همسات نفسية -2074- الإنتحار Suicide

12.

همسات نفسية -2074-
الإنتحار Suicide

يعرف الإنتحار بأنه فعل يؤدي بالنتيجة للموت، ويكون هذا الفعل قد قام به المنتحر عالماً بما سيؤدي إليه، وأساليب الإنتحار تتنوع من الغرق والشنق إلى الحرق وابتلاع المواد السامة والحبوب أو القفز من الأماكن العالية أو إستعمال الأسلحة النارية، ومعظم حالات الإنتحار يكون قد تم الإعداد لها إذ يختار المنتحر وقت الفجر، وعندما لا يكون أحد في البيت، أو يقوم بالعملية في مكتبه بعد أن يغادره الجميع، وقد يغلق الأبواب بطريقة تؤخر فرصة إنقاذه من قبل الأسرة والمحيطين به. كما أن بعض المنتحرين يتبع عدة احتياطات فيقوم ببلع كمية كبيرة من الحبوب أو السموم ويقطع شرايين الرسغيين ويعلق نفسه بحبل والباب مغلق من الداخل بما يعطي صورة عن مدى إصراره على الموت، وعدم رغبته بأن يتم إنقاذه، ومن الغريب أن أكثر من ثلثي المنتحرين يكونوا قد ذكروا نواياهم بطريقة أو أخرى للأسرة أو الأصدقاء أو الأطباء ولكن أحداً لم يأخذ الموضوع على محمل الجد.

انتشاره وأسبابه
يعتبر الإنتحار أحد أهم عشرة أسباب للوفاة في الكثير من الدول، إن معدل الإنتحار في أي مجتمع له تأثير على المجتمع، ويعكس بشكل واضح قدرة المجتمع على احتواء هذه الظاهرة ومنعها، وتتفاوت المعدلات المعلنة للإنتحار في الدول المختلفة بين 25 -40 حالة انتحار لكل مائة ألف من السكان سنوياً في الدول الغربية، وتنخفض في الدول العربية إلى 1 -2 حالة لكل مائة ألف من السكان سنوياً، ويبدو أن هناك حماية من الإنتحار في المجتمع الإسلامي والعربي بسبب الوازع الديني والترابط الأسري والإجتماعي، ولكن إنخفاض معدل الإنتحار في هذه الدول يلعب به عامل أخر وهو عدم دقة التبليغ، لما يحمل الإنتحار من وصمة في المجتمع فإن الكثير من الحالات لا تسجل على أنها انتحار، وتعطى أسباب طبيعية للوفاة، وهذا يعني أن الإحصاءات في الدول العربية لا تعبر عن حجم المشكلة الحقيقي، ومع ذلك فإن معظم الدول العربية شهدت إرتفاعاً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين.
الذكور أكثر إنتحاراً من الإناث، كما أن العزلة الإجتماعية والعائلية تزيد من إحتمال الإنتحار، فالمطلقون والأرامل والعزاب أكثر إنتحاراً من المتزوجين، وأما المشاكل النفسية فعلى رأسها الإكتئاب الذي يؤدي إلى 70% من حالات الإنتحار، ويتوزع الباقي على مرضى الفصام والإدمان وإضطرابات الشخصية.
والإكتئاب الذي يؤدي للإنتحار غالباً ما يكون بين المتوسط للشديد، وإذا ترافق مع البطالة وتكرار محاولات الإنتحار في السابق وعدم الوصول للعلاج وعدم وجود دعم إجتماعي، كما أن الطبقات الإجتماعية العالية والفقيرة أكثر ميلاً للإنتحار من الطبقات الوسطى، كما أن هناك مهن كالأطباء والقضاة والكتّاب أكثر ميلاً للإنتحار من غيرهم.
وهناك تقرير من عدد من الدول المتقدمة تفيد بانخفاض معدلات الإنتحار نتيجة تحسن معالجة الإكتئاب، في حين أن هناك زيادة ملحوظة في دول أخرى مثل روسيا ويرتبط ذلك بالتفكك الإجتماعي والإدمان على المخدرات.

التعامل مع الإنتحار
إن من أنتحر ونجح في ذلك قد يبدو وكأن مشكلته انتهت ولكن الواقع أن هناك مشاكل ستظهر بين أفراد أسرته أو أصدقائه وحتى الطبيب الذي يعالجه، لأنهم لم ينتبهوا إلى تلميحاته وتصريحاته.
أما إذا أبدى المريض الذي يعاني من أي مرض نواياه الإنتحار، أو ظهر على تصرفاته ما يشير إلى ذلك مثل توديع الناس وتوزيع مقتنياته الثمينة، أو محاولة الإنتحار فإنه لابد أن يخضع هذا المريض للتقييم النفسي الكامل وأن يبدأ علاجه بشكل سريع وبمراقبته تمريضية حثيثة، وقد يكون ذلك في المستشفى، وإذا كان في البيت لابد من وجود من يرافق المريض على مدار الساعة، بالإضافة للعلاج الدوائي والنفسي المكثف.
وبما أن معظم المنتحرين يكونوا قد حاولوا الإنتحار سابقاً فهذا يعني أنه لم تستغل فرصة المحاولة لتقييم المريض وتقديم المساعدة له.
وفي مجتمعنا العربي لابد أن نعمل بجد بهدف إبقاء الإنتحار تحت السيطرة وذلك يتم بعدة وسائل:
1- التركيز على الوازع الديني وتجريم قتل النفس.
2- عدم التخلي عن الأسرة المتحدة، والتكافل الإجتماعي والتعاطف الذي يتمتع به مجتمعنا لفترات طويلة، ويلاحظ في السنوات الأخيرة أن هناك بوادر تفكك لهذا التكافل المحبب والمطلوب.
3- زيادة الوعي للمشاكل النفسية عموماً والإكتئاب خصوصاً بين الناس.
4- إدخال الصحة النفسية ضمن خدمات الصحة بشكل عام فمرضى السرطان والسكري والفشل الكلوي والإيدز والكثير من الأمراض المزمنة كأمراض القلب وتصلب الشرايين ترتفع بها نسب الإكتئاب إلى 30-40%، ولا يتم اكتشافها ولا علاجها، ولو تم مسح دائم لهؤلاء المرضى لاكتشفنا ألاف الحالات وتمكنا من معالجة الإكتئاب ومنع الإنتحار.
5- توفير الخدمات النفسية والإرشادية في المدارس والجامعات والمصانع والتجمعات السكانية.
6- إدخال المرض النفسي ضمن أولويات الخدمات الصحية وضمن أنظمة التأمين المختلفة والتي دأبت على استثناء المرض النفسي دون منطق.
7- تدريب طلاب الطب والأطباء العامين في ميدان الطب النفسي، والتأكيد على قدرة الطبيب العام على تمييز الإكتئاب وتشخيصه وعلاجه والانتباه للنوايا الإنتحارية وتحويل هؤلاء المرضى للأطباء النفسيين.
8- تدريب الأخصائيين الاجتماعيين والممرضين واختصاصي علم نفس على تقييم الخطورة الإنتحارية في حالة إلحاقهم للعمل في الخدمات الصحية والإجتماعية، والمستشفيات العامة خصوصاً.
9- معالجة الحالات النفسية التي تحمل خطورة الإنتحار وخصوصاً الإكتئاب الشديد، بحذر ودقه وفي مكان متخصص وآمن، وضمن رعاية طبية وتمريضية بتخصصه في مستشفى نفسي أو قسم للطب النفسي في مستشفى عام.
10- العمل على تعديل القوانين بحيث يصبح تقييم من حاول الإنتحار نفسياً إجبارياً، وألا تغلق الشرطة والإدعاء العام القضية بمجرد التحقيق أنها محاولة الإنتحار بل الإنتظار للحصول على تقرير طبي نفسي بذلك.

الدكتور وليد سرحان