أرشيف المقالات: مقالات

همسات نفسية -2089-

12

همسات نفسيه -2089-
الحزن والاكتئاب

إن الشعور بالحزن من متطلبات حياة الإنسان ، ولا بد لكل فرد من بني البشر أن يمر بلحظات أو ساعات وأحياناً بأيام أو بأسابيع من الشعور بالحزن والهم والغم والنكد لسبب أو لآخر ، فهذا حزين لأنه رسب في امتحان وذاك خسر في تجارة ، وفلانة تبكي فراق زوجها الذي توفاه الله ، وفلان قد هبطت معنوياته لأن الفتاة التي أحبها لسنوات قررت الزواج من غيره ، هذه الأمثلة وغيرها الكثير الكثير قد يمر بنا جميعاً دون استثناء ، ومن الملاحظ في مشاعر الحزن أن تبدأ بحدث أو ظرف معين وتتصاعد معه وما تلبث أن تخف وتتلاشى في فترة تتراوح من ساعات إلى بضعة شهور ، ومن المألوف أن الحزن لا يستمر على نفس الشدة ولا يعطل حيـاة الإنسان ، ولكن الاكتئاب يختلف في النوع والكم والتطور ، وقد يبدأ حزناً عادياً ويتطور للاكتئاب ، ولكنه كثيراً ما يبدأ اكتئاباً دون مقدمات وأسباب للحزن ، ومن الممكن أن يتحول الحزن الطبيعي المقبول إلى اكتئاب في أية لحظة ، ومثال على ذلك الإنسان الذي يفقد شخصاً عزيزاً عليه ، ويمر بمراحل حسرة الحداد ، وفي المرحلة الأولى يكون في صدمة ولا يصدق ما حدث ، ثم يدخل في المرحلة الثانية من البكاء والحزن ، والشعور بالفقدان ، ويفترض في هذه المرحلة أن تنتهي بعد أسابيع أو شهور ليدخل الإنسان في مرحلة التأقلم مع الحدث والتعايش معه ، ولكن البعض لا يستطيع ذلك وقد يدخل في المرحلة الأولى أو الثانية في الاكتئاب النفسي ، وتبدأ مظاهره المختلفة ، وتتغير مسيرة حسرة الحداد .
ولو أخذنا مثلاً للتفريق بين الحزن والاكتئاب كأن يفقد شخصان كل ما يملكان بحادث سطو مسلح ، وبالتأكيد سيكون الحزن والقنوط ملازماً لهما ، وقد يصلان إلى اليأس ، ولكن إذا كان أحدهما لديه الاستعداد للاكتئاب النفسي فإنه سينتقل من الحزن إلى الاكتئاب ، فإذا حدث بعد بضعة أسابيع أن تم إستعادة كل ما فقداه ، فإن الأول الحزين ، والذي لم يطور اكتئاباً تنتهي مشكلته بعودة ممتلكاته ، وسيحتفل ويبتهج ، أما الثاني الذي أصبح في حالة اكتئاب ، فإنه بعد عودة ممتلكاته ، سيبقى مكتئباً بائساً ، بل قد يزيد اكتئابه ، لأنه رغم زوال السبب لم يتغير شعوره وبدأ يطور أفكاراً اكتئابية ، بأن ما حدث يمكن أن يتكرر وما فائدة الحياة إذا كان للإنسان أن يتعرض لمثل هذه المواقف مستقبلاً ؟ حتى أنه بعد ذلك قد يصبح زاهداً في هذه الثروة التي انتظرها طويلاً أو غضب لفقدانها ولكن بعد عودتها إليه لم يكن قادراً على التعايش الطبيعي معها، فقد تحول الحزن إلى اكتئاب ، وما يعنيه هذا من حدوث نقص في الناقلات العصبية الكيماوية في المشابك العصبية المسؤولة عن المزاج في الدماغ .
ومعظم الناس تخلط بين الحزن والاكتئاب ، فإذا علم أحدهم أن صديقه مكتئب يرفض الأمر ، ويحاول إقناعه بأنه شخصياً قد تعرض لأسوأ من حالته عندما فقد ابنه أو عندما خسر تجارته ولكنه تخطى ذلك ، ويتساءل عن مبرر للإكتئاب لدى صديقه ، دون الإدراك أن الاكتئاب ليس بحاجة لمبرر وان ما تخطاه هـو كان حزناً وليس اكتئاباً ، ولا بد من التفريق بينهما ، وإذا كان الحزن الطبيعي يكدر حياة الإنسان مؤقتاً فالاكتئاب مرض لا بد من معالجته ، وتبعاً لمنظمة الصحة العالمية فإنه من الأمراض الشائعة جداً القابلة للعلاج.

همسات نفسية -2088- الاكتئاب في القرآن الكريم والأدب

12

همسات نفسيه -2088-
الاكتئاب في القرآن الكريم والأدب

ظهرت اللغة العربية في البلاد التي تمتدُ بين البحر الأحمر والمحيط الهنديّ ، وخليج العرب ، وخطٍ وهمي يتجه شرقاً من رأس خليج العقبة حتى الفرات ، وتسمى تلك البلاد شبه جزيرة العرب، كما تسمى الجزيرة العربية توسعاً .
لقد وصلت اللغة العربية إلى عصر الأدب الجاهلي مزودةً بمحاسن لغات عديدة وحضارات كثيرة ، تستطيع التعبير عن كل شيء مما دقّ وسما ، وتستطيع الإفصاح عن خلجات النفوس ولواعج الصدور وتصوير المناظر والخواطر ، وما أن ظهر فيها القرآن حتى ثبتها وعمل على حفظها ، بالرغم من تقلبات الأيام وأحداث الزمان .
تمتاز تلك اللغة بأنها اعرابية فيها ضروب من النحت والقلب والترادف ، وأنواع من المجاز والكناية وما أشبه . وقد قال عنها المستشرق الكبير بروكلمن: “تمتاز لغة الشعر العربي بثروةٍ واسعة في الصور النحوية ، وتعد أرقى اللغات الساميّة تطوراً من حيثُ تركيباتُ الجمل ودقة التعبير ، أما المفردات فهي غنيةٌ غنىً يسترعي الانتباه ، ولا بدع فهي نهرٌ تصب فيه الجداول من شتى القبائل” .
ومع ذلك فقد أصرّ المحافظون من أدباء العرب على أن اللغة العربية هي بأصولها لغة فطرية ، أي ما أطلقه لسان البداوة ببيان تلقائي ودون صناعة ، وإن كان ذلك هو الحال فإن نتاج اللغة الفطرية ومحتواها ، لا بدّ أن يكون مكنونات العواطف المزروعة في النفوس والخارجة مع أنفس الناس .
وكما سيأتي ذكره ، فإن الحزن تجربةٌ إنسانية شمولية وعالمية . فكيف يكون الأمر لدى العرب والذين تقوم حضارتهم على اللغة والتعبير أساساً . ولذلك جاء ديوان العرب (الشعر) مكتظاً بمصطلحات كثيرة ، تؤكد ممارستهم لعاطفة الحزن بل والتفنن في وصفها وتعيين أعراضها .
وإذا كان الاكتئاب مشقةً بيولوجية مقررة نسبياً في نفوس المكتئبين كما أتت به العلوم الحديثة ، فلا أدل على ذلك من نص الخالق عز وجل في سورة البلد ” لقد خلقنا الإنسان في كبدْ” ، وكبد هنا تعني المشقة والتعب وإرهاق النفس . هي على ذلك مشقة مخلوقة تأتي عند الشخوص المختلفين في أوقات مختلفة ، وفي تعبيرات مختلفة كذلك ، ولعل أهم هذه التعبيرات هي ما مضمونه الحزن والاكتئاب .
وهذا الكتاب المعجزة جاء إعجازه لغوياً لمحاكاة الحضارة السائدة لدى العرب، وحضارتهم هي بمجملها لغوية ، هي باختصار حضارة كلمة ومفردة . من هنا جاء تأثير البيان الفصيح على قلوب الناس ومواقفهم . في معركة أحد مثلاً حيث الهزيمة لأصحاب الرسول عليه السلام جاءت الآية الكريمة : (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون) بحديث دقيق يستشعر حالة المهزومين النفسية “الحزن” بل ويُتبعها بـِ “وأنتم الأعلون” كتعبير يمثل واحداً من أهم مبادئ العلاج النفسي الحديث ، رفع المعنويات واسترجاع القيم المكسورة “Restoration of Morale” فكأنه يذكرهم هنا بإنجازاتهم ورفعتهم وما قد أبدعوه سابقاً . ويقول إذا كانت تلكم هي مواصفاتكم فالخسارة معوضة وإمكانية الانتصار الجديد موجودة متاحة ، وهنا يأتي صراحةً توجهٌ نحو العلاج المعرفي ومنطقة الأمور وإخضاعها للعقل “Providing a rationale” . والأمثلة في كتاب الله الكريم غنية غنىً يجهض الحصر .
وجاءت أوراق العرب الشعرية مليئة بالحزن ، والغريب أن مصطلح “اكتئاب” حديث العهد بدلالته على الاضطراب النفسي الشهير مجال كتابنا قد جاء نصاً في شعر بعض الشعراء ، حيث مجنون ليلى الشاعر العذري يقول : –
وأمطر في التراب سحاب جفني
وقلبي في همومٍ واكتئابِ
ويشاركه في ذلك سبط بن التعاويذي : –
في برزخٍ منها أخاً كمـــدٍ حليـف كآبتين
أسـوان لا حيٌ ولا ميتٌ كهمزةٍ بين بينِ
أما “الكآبة” فهي شائعةٌ كمفردة عنت لشعراء العرب حالة طويلة المدى من الحزن ، فكأنهم كما سوف يلي يتحدثون عند ذكر “الكآبة” عن صفة حزن لا عارض حزن .
يقول “ذي الرمّة” : –
ومستبشراً تبدو بشاشةُ وجهه
إلينا ومعروف الكآبة عابسُ
وبنفس الفكرة يخاطب أبو نواس أحد المكتئبين : –
يا مثالاً من همومٍ يا تباريحَ كآبة
وأوس بن حجر يتعرض إلى حالة شديدة من الحزن ويذكر الكآبة: –
فلم أرَ يوماً كان أكثر باكياً
ووجهاً تُرى فيه الكآبة تجنبُ
كذلك فإن الاكتفـاء بالحزن والبكاء وعدم الاستفادة من العظة والتذكير ورفع المعنويات هي من مميزات الاكتئاب الشديد ، يقول أبو تمام في ذلك : –
متى يُرعي لقولك أو ينيبُ
وخِدناهُ الكآبة والنحيبُ
وانظروا إلى البحتري هنا وهو يصف دوام حالة الكآبة على طول أوقات اليوم وساعاته: –
يتظنى من الكآبة إذ يبـ
دو لعيني مصبحٌ أو ممسي
ويضيف أيضاً في غير موضع : –
واستشفعت بدموعها ودموعها
لُسنٌ متى تصف الكآبة تسهبِ
ورغم إستعراضنا لمجمل شعر العرب في الكآبة ، إلا أن أبا تمام بقدرته البلاغية الهائلة قد استطاع أن يجمع مواصفات كافية لتشخيص الكآبة في بيت واحد : –
هبي تري قلقاً من تحته أرقٌ
يحدوهما كمدٌ يحنو له الجسدُ
والأمثلة الأخرى كثيرة .
ولكن لواعج النفس الناتجة كردات فعلٍ لنوائب الدهر وصروف الزمان أخذت ألفاظاً أخرى متنوعة كالحزن والهم والأسى والكمد وغيرها . وحسرة الحداد (Grief reaction) هذا الحدث المتكرر في حياة البشر جاء ليصبغ نوعاً رئيسياً من شعر العرب ألا وهو شعر الرثاء. فالعرب على هذا أفردوا لحزن الفراق والحداد باباً كبيراً من أشعارهم وسكبوا دموعهم لغوياً على أوراقهم الخالدة.
هاهي الخنساء (الرثاءةُ العتيدة) ترثي أخاها صخراً بكلمات من حسرة : –
قذىً بعينيك أم بالعين عوّار
أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدارُ
وعنترة بن شداد ، لم تردعه خشونته وقسوته وشجاعته أن يطلق عاطفة الحزن عند مقام الموت : –
حين قالوا زهير ولى قتيلاً
خيم الحزنُ عندنا وأقاما
وهناك ظاهرة غريبة في تاريخ شعر العرب ، ألا وهي ظاهرة “الشعر العذري” ، ذلك أن جموع “بني عامر” القاطنين في نقاء البادية لم يبرحوها ولم يختلطوا بمناقب المدينة والحاضرة . فكان أن انصرفوا إلى مشاعر أنفسهم واختلاجات صدورهم ، ولم يكن شيء يستطيع أن يملأ تفاصيل حياتهم الفطرية الخالية من التعقيدات سوى الحب . وبما أن النفس بطبيعتها هي شبكة متداخلة، متناهية التعقيد ، صعبة التأويل فلا بد أن يبحثوا عن هذا التداخل والتعقيد لدى شيئهم الوحيد الذي يملأ حياتهم ألا وهو الحب ، فهم ببساطة قد سعوا نحو تعقيد حبهم ، ذلك أن الواحد منهم كان قادراً تمام القدرة على أن يظفر بمحبوبته ويقترن بها وينالها معنوياً وجسدياً ، ولكن هيهات ، إذ أن الأمور إذا سارت على هذا النحو من البساطة والمباشرة فكأنها تسلب شاعرنا العذري بضاعته التي يقتات عليها ويعيش ألا وهي “الحزن” . إنه هو بذاته قيس بن الملوح (مجنون ليلى) ، أو جميل بن معمر (جميل بثينة) ، أو أي من مجانين الحب العذري الذي يضع العراقيل ، ليُمنع من الارتباط بمن يحب ، كان الواحد منهم يحب الفتاة فيتغزل بها ، فيفتضح أمرها ، فإذا خطبها إلى أبيها ردّه خائباً مخافة التعيير لئلا يقال زوَّجَها له ستراً لعارها . وهذا ما يدعو العاشق إلى الإجتماع بحبيبته سراً على غرّة من أهلها ، حتى إذا عرفوا بأمره تشددوا بحجبها وشكوه إلى الوالي ، فيهدده ويتوعده ، ثم يهدر دمه فيهرب هائماً على وجهه ، يجوب القفار ، وينشد الأشعار حتى يأتيه الموت وينتهي عذابه المحبب والمطلوب .
يقول جميل بن معمر : –
لاحــت لعينــــك مـن بثينة نارُ
فدمــــــوع عينــك درةٌ وغــزارُ
والحب أولُ مــــــا يكون لجاجةً
تأتــي بــه وتسوقــــه الأقــدارُ
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى
جاءت أمـــورٌ لا تطـــاق كبـــارُ
مــا مــن قريــن آلــفٍ لقرينها
إلا لحبـــل قرينهــــا إقــصــارُ

والبيت الأخير يبين صراحةً وجهة نظر الشاعر من الزواج ، فهو إقصار للوعة الحب ووهجه وهذا ما لا يريد وما لا يطيق .
على ذلك فإذا كانت حسرة الحداد وما ترافق معها من حزن وتعب وإضطراب هي ظاهرة طبيعية لفقدان يصنعه القدر رغماً عنَّا، فإن العذريين يشيـرون باضطراب لديهـم إذ أنهـم يبكـون فقداناً هــم صنعـوه بأيديهـم ، وهـذا يتفق مـع المواصفـات الحديثـة لاضطـراب فـي الشخصيـة – الشخصيـة المؤذيـة لنفسهـا (Self Defeating Personality Disorder) ، ولكن التحفظ على هذا التشخيص بالأثر الرجعي هو أن الشخصيات تتبعُ منحنى التوزيــع الطبيعي لدى المجتمعــات ، فلا يعقل أن تصاب قبيلة كاملة باضطراب شخصية واحد مما يرجح أن هذه الظاهرة تمثل اضطرابـاً مرتبطاً بالثقافــة ومبرراً نسبياً بما قدمنا سابقاً (Cultural Bound Syndrome) .
بعض الشعراء من قدم حلولاً ذاتية لمشكل الحزن وانصرف إلى شرب الكحول للخلاص من هموم نفسه (Self-Medication Model)، وهذا يدلل على إرتباط تاريخي بين الاكتئاب وتعاطي وإدمان الكحول والذي تؤكده الدراسات الحديثة (Comorbidity) والأمثلة نراها لدى أبي نواس الشاعر الماجن : –
قــم يـــا خليلي إلــى المــدام لكي تطرد عنّــا عساكـر الحزنِ
ويقول أيضاً : –

إذا خطرت فيك الهموم فداوها بكأسـك حتى لا تكون هموم

على الجانب الآخر ، نرى طريقة أخرى للتشافي من الحزن لدى الشعراء الفقهاء ، وهي نظرة ترتبط بالالتزام الديني الداعي للاتكال على الله وإثلاج القلوب بطمأنينة ، وهاهو صاحب المذهب الإمام الشافعي يقول : –

ولا تخطر همومُ غدٍ ببالي فإن غداً له رزقٌ جديدُ

ويرى بعضهم أن هموم الحياة هي ملهم الإبداع ومفتاح توقد الإنتاج والأخطل أحدهم : –

وقد تبيتُ هموم النفس تُبعث لي
منها نوافذُ حتى أعمل الجملا

وبين هذا وذاك تأتي نظرة الشعراء الحكماء الذين صقلتهم التجارب وعاركتهم الحياة ، ومثالنا الأوضح “مالئ الدنيا وشاغل الناس″، أبو الطيب المتنبي حيث يقول : –

لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً
ولا أبيت على ما فات حسرانا

والمتنبي هذا “النجم المستمر” كان موضع بحث غني وتمحيص وتأويل غنيين حتى عصرنا هذا ، ذلك أن أبا الطيب نفسه كان غنياً في كل شيء : شخصيته المتراوحة ، حياته المخضبة بالخطوب ، وشعره المتطاول معنىً والمتجدد لفظاً وأسلوباً على شعراء زمانه . وهـذا الأخير يفتح شهية الباحثين على الغوص في غمار شعره وحياته . لقد كان شعر المتنبي شديد اللصوق بشخصيته ، فكان صورةً لنفسه في كل أحوالها: في مجازفتها وتقديسها للقوة ، في صبرها وأنفتها ، وفي تموقعها بين الثورة والتشاؤم وبين الاعتداد والحزن.
وقد علق الدكتور طه حسين في كتابه “مع المتنبي” بأن قراءة ديوان المتنبي تعطي الانطباع بأنه مكتئب ، ضحك مرة واحدة في حياته ، بل إن بعض الباحثين قد طبق المواصفات العالمية المتبعة لتشخيص الاكتئاب على شعره وتجرؤوا على تشخيص شاعر العرب وعلى بعد ألف عام ونيف من وفاته “بالاكتئاب” .
لماذا لم تمنع نظرته الموضوعية إلى الحياة المذكورة سابقة إصابته بالاكتئاب ؟؟ بل لماذا لم تفده حكمته البالغة ولم تمنحه مناعة الصحة النفسية ؟ ، إن هذا تأكيد لمساهمة البيولوجيا والتأهيل الشخصي المطروحة الآن في التسبب بالاكتئاب .
لقد تحدث صراحة عن هبوط المزاج : –
الحزن يقلق والتجمل يردعُ
والدمعُ بينهما عصيٌّ طيعُ
وتمنى الموت غيرَ مرة : –
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
ولقد ملّه الفراش وأعياه القلق :
أرقٌ على أرق ومثلي يأرقُ
وجوى يزيد وعبرة تترقرقُ
والمتنبي الخالد يشكو من النحول وفقدان الوزن : –
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ
لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ومخاطبته كافية ، كافية جداً .
إننا نحبذُ أن يلتصق الاكتئاب كتشخيص بشخص المتنبي ، وكفى بالاكتئاب فخراً أن يكون المتنبي صاحبه ، ولا ندري ما سيكون عليه الحال لو كانت مضادات الاكتئاب موجودة في عصره؟؟؟ . سؤال لنا ولكم .

همسات نفسية – 2087 – الاكتئاب عبر العصور

screen-shot-2015-11-15-at-11-03-43-pm

همسات نفسية -2087
الاكتئاب عبر العصور

يعدُّ الاكتئاب أقدم الأمراض النفسية وقد ورد وصف لأوضاع تشابه ما نشخصه اكتئاباً في عدد من النصوص القديمة الدينية والدنيوية.
وصف أبقراط (أبو الطب) 460-377 ق.م المالنخوليا Melancholia كأول وأهم الأمراض العقلية وأوسعها انتشاراً ، وعزا ذلك الى اضطراب في التوازن بين سوائل الجسم ، وقد قال إن السوائل الجسمية هي مجموع خليط أربعة سوائل : السوداء والصفراء والحمراء والنخامية ، وتغلب السوداء على الأخريات في حالة المالنخوليا ، بينما أضاف جالن (Galen) بعد ذلك أن اختلاط السوداء بالصفراء وتزايد الاثنين يؤدي إلى حالة اضطراب المزاج .
وقد وصف ابن سينا العديد من حالات المالنخوليا أو مرض العشق وكيفية علاجها .
وفي العام 1621 نشر الطبيب الانجليزي روبرت بيرتون Robert Berton كتابه Atanomy of Melancholia The الذي عدَّ فيه هذا المرض مرضاً عالمياً .
في القرن التاسع عشر أصبح “الاكتئاب” يحتل موقعاً مركزياً في أعمال كبار الأطباء النفسيين ، أمثال كريبلين Kraeplin ويسبرز Jaspers وفرويد Freud وشنايدر Schneider ، حيث ساهمت كتاباتهم والتي امتد بعضها إلى أواسط القرن العشرين في وضع البذور الجنينية لفهم ظاهرة الاكتئاب .
في النصف الثاني من القرن العشرين ازداد الاهتمام بدراسة هذا المرض للدرجة التي جعلت كاتباً مثل كليرمان Klerman 1979 يقول إن هذه الفترة يمكن أن تسمى عصر المالينخوليا Age of melancholia .
واليوم يعتبر الإكتئاب من المشاكل الصحية الرئيسة ، وتخصص الدول والشركات والمؤسسات الأكاديمية جزءاً مهماً من برامجها لمواجهته ، حيث تقدر منظمة الصحة العالمية أنه في العام 2020 سيكون الاكتئاب ثاني أكبر مسبب للإعاقة في العالم بعد أمراض القلب.

همسات نفسه -2086- الاكتئاب –تقديم

12

همسات نفسه – 2086
الاكتئاب –تقديم
Depression

وجد المرض النفسي ووجدت اضطرابات السلوك بمختلف أشكالها عبر العصور ، ولكونه غير محسوس فقد دار في دهاليز الأساطير والمؤثرات الخارجية على الإنسان من الآلهة والأرواح والشياطين وغيرها ، وحتى الآن ما زالت الحيرة بين الناس قائمةً حولَ علاقة الأمراض النفسية بالروح وأين هي من العقل والذكاء والتفكير والدماغ ، وما هو المزاج ، وهل يمكن تحديد مكانه ، داخل الجسم أم خارجه ، هذه الحيرة أربكت المجتمعات البشرية ، وتاه المريض النفسي في دهاليز عجيبة ، ففي البلاد العربية لم يُعرف الطب النفسي الحديث إلا مؤخراً ، ولكنه ما زال قاصراً عن إتمام عمله ، فإقبال الأطباء على هذا الإختصاص ليس كبيراً ، وثلاثة أرباع مرضى الاكتئاب مثلاً قد لا يصلون أبداً إلى الطبيب النفسي ، ولا زال المرض النفسي يعني الجنون في تفكير المواطن العربي ، وهناك أعداد كبيرة من المصابين بالاكتئاب يترددون على المشعوذين ، ويراجعون الأطباء من إختصاصات أخرى أو الأطباء العامين ، وكثيراً ما يفلت الاكتئاب من التشخيص في مراكز الرعاية الصحية الأولية ، وإذا شخص فإنه يعالج على الأغلب من قبل الطبيب العام بطريقة مبتورة ، ولا ننسى أن ثلاثة أرباع المنتحرين يعانون من الاكتئاب ، وكذلك نصف من يحاولون الانتحار أو يؤذون أنفسهم ، ناهيك عن العواقب المالية والاجتماعية والأسرية التي يؤدي إليها الاكتئاب.
لا بد من التأكيد على أن النفس هي جزء من الدماغ ، ولا علاقة لها بالروح ، والنفس هي من أعظم ما أبدع الخالق ، فالخلايا العصبية وهي بالمليارات تعمل كهربائياً وتتشابك بعضها مع بعض عبر سلسلة من المشابك العصبية ، التي تمرر المعلومة العصبية بطريقة كيماوية ، وقد تقوم الخلية العصبية الواحدة بالاتصال بآلاف الخلايا الأخرى ، وتستخدم عشرات المواد الكيماوية كناقلات عصبية كيماوية ، تفرز من خلية في المشبك وتنتقل إلى المشبك الآخر ، لتوصل تأثيرها قبل أن يتم التخلص منها أو إعادة تجميعها لاستعمالات قادمة . والشبكة الهائلة من الخلايا والمشابك والناقلات العصبية الكيماوية ، هي المسؤولة عن أحاسيس الإنسان وانفعالاته وتفكيره وإدراكه ومشاعره وسلوكه وأوهامه ونشاطه ونومه وشرابه، وغيرها من الوظائف التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية. ولا بد من التأكيد أيضاً على أن الأمراض النفسية يحدث فيها اضطراب في هذه المراكز الهامة في الدماغ ، وهذا الاضطراب قد يتعلق بنشاط الخلية وإفرازها للناقلات العصبية بزيادة أو نقص ، أو عدم قدرة الخلية على استقبال الرسائل كيماوياً وفهمها وعملها ونقلها حسب الأصول ، وهذا لا يختلف عن معظم أمراض البشر إلا أنه أكثر تعقيداً ، فلا فرق بين الاكتئاب والسكري من الناحية الطبية إلا أن الاكتئاب يمكن التخلص منه ، ولكن من الصعب التخلص من السكري ومضاعفاته الكثيرة ، ولا بد من أن تتوسع قاعدة الثقافة النفسية بما يخدم مصلحة الإنسان وصحته وحياته ، ومصلحة المجتمع واستمرار تقدمه وتنميته ، وهناك حقائق لا بد من وضعها في الإعتبار وهي أن 340 مليون إنسان في العالم يعانون من الاكتئاب النفسي ، وهذا يشكل 10% من سنوات العطاء في أنحاء العالم .

همسات نفسية-2085- الكذب عند الأطفال

12

همسات نفسيه-2085-
الكذب عند الأطفال

ان للوالدين دور أساسي في زرع الصدق عند الأطفال بالقدوة الحسنة، فتحلي الوالدين بالصدق هو المثال الأول الذي يفهمه الطفل. ومع مرور الوقت لا بد أن يعرف الطفل مفهوم الصدق والأمانة خلافا لمفهوم الكذب، كما أنه من أسس التربية تعليم الطفل كيفية التعامل مع المشاكل من دون اللجوء لإخفاء الحقائق أو الكذب المباشر. هذا بالإضافة إلى أن يتعلم الطفل أن الكذب هو ليس الطريق الصحيح للهروب من المتاعب والمآزق.

الكذب من عمر 2-4 سنوات
في هذا العمر لا يكون الطفل قد استوعب الفرق بين الكذب والحقيقة بدقة ولا التفريق بين أحلام اليقظة والرغبات والخيال، وإذا ادعى الطفل في هذا العمر أن أخته قد أخذت لعبته فلا يجب أن تكون الإجابة أنك تكذب وأنك قد فقدت اللعبة في الشارع. بل يتم تبسيط الموضوع أذا كانت الأخت قد أخذتها فعلا انه كانت تنوي ا للعب قليلا وإعادتها. وإن كان قد فقدها في الشارع فهذا هو الواقع ولا علاقة لأختك بذلك. ويجب الحذر من عدم وضع عنوان “كذاب” للطفل غي هذا العمر ومع الوصول للرابعة من العمر وما يليها، يبدأ التوضيح للطفل أن ما قلته ليس صحيح وهذا لا يجوز دون الإسهاب في الشرح، وممكن القول إن هذا حرام.
الكذب من عمر 5-8 سنوات
في هذا العمر يكون الطفل قد فهم الكذب ومعناه وقد يستعمله لتجربة ما يمكن ان ينجح فيه، وذلك بما يخص المدرسة والواجبات ومع أن الطفل قد يتمكن من اتقان الكذب ولكن على الأغلب يتم كشفه، وغالبا ما يكون المطلوب من الطفل أكثر من قدرته وتحمله وإذا رأى الكبار يستعملون الكذب فلماذا لا يستعمله؟! وفي هذه المرحلة لا بد من مواجهة الطفل في كل ما يخطئ به سواء الكذب أو أي سلوك غير مرغوب ويجب أن يتم ذلك بهدوء ودون انفعال يتم توضيح التصرف الخاطئ وما هو البديل الصحيح، ويكون هذا من قبل الوالدين المتفقين الحازمين.
الكذب من عمر 9-12 سنوات
في هذا العمر يبدأ الطفل تحديد هويته وقيمه و أهدافه ضمن المنظومة الأخلاقية التي تزرع به، كما أنه في هذا العمر يصبح الطفل أكثر قدرة على إتقان الكذب ،و يبدأ إظهار مشاعر تأنيب الضمير بعد أن يكذب، و في هذه المرحلة العمرية فإن القصص و الأمثلة عن الأمانة و الصدق و الكذب و بعدها الأخلاقي و الديني يكون مفيدا، كما يصبح من السهل تمييز الكذب الأبيض العابر الذي يقصد منه أحيانا المجاملة، مثل شكر الجدة على الهدية التي لم تعجبه ،و يتم ذلك على وضع الشكر للجدة في إطار واضح يشمل مجاملة الجدة على ما بذلته من مال و جهد في إحضار الهدية ،حتى لو لم تكن ما يريده الطفل، و في هذه المرحلة لا بد أن ينتبه الأهل إلى وضوح الرسائل إلى ما هو كذب و ما هو صدق فالرسائل غير الواضحة تشوش الأطفال.
وفي هذا السن وما بعده فإن العلاقة الودية القريبة مع الوالدين والتي فيها هدوء وإصرار ووضوح وصراحة هي الواقي الأساسي ضد الكذب والكثير من السلوكيات السلبية، وعندما يشعر الطفل ثم المراهق أن بإمكانه أن يكلم والده ووالدته عن عدم حصوله على علامة جيدة أو أن أصدقاؤه قد بدأوا بالتدخين ولا يخاف من ردة فعلهم، فهو يعرف أنهم يستقبلوا هذا الكلام بهدوء وتفهم ويتم ذلك فعلا، فإن هذا يكون التأسيس الحقيقي لإنسان صادق. كما يبدأ الأطفال في هذا السن ثم إلى المراهقة بالتأثر بالأقران وسلوكياتهم الإيجابية والسلبية ولا بد من استعمال العلاقة الجيدة مع الطفل والمراهق لتنبيهه من تقليد السلوكيات السلبية واتباع الإيجابية.
في هذا العمر وما يليه يكون الأطفال معرضين لاضطرابات السلوك بعد ان كانوا معرضين للاضطرابات العاطفية والخوف في سن مبكرة فالخوف يؤدي للكذب، والاضطراب السلوكي قد يؤدي للعنف والسرقة ومخالفة كل التعليمات ويشمل الكذب فلا يكون الكذب منفرد.

العمر من 12-18 سنة
في هذه المرحلة يكون المراهق مدرك لكل ما يقوم به من سلوكيات ويعرف ما هو مقبول أخلاقيا وأسريا ودينيا وما هو مرفوض، كما يعرف ردود فعل الاسرة على كل سلوك ويعي تماما اذا ما كان احد الوالدين او كلاهما يكذب، كما يعرف اذا ما كان من السهل التعامل مع الاسرة بصدق دون الخوف من ردة فعل عنيفة، وبذلك تصبح العلاقة بين المراهق ووالديه هي الأساس في تنظيم الكثير من أمور حياته، ويكون قد تم تأسيس هذا من سن مبكرة ومن الصعب البداء فيه في وقت متأخر من المراهقة.
مواجهة المراهق لأخطائه وسلوكياته السلبية بما فيها الكذب يجب ان يتم بأسلوب هادئ وحازم دون نسيان موضوع القدوة التي يجي ان يتوفر، فالأب الذي يطلب من ابنه الكذب على لسانه بان يجيب فلان على الهاتف بان والده نائم في حين هو يجلس ويتابع التلفزيون لا يستطيع اقناع ابنه ان لا يكذب
في الاسر المضطربة كثيرة المشاكل التي يغيب عنها أي نظام فعال، فان الأطفال والمراهقين يعانون من اضطرابات نفيسة وعاطفية وسلوكية متعددة قد تتطلب المساعدة من المرشدين والمختصين النفسيين
مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -2084- أسباب الانتحار

727139915

همسات نفسية -2084-
أسباب الانتحار

الانتحار ظاهرة إنسانية عالمية وتسجل مديرية الأمن العام في الأردن حوالي 120 حالة انتحار في السنة وهي بالمقارنة بعدد السكان تعتبر من النسب القليلة، فالمعدل العالمي هو 20-40 حالة انتحار لكل 100 ألف من السكان في العام.
وأسباب الانتحار النفسية أهمها الفصام والإدمان واضطرابات الشخصية، وأما الظروف المعيشية والمادية فهي عوامل مساعدة، ومن أكثر المشاعر التي يصفها المنتحرون في رسائلهم (العزلة والوحدة الشديدة) رغم وجودهم بين الناس وأفراد الأسرة.
والتصدي للانتحار يتطلب التعامل مع الصحة النفسية بصورة جدية واعطاءها أولوية في البرامج الصحة الوطنية، كما أن التعامل مع محاولات الانتحار له أهمية كبيرة، فالكثير من المنتحرين كانوا قد حاولوا الانتحار ولم يتم تقييم وضعهم ولا التعامل مع مسببات المحاولة، كما أن عدد لا بأس به من المنتحرين يصرحوا بنواياهم الإنتحارية، ولكن لا أحد يحرك ساكن ولا أحد ينتبه لمساعدتهم.
مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 502 – الإنتحار

20180114194618319

همسات نفسية – 502 –
الإنتحار

من المشاكل الشائعة في العالم الإنتحار ومحاولات الإنتحار، وبالتالي المنتحرين يكونوا قد حاولوا الإنتحار في السابق، كما أن معظم المنتحرين يعلنوا عن نواياهم ولا أحد يحرك ساكن.

الإكتئاب هو السبب الرئيسي للإنتحار وهو مرض قابل للعلاج، والأسباب الأخرى هي الإدمان والفصام وإضطرابات الشخصية، والتصدي للإنتحار ويحتاج للوعي في الأمور النفسية والسلوكية، كما يحتاج للتشريعات وأبسطها تعديل القانون الذي يتدخل في محاولة الإنتحار فقط للتحقق من أنها لم تكن بفعل شخص أخر أو محاولة قتل، ولكن القانون لا يطلب تحويل الذي حاول الإنتحار للطب النفسي، فالأصح ألا يقفل المدعي العام ملف القضية إلا بعد الحصول على تقرير من طبيب نفسي.

إن نشر الوعي لا يعني فقط التعريف بخطورة الأمراض وعلاجها، بل الأبعاد الإجتماعية والدينية لها، على سبيل المثال للمساجد والكنائس دور مغيب في منع الإنتحار.

إن معدلات الإنتحار في الأردن والبلاد العربية كما هي مسجلة والمسجل يشكل جزء من الكل، إن هذه المعدلات بإرتفاع خلال العقدين الماضيين دون أن يحرك أحداً ساكنا ً.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -2083- أسباب الإدمان على المخدرات

drugs-addiction

همسات نفسية -2083-
أسباب الإدمان على المخدرات

تعاطي المخدرات يكون من شقين إنسان له الرغبة والاستعداد للتعاطي وغالباً للمتعة ونادراً للتغلب على مشاكل نفسية وإجتماعية، والشق الثاني هو توفر المواد المخدرة وإمكانية الوصول إليها بشكل متكرر.
إن عوامل التربية والبيئة المحيطة والمجتمع والصداقات ونمط شخصية الإنسان تدفعه للقول: أن أريد أن أجرب ولا أقتنع أن لا أتعاطى دون تجربة ،أو يقول: أنا أريد أن انبسط ولا أكثرت لكل الجهات التي تقول لا تجرب وتحذر من المخدرات ، وعندها يبدأ البحث عن المواد وآثارها مع أصحابه في الجامعة وخارج الجامعة وفي محيط العمل، بالإضافة للاطلاع على معلومات في الانترنت والتي قد تكون مضللة ،ويجرب ويكرر فيدمن وينتقل في إدمانه من نوع لأخر، ويكون لديه الثقة انه قادر على الإقلاع، ولكن عندما يقرر ولا يستطيع الإقلاع ،وتبدأ رحلة التدهور في حياته وعمله ودراسته وعلاقاته الاسرية، وسلوكه يصبح ميال للكذب وأحياناً للسرقة لتوفير المال المطلوب للتعاطي، وهكذا يكون لدينا مدمن جديد.
كل المجتمع وكل المؤسسات مسؤولة مسؤولية كاملة عن مشكلة الإدمان ولا يمكن القول أن الجامعة أو المدرسة أو الأسرة أو أي جهة ليس لها دور، قد تتفاوت الأدوار في كل مدمن ولكنها موجودة دائماً.
ومن جهة أخرى الدولة ومؤسساتها المختلفة والمجتمع مسؤول عن توفير أو عدم توفير المواد المخدرة، وهذه مسؤولية كبيرة لا يستطيع أن يقوم بها جهة واحدة في الدولة.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -2019- الصحة النفسية للأطفال

246953-

همسات نفسية -2019-
الصحة النفسية للأطفال

مقدمة
الطفولة مرحلة هامة في تطور الإنسان وهذا التطور يشمل الجوانب الجسدية والوظيفية والمعرفية والانفعالية، فهناك وقت يفترض ان يتكلم به الطفل ثم هناك توقيت للمشي والحركة ، كما يبدأ الطفل بمعرفة الأشياء التي حوله والمفاهيم المختلفة في أعمار متفاوتة، وهذه المواعيد التي تتوفر عادة على شكل جداول هي تقريبية لأن هناك تفاوت من طفل الى آخر في سرعة الوصول لكل درجة من درجات التطور ، ولا بد للأسرة والعاملين في الرعاية الصحية من الإنتباه إلى هذا التطور، وملاحظة أي تأخر أو انحراف عن مساره الطبيعي، إذ أن هذا الإنحراف أو التأخر يشكل جزءاً كبيراً في التعامل مع الصحة النفسية للأطفال .
ان تقييم الحالة النفسية للطفل لابد أن تأخذ بالإعتبار عمر الطفل، ولا يكون التقييم كالكبار بالأسئلة والاجابات، بل هناك طرق أخرى متعددة مثل اللعب والرسم، والحصول على المعلومات من المدرسة او الروضة، بالإضافة للمعلومات من الأسرة ويفضل أن تكون معلومات من كل الأسرة وليست من شخص واحد كالأم مثلا، فالأسرة تلعب دورا كبيرا في التشخيص والعلاج، لأن الأسرة لها دور في الإضطراب في الكثير من الأحيان.

الإعاقة العقلية
ويقصد فيه أن يكون العمر العقلي للطفل متأخر عن العمر الزمني وهذا يعني تدني معدل الذكاء عن المعدل الطبيعي، فيكون هناك إعاقات عقلية (حدية، بسيطة، متوسطة، شديدة، وشديدة جداً). كما أن هذا التأخر قد يترافق مع اعاقات جسدية أخرى مثل شلل بعض الأطراف، أو فقدان أحد الحواس كالسمع والبصر وعدم القدرة على النطق، وهذا يعني أن الطفل قد أصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة تربوياً وصحياً ونفسيا وهذه الفئة من الأطفال لا بد أن تشخص من قبل الطبيب النفساني، كما أن الإعاقة العقلية تترافق مع العديد من المشاكل السلوكية والنفسية، والتي تحتاج متابعة الطبيب النفساني.

اضطراب طيف التوحد
وفيه ينحرف التطور عن مساره الطبيعي، وتظهر مشاكل في التواصل بين الطفل ومحيطه سواءاً بالتواصل اللفظي او الغير لفظي، كما يكون هناك خلل في التواصل الإجتماعي وانحصار اهتمامات الطفل بأشياء بسيطة غير مهمة، كما أن هناك تكرار في بعض السلوكيات والكلمات والحركات والإصرار على عدم التغيير في كثير من المجالات، ويظهر طيف التوحد في السنوات الأولى من العمر ويكون نصف المصابين بهذا الاضطراب يعانوا أيضاً من الإعاقة العقلية بالدرجات المتوسطة والشديدة، واكتشاف الإضطراب مبكراً ،يساهم في تقديم الرعاية المطلوبة بكفاءة أكبر ونتائج أفضل.

اضطرابات السيطرة على البول والتبرز
يبدأ الأطفال عادة بالسيطرة على البول في النهار أولاً ثم بالليل من سن الثانية والثالثة، ويعتبر التبول ليلاً مرضياً إذا استمر إلى سن الخامسة وما بعدها، والمعروف ان عُشر الأطفال يعانوا من التبول الليلي اللاإرادي على عمر خمس سنوات، أما السيطرة على البراز فالمفترض أن تتم في وقت قبل السن الرابعة، واستمرار عدم السيطرة في النهار بعد هذا العمر يشير إلى اضطرابات نفسية، وعاطفية وسلوكية عند الطفل، وخلل في نظام العائلة ،في حين أن عدم السيطرة على البول لا يدل على وجود خلل نفسي آخر، وفي حالات معينة يعود الأطفال لفقدان السيطرة من جديد على البول أو البراز بعد ان تكون قد تمت السيطرة ،ويكون هذا ناتج عن ضغوط ظهرت في الأسرة مثل ولادة أخ جديد، او خلافات زوجيه كبيره، ويستخف الناس في موضوع السيطرة على البول والبراز، والواقع أن الأطفال يعانوا من أثرها وما يتم من عقاب في داخل الأسرة ، وإذا عرف الموضوع خارج الأسرة يصبح محرج جداً للطفل ويشيع بين الناس استعمال ألقاب مهينة لهؤلاء الأطفال .

التلعثم والحركات اللاإرادية
تنتشر عند الأطفال من عمر 3-5 سنوات ظاهرة التلعثم أو التأتأة وبعض الحركات اللاإرادية، مثل الرمش أو تحريك الكتف، وغالباً ما تكون هذه المظاهر عابرة ومؤقته وتزول دون تدخل، شريطة عدم تركيز الأسرة عليها والإنشغال بها، أما إذا استمرت بعد سن الخامسة يكون هناك حاجة للتدخل من أجل العلاج من قبل الطبيب النفساني، وتتحسن هذه المشاكل بالعلاج.

الخوف والرهاب
تنتشر عند الأطفال مخاوف متعددة في كل عمر مثل الخوف من الظلام والحيوانات والابتعاد عن البيت أو الركوب بالسيارة، وغالباً ما يتخطى الطفل هذه المخاوف من واحدة إلى الأخرى، وفي حالة ترافق الخوف مع التجنب لمصدر الخوف وتأييد الأسرة لذلك ،فإن الخوف يتحول إلى الرهاب بأنواعه ، وقد تكون متعددة أو نوع واحد منها مثل رهاب الكلاب والقطط ورهاب الظلام أو الأصوات العالية او بعض الألعاب، وفي العمر دون الخامسة من السهل تجاوز الرهاب ، وذلك بتشجيع الطفل ان لا يتجنب وتشجيعه على مواجهة مصادر الخوف، ولكن استمرار بعض أشكال الرهاب بعد سن الخامسة سوف يتطلب العلاج النفسي، والذي يقوم على العلاج السلوكي.

الاضطرابات العاطفية
وتشمل المشاعر السلبية المختلفة كالحزن والغضب او الخوف الزائد والبكاء ،مما يؤدي لصعوبة في التفاعل الطبيعي مع المواقف المختلفة ، فالطفل المضطرب عاطفياً قد لا يشارك الأطفال لعبهم وينزوي بعيداً عنهم ،وقد لا يستمتع باللعب في مدينة الملاهي ويلتصق بأمه ويرفض الابتعاد عنها ، وقد يمتنع عن الذهاب للحضانة أو الروضة أو المدرسة، وغالباً ما يكون هذا الخلل منشأة الأسرة وتعاملها مع تطور الطفل ،مثل الانفصال عن الأم الذي يجب أن يبدأ في سن الثالثة وبشكل متدرج حتى سن الخامسة، وعدم انتباه الأسرة لضرورة هذا الانفصال يؤدي إلى قلق الإنفصال الذي قد يمنع الطفل من الالتحاق بالمدرسة ، وعلى سبيل المثال فان الطفل يفترض أن ينام في سريره وفي غرفته منذ يومه الأول بعد الولادة، وكل الأساليب التي يبتكرها الأهل بتحديد سن الثانية أو الرابعة حتى ينام الطفل لوحده تؤثر سلباً على التطور الإنفعالي للطفل.

الإضطرابات السلوكية
ويقصد بها السلوكيات الغير مرغوب فيها التي يقوم بها الطفل مثل العنف اللفظي والجسدي، الكذب، السرقة، العناد، الرفض وعدم طاعة الوالدين، هذه السلوكيات لا بد من الإنتباه لها مبكراً، وتأكيد المبدأ التربوي القائم على وجود نظام أسرى متفق عليه بين الوالدين، يكون فيه عقاب الأطفال بالحجز والحرمان فقط، ومكافأة السلوك الجيد بما يقرره الولدان، ومما يقلل فرصة حدوث الإضطرابات السلوكية ويسهل التعامل معها، كما يخفف من الدلال الزائد والذي يؤدي الى خلل سلوكي وعاطفي، وقد تبدو أحياناً حالات فرط الحركة ونقص الإنتباه وكأنها إضطراب سلوكي وهي ليست كذلك، وتتطلب تدخل علاجي مبكر والا ستؤثر على التحصيل الدراسي والتطور.

الإضطرابات النفسية المشابهة للكبار
يصاب الأطفال ببعض الإضطرابات النفسية المعروفة عند البالغين وأحياناً عند المراهقين، مع أن هذا نادر الحدوث ولكنه موجود، مثل إضطراب الوسواس القهري والإكتئاب وإضطراب شدة ما بعد الصدمة، وكما قد يقدم الأطفال نادراً على إيذاء النفس المتعمد أو الانتحار، وهذه الإضطرابات لابد من تشخيصها والبدء بعلاجها دون تأخير أو أنكار.

إضطرابات النوم
يتفاوت الأطفال في سرعة النوم وعدد ساعاته ، ولا بد للأسرة من الأخذ بعين الإعتبار هذه الفروق، فليس هناك ما يجبر الطفل ان ينام عدد الساعات التي تحددها الاسرة، ومن اضطرابات النوم الشائعة عند الأطفال رعب الليل، وفيه يصيح الطفل وهو نائم ويفتح عينيه وهو في حالة خوف وبكاء شديد كأنه يرى حوله ما يخيفه، ولكنه يعود للنوم ولا يذكر شيء في الصباح، ولهذا فهو رعب للأهل وليس للطفل، اما المشي والكلام اثناء النوم فهو شائع بين الأطفال وغالباً ما يختفي تلقائياً دون علاج، ونادراً ما يتطلب تدخل علاجي اذا كان يسبب خطورة على الطفل او اذا استمر بشكل مزعج، واستمرار وتكرار إضطرابات النوم بشكل عام قد تتطلب تدخل علاجي.

اضطرابات الطعام
يتفاوت الأطفال في مدى انتظام وجباتهم منذ أيام حياتهم الأولى، فهناك أطفال يتناولوا الرضعة ويناموا بهدوء ويسر وانتظام ، واخرين يكون غذائهم وانتظامهم صعب، ثم ينتقل الأطفال للطعام مع انتهاء السنة الأولى من العمر، وكثير من شكاوي الأسر أن الطفل ضعيف الشهية ولا يأكل رغم انه يتمتع بالوزن الطبيعي، إلا أنه لا يأكل الكميه التي ترى الأسرة أنها مناسبه ، وهناك من الأطفال ممن يكون أكلهم زائد ويميلون إلى السمنة ،هذه التغيرات لا بد من تدريب الأسرة على التعامل معها وتوفير المعلومات الصحيحة للحدود اللازم اتباعها في تربية الأطفال، بعض الأطفال يأكلون مواد ليست من الطعام مثل التراب والصابون وقد يكون هذا أمر بسيط عابر ولكن في أحيان أخرى يشتد ويتطلب التدخل العلاجي.

الاضطرابات الجنسية
يستغرب الناس إذا لأحظو اهتمام الطفل بالأعضاء التناسلية، وقد يصابوا بالفزع إذا تكرر لمس الطفل لأعضائه التناسلية مع مؤشرات تدل على انفعاله وهو لا يتجاوز العامين من العمر، وهذا يعتبر من التطور الطبيعي للأطفال، ويبدأ التطور الجنسي من الأيام الأولى في حياة الطفل، في بعض الحالات يخطئ الاهل بالتعامل مع الطفل على غير جنسه، فالأم التي كانت ترغب بفتاة وانجبت ولد قد تعامله على انه فتاة او العكس، وهذا قد يؤثر على الهوية الجنسية للطفل في مراحل لاحقة، ومن المؤسف أن ثقافة الأسرة العربية الجنسية ضعيفة تضاف لضعف ثقافة التربية.

الرعاية النفسية للأطفال
لا بد من توفير هذه الرعاية الوقائية بمستوياتها الثلاث: الأولية وهي تهدف لمنع حدوث المشاكل من حيث المبدأ، وتشمل الثقافة التربوية والنفسية والصحية المتعلقة بصحة الطفل وأسس التربية والتطور، كما أن المعرفة بأسباب الإعاقة سواءاً الوراثية وارتفاعها في زواج الأقارب، أو الأسباب المتعلقة بإهمال صحة الحامل والأطفال حديثي الولادة.
الوقاية الثانوية وهي الاكتشاف المبكر لأي خلل في صحة الطفل وتطوره، والتعامل معه بأقل قدر من الاضرار، فعلى سبيل المثال الطفل الذي يعاني من طيف التوحد ويتأخر تشخيصه والتعامل معه يكون، قد أضاع فرص كثيره في التعامل مع مشكلته وخصوصاً انكار الأسرة لوجود المشكلة، والصعوبة التي تؤخر من اكتشاف الكثير من المشاكل النفسية للطفل هو جهل الناس بأن الطفل يمرض نفسياً وقد يحتاج لمراجعة الطبيب النفساني، وهناك أمر شائع بين الناس أن كل ما يصيب الطفل سيزول مع التقدم بالعمر.
الوقاية الثلاثية وهي التأكيد على متابعة ومعالجة المشاكل التي اكتشفت، فلا فائدة من تشخيص الإعاقة العقلية البسيطة وعدم اتخاذ أي اجراء بالحاق الطفل في مركز للتربية الخاصة، ومتابعة اضطرابات السلوك المرافقة للإعاقة، بل الإصرار على بقاء الطفل في المدرسة العادية كجزء من انكار الواقع.

الخدمات النفسية للأطفال
لا تتوفر في معظم الدول العربية مثل هذه الخدمات وذلك ضمن ضعف خدمات الصحة النفسية بشكل عام، وللتغلب على هذا النقص هماك بعض الإجراءات التي يمكن اتخاذها على الفور، مثل تدعيم مراكز الأمومة والطفولة ورياض الأطفال والمدارس ببعض المختصين النفسيين، ويمكن أن يكون هؤلاء من اختصاصي علم النفس المدربين والمرتبطين بالخدمات الطبية النفسية، ورفع الوعي لدى الناس بهذه المشكل عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتوفير مراكز طبيه نفسيه متخصصة وموزعه على المناطق المختلفة في كل دوله لتقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية للأطفال.

الكوادر النفسية المطلوبة
تتطلب الرعاية النفسية للأطفال توفر الفريق الطبي النفسي ويتكون من الأطباء النفسانيين، مختصين في علم النفس السريري والتطوري، مختصين التربية الخاصة، التمريض النفسي بالإضافة للعاملين الاجتماعيين النفسيين، وهذا الفريق لا يتوفر في معظم الدول العربية للأسف، هذا بالإضافة لغياب الوعي لدى صانع القرار والمواطن.

المراجع
1. NAY 911-by D. Carroll and S.Reid with K.Moline HarperCollins publishers’ 2014\ISBN 0-06-085295-X.
2. whart to expect the first year By Heidi Murkoff, Arlene Eisenbeg &Sandee HathwaySecond edition 2003 Workman Publishing Companying.
3. WHAT TO EXPECT THE TODDLERS YEARS by Heidi Murkoff, Arlene Eisenbeg &Sandee Hathway1994 Workman Publishing Companying.
4. Rutter’s Child and Adolescent Psychiatry 6th Edition John Wiley and son 2018.
5. Concise Guide to Child and Adolescent Psychiatry (Concise Guides) 5 Revised Edition American psychiatric publishing 2016.
6. M. Cooper, J.G. Lesser. Clinical Social Work Practice, Pearson Education Inc. 2008 USA.
7. M. Gelder, P. Harrison, P. Cowen, Shorter Oxford Textbook of Psychiatry, Fifth Edition , Oxford University Press, 2006, UK.

الدكتور وليد سرحان
مستشار الطب النفساني
عمان-الأردن

همسات نفسية – 98 – التبول اللاإرادي

12

همسات نفسية – 98 –
التبول اللاإرادي

من الأمر الطبيعي أنه عندما يكمل الطفل السنة الأولى من عمره ويخطو خطواته الأولى يبدأ بالتجاوب التدريجي مع التدريب على التحكم في البول والإخراج، وعادة ما يسيطر الطفل أولاً على الإخراج نهاراً وليلاً ثم التبول نهاراً وأخيراً التبول الليلي، ولكن على عمر السنتين تكون نسبة كبيرة من الأطفال قد سيطرت على الإخراج، وعلى عمر الثلاث سنوات تكون النسبة الكبرى من الأطفال قد سيطرت على التبول الليلي، وتبقى نسبة من الأطفال تكرر التبول بين الفترة والأخرى حتى سن الخامسة. وعلى سن الخامسة يعتبر التبول الليلي أللإرادي مشكلة بحاجة لعلاج وعند هذا السن يكون 10 % من الأطفال ما زالوا يتبولوا ليلاً، بشكل يومي أو متقطع، والأولاد يعانوا من هذه المشكلة أكثر من البنات عادة، كما أن هذه المشكلة تتكرر في العائلة الواحدة لوجود بعض التأثير الوراثي على حدوثها وقد يجتمع في نفس الأسرة عدة أطفال في آن واحد يتبولوا ليلاً وعلى سن العاشرة يكون 5% من الأطفال ما زالوا يتبولوا ليلاً .

هناك فئة من الأطفال تكون قد سيطرت على التبول تماماً في سن مبكرة، ولكن بعد سنة أو أكثر وبعد حدث هام في الحياة يؤثر على الطفل يعود الطفل للتبول من جديد، وهذا النوع من التبول لاإرادي يسمى التبول الثانوي بعكس التبول الذي يستمر منذ الولادة والذي يسمى التبول الأولي، والأحداث التي تؤثر على الأطفال عادة وتؤدي بهم للعودة للتبول عديدة ولكن أهمها ولادة طفل جديد في الأسرة، أو وقوع خلافات ونزاعات عائلية وزوجية، وسواء كان التبول اللاإرادي أولياً ممتداً أو كان ثانوياً جاء بعد فترة جفاف، فإن أسوأ ما يمكن إتخاذه من إجراءات هو التهديد والتخويف وما تقوله بعض الأمهات لأطفالهن من التهديد باستعمال النار والفلفل والضرب، وقد يستعملنه أحياناً وفي بعض الحالات تصبح هذه المشكلة موقع تهكم وإطلاق الألقاب والتسميات على الطفل من قبل الأسرة، وقد يصل الأمر إلى المدرسة ويجعله أضحوكة بين إخوانه وأبناء الجيران والأقارب، وتتأثر بعض نشاطات الطفل عندما يصبح بسن العاشرة أو الحادية عشرة فلا يستطيع إن يخرج من البيت لينام عند أقاربه أو يذهب برحلة مدرسية أو غيره من النشاطات التي تتطلب النوم خارج البيت و إحتمال التبول .

برأيي أن حل هذه المشكلة يبدأ بعرض الطفل على طبيب الأطفال للتأكد من عدم وجود خلل عضوي في الجهاز البولي أو العصبي وهو نادر الحدوث ، وبعد ذلك تبدأ المعالجة بالتوقف عن كافة العقوبات والإجراءات القمعية والإكتفاء بلوحة النجوم، وذلك بوضع ورقه باليوم والتاريخ ووضع نجمة ملونة لكل يوم يصحو فيه الطفل جاف. وخلاف ذلك لا توضع نجمة. وإذا كان هناك أكثر من طفل في العائلة يعاني من هذه المشكلة فمن المفضل إستعمال لوحة في غرفة الأطفال وفي كل صباح توزع النجوم عليهم أو يحرموا منها حسب بلل الفراش أو عدمه، كما يكلف الأطفال بالمساعدة في تغيير الملابس والأغطية الفراش، ويتم الإتفاق مع الطفل على بعض المكافأة التي تتطلب عدداً من النجوم ، كأن نقول له سنشتري لك اللعبة التي تريدها إذا حصلت على خمسين نجمة، أو أن الذهاب في رحلة يتطلب 10 نجوم وهكذا. وفي كثير من الحالات يتجاوب الأطفال مع هذه الإجراءات، ولا داعي للتشدد في منع شرب السوائل مساءاً لأنها لا تؤثر كثيراً مثلما يتخيل بعض أولياء الأمور، وبالطبع هذا يعني أن تكون السوائل بكميات معقولة دون مبالغة.

إذا لم تفلح الإجراءات البسيطة في حل هذه المشكلة ولم تتحسن الأمور مع الوقت، فلا بد من خضوع الطفل للعلاج، والعلاج بسيط وسهل، وقد يشمل على قرص أو قرصين كل مساء، ويستمر من ستة شهور إلى سنة بعد التحسن ولا يسبب أي مشاكل أو أعراض جانبية طالما أعطي من قبل الطبيب وحسب إرشاداته. وقد يستغرب البعض إن هذه الأقراص نفسها تستعمل في الكبار كمضادات كآبه، أما في الأطفال فإنها تستعمل لعلاج التبول اللاإرادي، وهي ليست من المهدئات ولا تؤدي إلى النعاس بل على العكس فإن معظم هؤلاء الأطفال يكون نومهم ثقيل أصلاً ومع العلاج يصبح أخف و يتمكنوا من الإستيقاظ في الليل للذهاب للتبول بالشكل الطبيعي، وهناك فئة من الأطفال قد لا تتجاوب مع هذه الأدوية و يستعمل لهم أحد الأدوية التي تقلل من إدرار البول خلال الليل ويعطى على شكل أقراص أو بخاخ في الأن، ومن المؤكد أنه خلال المعالجة الدوائية تستمر الإجراءات السلوكية والأسلوب الصحيح في التعامل من قبل الأسرة فهي تكمل بعضها البعض .