همسات نفسية -2076- الاضطرابات النفسجسدية

12

همسات نفسية -2076-
الاضطرابات النفسجسدية

كان الأطباء المسلمون من أوائل من أدركوا مفهوم الإضطرابات النفسجسدية ومن المعهم في هذا المجال أبو زيد البلخي، وعلي بن عباس المجوسي، وكتب كلاهما في العلاقة بين علم النفس وعلم وظائف الأعضاء أو الوظائف النفسية والجسدية، وبالتالي فهما العلاقة بين المرض العضوي والمرض النفسي، أما بن سينا فقد ربط بين سرعة نقض القلب والحالة العاطفية، في القرن العشرين كان فرانس الكساندر قد أهتم بالعلاقة بين العقل والجسد وتبعه الكثيرون من الأطباء.
الإضطرابات النفسجسدية تعّرف بأنها أمراض عضوية، يعلب فيها العامل النفسي دوراً مهماً وقوياً وأساسياً، وقد اتفق العلماء لفترة طويلة على أن هذه الإضطرابات تشترك في عدم قدرة المريض على التعبير عن انفعالاته وتسمى هذه السمة الكسيثيميا Alexythymia وهذه الأمراض تشتمل تقليدياً ما يلي:
1- قرحة المعدة والأثني عشر.
2- قرحة القولون.
3- الربو الشعبي.
4- أرتفاع ضغط الدم.
5- قصور الشرايين التاجية للقلب.
6- بعض الأمراض الجلدية.
7- الصداع النصفي.
8- أمراض المفاصل.

وهذه القائمة القديمة أضيف إليها العديد من الأمراض حتى وصلنا إلى المفهوم الحاضر وفيه تعتبر كل الأمراض العضوية هي إضطرابات نفسجسديه، لأنه لابد أن يكون للعامل النفسي دور في تطور وعلاج معظم الأمراض وتداخلت الأمراض النفسية والعضوية بصورة تحقق النظرة الشمولية للمريض.
أما الألية التي من خلالها تلعب العوامل النفسية والإجتماعية دوراً في العديد من الأمراض تكون من خلال:
1- تكوين الشخصية:
هؤلاء الذين يعملون بكد وجدِّيه ساعات طويلة، دون كلل أو تعب، ويتقبلون التحديات المختلفة، ونستطيع وصفهم بأنهم مدمني العمل، ويتميز هؤلاء الأفراد بالرغبة في السيطرة، خاصة على الزوجة والأطفال والكفاح المستمر في الصعود في السلم الإجتماعي والاقتصادي، مع عدم القدرة على الإسترخاء ومحاولة أثبات فحولتهم ونشاطهم الجنسي، والحق أن هؤلاء الأفراد بحاجة ماسه للحب والحنان ولعدم توفره يحاولوا البحث عن القوة والتفوق.
2- الصراعات عبر الإنسانية:
وتكون النواة هنا هي الإحباط في الوصول إلى السيطرة في العمل أو الأسرة، أو الفشل في الرقي والتفوق الإجتماعي، أو تدهور في الوظيفة، أو عدم خضوع الزوجة والأطفال، أو متاعب مادية مستمرة وظهور كل هذه الصراعات، على الرغم من العمل الجاد المستمر المنهك، مما يؤدي إلى القابلية للإصابة بقصور الشرايين التاجية على سبيل المثال، وغيرها من الأمراض العضوية.
3- السلوك التفاعلي للصراعات:
يميل هؤلاء الأفراد إلى قمع الشحنات الانفعالية، بعكس طفولتهم التي كانت مملوءة بالاندفاع والحركة والغضب والتعبير اللفظي والحركي عن الانفعالات المختلفة.

وعندما تتجمع هذه العوامل الثلاث في تكوين الشخصية والصراعات الإنسانية والسلوك المحبط، يصبح الإنسان أكثر عرضه للإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والجلطات القلبية والدماغية، وإضطرابات الجهاز الهضمي.
وأما الألية التي تربط بين النفس والجسد فهي معقده بعض الشيء وخصوصاً إذا وضعنا بالاعتبار أن النفس هي جزء من الدماغ وبالتالي من الجسد، وهذا يعني أنه لا يوجد أصلاً انفصال بين النفس والجسد حتى نحاول خلق الربط بينهما.
والنفس كما نفهمها الأن هي مجموعة من المراكز العصبية في أجزاء مختلفة من الدماغ، تعمل هذه المراكز على تنظيم الإنفعال والشعور والمزاج والإدراك والذكاء والشخصية والطموح والغرائز وفهم الحياة والتعاطي معها، وأيضاً يوجد في النفس منظومة القيم المعنوية والإيمان والمعتقدات، ولا يجوز أن نتصور النفس شيء وهمي في الخيال، بل هي واقع ملموس يمكن دراسته بوسائل مختلفة من أشكال التصوير باستعمال مواد مشعه والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ، وكذلك في دراسة دماغ ا لإنسان بعد الوفاة. وفي النظام البشري تعتبر النفس السلطة العليا في الجسم لأنها هي مركز القيادة وتقوم بالتأثير على الجسد عبر ثلاثة طرق وهي:
1- الجهاز العصبي اللاإرادي:
وهذا الجهاز العصبي يتحكم بالكثير من وظائف الجسم من ضربات القلب إلى عصارة المعدة والأمعاء، والتبول والإخراج وله جزئين الجهاز العصبي السيمباثاوي وهو جهاز الطوارئ والجهاز العصبي الباراسيمباثاوي وهو الجهاز المسؤول عن الراحة والاسترخاء، ولك أن تعرف الفرق بينهما عندما نأخذ مثال على زيادة نشاط الجهاز السيمباثاوي ( الودِّي) فهذا يزيد من سرعة التنفس ونبض القلب، ويوسع حدقة العين ويزيد من عمليات التمثيل الغذائي في الكبد وسرعة الدورة الدموية، ويصبح الجسم وأجهزته في حالة طوارئ للأخطار أو الصعوبات، بعكس عمل الجهاز الباراسيمباثاوي ( اللاودي) الذي يقلل من ضربات القلب وسرعة التنفس، ويرخي عضلات الجسم، ويقلل من التمثيل الغذائي ويخفف من توسع حدقة العين، ولا شك بأن هناك حاله من التوازن الدائم تكون مطلوبة بين الجهازين حتى تعمل كافة أجهزة الجسد براحة وهدوء، أما في حالة استمرار عمل جهاز الطوارئ فإن هذا يعني تغيرات كثيرة وإرهاق لوظائف الجسم وأجهزته المختلفة.
2- الغدد الصماء:
في الجسم مجموعة من الغدد التي تفرز هرمونات في الدم تعمل على تنظيم وظائفه، والغدة الرئيسية هي الغدة النخامية والتي توجد في داخل الجمجمة وعلى مقربة من منطقة تحت المهاد في الدماغ (Hypothalamus) وتتلقى هذه الغدة تعليماتها من الدماغ والمراكز النفسية والعصبية بواسطة وتحت المهاد وتفرز هرمونات النمو، وهرمونات تشغيل الغدة الدرقية والفوق كلوية، وهرمون تنظيم إفراز البول، وهرمونات تنظيم عمل المبيض والخصية.
والغدة الدرقية الموجودة في الرقبة مسؤولة عن إفراز هرمون الثيروكسين والذي يعمل في كافة خلايا الجسم على تحفيز التمثيل الغذائي، ولكن هذا يتم بسيطرة الغدة النخّامية، والغدة الفوق كلوية تفرز هرمونات عديدة لها علاقة بتنظيم التمثيل الغذائي وتفرز الأدرينالين، وهو هرمون يعطي نفس أثار عمل الجهاز السيمباثاوي في فرض أوضاع طارئة في الجسم، والتأثير على جهاز المناعة، وهناك أيضاً وظائف كغدة صماء يقوم بها البنكرياس والغدد الجار درقية والمبيض والخصية، وهذه الوظائف كلها تحت سيطرة الغدة النخامية والدماغ، فعلى سبيل المثال نلاحظ الفتيات أنه أثناء فترات الامتحانات والتوتر قد تنقطع الدورة الشهرية لشهر أو أكثر وتعود لطبيعتها بعد زوال التوتر، وهذا يتم من مراكز الدماغ النفسية العليا إلى تحت المهاد وثم الغدة الدرقية فالمبيض، وتتوقف الهرمونات التي تفرزها الغدة النخامية عن أداء وظيفتها من حيث تكوين البويضة وحدوث النزيف الشهري المعتاد.
3- جهاز المناعة:
هو أحد الأجهزة الهامة في الجسم والموجود على شكل أجسام مضادة وخلايا الدم البيضاء، وهذا الجهاز المعقد يتأثر بالدماغ ومراكزه بطريقة معقدة ومتشابكه، وإذا تأثر جهاز المناعة فإن هذا يعني أن أجهزة الجسم لن تستطيع أن تقاوم الفيروسات والبكتيريا إذا هجمتها، ومن غير المستغرب أن الطالب في وقت الإمتحان تظهر في فمه حبيبات وعلى شفتيه وهي ناتجة عن فيروس ضعيف، تسنح له الفرصة للظهور عندما تتراجع المناعة ولو بشكل بسيط، وفي الأمراض المختلفة سواءاً السرطان أو الالتهابات المختلفة فإن تقدم المرض أو تجاوبه مع العلاج مرهون بمدى نشاط جهاز المناعة أو كسله وضعفه، وعندما يقال أن القرآن الكريم فيه شفاء للناس لا يكون هذا الكلام من فراغ، بل هو مبني على الأثر الكبير للإيمان على جهاز المناعة وبالتالي قدرة الجسم على التصدي للأمراض المختلفة بما فيها السرطان أو الإلتهابات الحادة والخطرة.

وإذا تخيلنا تشابك الجهاز العصبي اللاإرادي والغدد الصماء وجهاز المناعة ومدى ارتباطها بالأوامر النفسية، وعلى اعتبار أن النفس في الدماغ وهي قادرة على استيعاب المؤثرات الخارجية وتحويلها لأوامر داخلية، وهذا يعني أن الضغوط الخارجية وتغير المناخ والمشاكل الأسرية والإجتماعية والضوضاء سوف تحدث تأثيرها على الجسد عن طريق النفس ومراكزها، وأثر ذلك على الغدد الصماء والجهاز العصبي اللاإرادي وجهاز المناعة، وفي خضم هذه العلاقات من الصعب أن تتخيل أي مرض يلم بالإنسان يمكن الإدعاء بأن لا علاقة له بالنفس، فعلى سبيل المثال تعرض الإنسان لكسور العظام، لابد أن يتبع سلوكه المغامر أو تهوره وبالتالي استعداده الزائد للحوادث والكسور وإن كان المرض العضوي أو لحادث قد تم دون أي تأثير للفرد فيه، فهنا تظهر بشكل واضح قدرة الفرد على تحمل الإصابة والتعامل مع المرض، مثل إصابة رجل بعيار ناري في العمود الفقري والنخاع الشوكي تؤدي إلى شلل كامل في النصف الأسفل من الجسم، يكون من المستحيل أن تتوقع أن كل من يصابوا بهذه الإصابة يتعاملوا معها بنفس الطريقة، صحيح أن الإصابة واحدة والضرر الجسدي متشابه ولكن ردة الفعل النفسية وشخصية الفرد وظروف الإصابة كلها مختلفة، فالذي أصيب بهذا العيار الناري بينما كان يحضر حفل زفاف أخته غير الذي أصيب به وهو يدافع عن أرضه ووطنه، وكذلك ما الذي قُدِّم للمصاب، هل تم إسعافه وأهمل، أم أن هناك جهات حكومية وغير حكومية قادرة على أن تقدم له الدعم والمساعدة، وكذلك هل كان هذا المصاب ناجحاً في عمله وحياته الأسرية واستطاع أن يستمر في نجاحه رغم الإصابة، أم أن الفشل كان قد حالفه منذ زمن وجاءت هذه الإصابة لتعطيه كل المبررات المقبولة للاستسلام وعدم المحاولة لا على الصعيد المهني ولا الإجتماعي ولا الأسري.
من هذه المنطلقات يصبح واضح أن مفهوم الإضطراب النفسجسدي القديم قد تغير وأصبحت الأن النظرة الشمولية للمريض تقضي أخذ كل العوامل المؤثرة في الصحة معاً دون إهمال أياً منها مهما كان بسيط، وبناءاً على ذلك أصبح الطب النفسي أحد الفروع الهامة التي يجب أن تتوفر في المستشفيات وأن يكون الطبيب النفسي له دوره في كل الأقسام في المستشفى وهذا ما يطلق عليه الطب النفسي التواصلي (Liaison Psychiatry). فلا يعقل أن نقول بأن المرضى في قسم العناية المركزة أو الحثيثة مرتاحين نفسياً وهم يواجهوا أوضاع صحية قد تؤدي للوفاة أو الإعاقة الدائمة، ولا يمكن تصور قسم غسيل الكلى الذي يتردد عادة المريض مرتين في الأسبوع أو ثلاثة ولعدة ساعات، دون رعاية نفسية، ولا قسم الحروق وما تؤدي له الحروق من تشوهات وعمليات ومسكنات، أو ما كان السبب في الحروق والذي قد يكون محاولة انتحار أو إصابة بقنابل من طائرة قصفت المنازل. وكذلك في أمراض القلب والصدر والجهاز الهضمي أو الأمراض العصبية المختلفة التي قد تؤدي إلى أعاقة حركية دائمة مثل التصلب اللويحي ومضاعفاته، والتي لابد أن يكون لها أثر نفسي وتتطلب تدخل الفريق الطبي النفسي في المعالجة والمتابعة، وكذلك أقسام السرطان والجراحة والأطفال والأمراض النسائية وأطفال الأنابيب وأمراض المفاصل ونقص المناعة المكتسب (الإيدز). كلها بحاجة للرعاية النفسية حتى تكون الرعاية الطبية متكاملة.
فالطبيب الذي يعتقد أن اختصاصه هو أمراض القلب وأنه قد تمكن من فتح الشريان التاجي الذي كاد أن يقفل، قد انتهت مهمته هو مخطئ، ولابد أن يكون في اعتباره، مدى العوامل التي أدت لهذا الإغلاق للشرايين، من سمنه وقلة رياضة واكتئاب وزيادة دهون، وكذلك الأثر الذي تركه المرض على المريض هل كان الموضوع سخيف وشفي بالنسبة له أم أنه قد غير مجرى حياته، كل هذه الأمور تفرق بين نوعين من الطب الأول الطب التخصصي المعني بالشريان والعضو المريض، والطب الشمولي الذي يأخذ المريض كإنسان له مشاكله الحياتية والمادية والأسرية، ولديه قدرات إيجابية كالإيمان واللياقة البدنية والدعم الإجتماعي.

الدكتور وليد سرحان
مستشار الطب النفساني