء أخر يجده في طريقة، كالتلميذ الحاقد على أبيه فيحول هذا الحقد إلى مدرسية أو سائق الباص.

11- الإنسحاب Withdrawal :
وهي حيلة هروبيه دفاعية نفسية تهدف إلى إزالة التوتر والألم الناتج عن مشكلة معينة مع إشباع الفرد لحاجاته، وتكون عن طريق الإبتعاد والإنسحاب وتجنب المواقف التي سبب الفشل، أو التي تؤدي إلى النقد أو العقاب، فيصبح الميل إلى العزلة والوحدة والخجل وسيلة أو حيله يتجنب بها الفرد الإحباط الإجتماعي ومشكلات الحياة وعقبات التعامل مع الأخرين. وتعتبر هذه الحيلة من الحيل الصعبة، لأنها قد تكتشف، فالشخص يبدو كأنه هادئ ويعتقد مدرسية وأسرته أنه مؤدب ومحترم، وقد تصبح نمطاً في شخصية الفرد ولا يسعى لتغيره.

12- تكوين الإستجابة المضادة Reaction Formation:
أحد الحيل النفسية الدفاعية اللاشعورية التي يلجأ إليها عقل الإنسان ألياً، كي يصون الفرد ذاته، ويبقى على ما عرفت عنه من خلق كريم، ويحدث ذلك يعتبر الإنسان استجابة غير مقبولة إجتماعياً، تتعارض مع الصفات التي يحرص الفرد على الظهور به. وعادة ما تقترن هذه الحيلة مع الكبت، ومثال على ذلك ما تلاحظه لدى الطفل الذي ينزعج من ولادة طفل أخر في الأسرة، ويتمنى لو أنه لم يولد، ولكن هذه الفكرة تثير القلق وغير مقبولة، وينزعج منها الوالدين، تجده يبالغ بالإهتمام بالمولود الجديد، وكذلك حال الموظف الذي يحمل كراهية لمديره، فيبالغ في اللطف معه والمجاملة إتقاءاً لشره.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 2065 – الصحة النفسية

12

همسات نفسية – 2065 –
الصحة النفسية

الصحة النفسية كمفهوم من المفاهيم النفسية شأن مفهوم الصحة العامة، ينظر إليه على أنه منتهى ما يصل إليه الفرد من خلال سلوكه وتفاعله في الحياة مع من حوله، وعلى هذا فهو منتهى طريق طرفه الأخر هو المرض النفسي، فالشخص الصحيح نفسياً هو الشخص الذي يعي دوافع سلوكه، مؤثراً في البيئة من حوله بفعالية أو موجهاً للمثيرات المختلفة الواقعة على الأخرين، ومهيئاً لهم الفرص للاستجابة بطريقة تكيفيه حيثما يواجه مواقف حياتيه تستدعي ذلك.
لا يمكن فهم الصحة النفسية كمفهوم إلا بالرجوع إلى مفهوم إضطراب الصحة النفسية تماماً، كما نقول إن مفهوم الصحة البدنية والعقلية لا يستطيع تصوره إلا إذا علمنا باضطراب الصحة البدنية والعقلية، فاللون الأبيض يدرك جيداً على خلفية سوداء، الشكل والأرضية بمعنى أنهما شيء واحد ولكنهما مختلفان ويصف المرء نفسه عادة بأنه في أحسن حاله صحية، أي أنه لا يعاني من أية إضطرابات.
وعلى هذا فإن علم الصحة النفسية هو الدراسة العلمية للصحة النفسية ويستهدف مواجهة الإضطرابات النفسية والعقلية بمختلف أنواعها وأشكالها، ولهذا العلم جوانبه النظرية والتطبيقية والوقائية:
أما الجانب النظري فيهتم بمعرفة الكيفية التي يمر بها السلوك السوي والعوامل التي تجعله ينحرف عن مساره، ويخرج إلى حدود اللاسواء أو الانحراف، أما الجانب التطبيقي فهي بالاستفادة من الوسائل والطرق التي يتوصل إليها الجانب النظري في تقديم العون والمساعدة المهنية للمرضى وتقديم العلاج المناسب لهم.
في حين يعتمد الجانب الوقائي على تقديم الإستشارة لمن يحتاجها، ومساعدة الأفراد في مواجهة المشكلات التي تعترض سبيل تقدمهم وتعيقه، سواء في الحياة الأسرية أو الحياة المهنية أو الحياة الإجتماعية، بمعنى أن هذا الجانب من الصحة النفسية يتعامل مع الأسوياء أو العاديين لحمايتهم وتحصينهم ضد الوقوع أو التعرض للمشكلات.

معنى الصحة النفسية
للصحة النفسية تعريفات عديدة يمكننا حصر هذه التعريفات في اتجاهين رئيسين: الاتجاه الإيجابي، والاتجاه السلبي.
1- الاتجاه الإيجابي: يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الصحة النفسية قدرة الفرد على التوافق مع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيه، ويؤدي هذا إلى التمتع بحياة خالية من الإضطرابات مليئة بالحماس، حيث يعتبر هذا الفرد في نظر الصحة النفسية شخصاً سوياً.
2- الاتجاه السلبي: يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الصحة النفسية هي الخلو من أعراض المرض العقلي أو النفسي لأن هذا لا يشمل جميع حالات الصحة النفسية، فقد نجد فرداً خالياً من أعراض المرض النفسي لكنه غير ناجح في حياته وعلاقاته بغيره من الناس، سواء في العمل أو الحياة الإجتماعية أو الحياة الأسرية فهو إذاً غير متكيف.

ومنظمة الصحة العالمية تـُعرف الصحة بأنها حاله من الرفاه الجسدي والنفسي والإجتماعي ونوعية الحياة التي يعيشها الفرد.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 2064 – الإضطرابات النفسية لدى المراهقين

12

همسات نفسية – 2064 –
الإضطرابات النفسية لدى المراهقين

من المعروف أن العديد من الإضطرابات النفسية تبدأ في هذا العمر مثل الرهاب الاجتماعي وإضطراب المزاج مزدوج القطب ولكن عادة ما يطمئن الناس أنفسهم أن هذا سيزول مع العمر ولا يعالجوه، مما يؤخر في اكتشاف الإضطرابات المؤثرة على حياة المراهق، وقد توقفه عن اكمال الدراسة في المدرسة أو الالتحاق بالجامعة.
ويعتقد البعض أن الاضطرابات النفسية يجب أن تحدث في الكبار، ولا تحدث لا في الأطفال ولا المراهقين وهذا غير صحيح.
هناك مشاكل لدى المراهقين مثل سوء التكيف وضعف العلاقات الاجتماعية والتي يمكن مساعدتها من المرشدين في المدارس والأسرة وهذا يحمي المراهق من الوصول للمرض.
استمعوا للمراهقين وحاولوا فهم شكواهم دون سخرية ولا ردع ولا تضخيم، واستشيروا أهل الاختصاص عندما يلزم.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان