همسات نفسية- 2078- العلاقة بين الأمراض العضوية والاضطرابات النفسية

1234

همسات نفسية 2078-
العلاقة بين الأمراض العضوية والاضطرابات النفسية

السكري
مرض مزمن واسع الإنتشار يتطلب العناية الطبية والمتابعة الدائمة والحمية وتفَّهم المريض لمرضه ومضاعفاته، والعوامل النفسية هامه في السيطرة على مستوى السكر بالدم وبالتالي منع المضاعفات، وكما أن المعاناة النفسية والتوتر والضغوط النفسية قد تؤدي لارتفاع السكر وعدم القدرة على السيطرة الفعلية عليه، كما أن العديد من مرضى السكري يهملوا في غذائهم ونشاطهم الجسدي عندما يمروا بظروف نفسية خاصة.
وكما أنه من المعروف أن مرضى السكري منهم من يتقبل المرض ويفهم متطلباته ويتابعه دون أن يؤثر على حياته، ومن هم من يرفض المرض ويحتج ويراوغ ويناور، يوقف العلاج أحياناً ويبالغ في أكل الحلويات في أحيان أخرى ويتهرب من المتابعة الطبية.
وفي الحالات الشديدة والغير مسيطر عليها طبياً فإن للسكري مضاعفات على الشرايين والأداء الجنسي ووظائف الكلى والنظر وما تحمله هذه المضاعفات من معاناة وتهديد لحياة الإنسان، ومن الثابت أن الإكتئاب يتضاعف بين مرضى السكري كما يمكن لاضطرابات نفسية أخرى أن تزيد، وكثيراً ما تهُمل هذه الإضطرابات على أنها رد فعلى طبيعي لمرضى السكري أو لأن المريض ومن حوله مشغولين بالمرض الأساسي ومضاعفاته.
ولا شك أن المراكز المتخصصة بعلاج السكري في مختلف أنحاء العالم أصبحت تولي هذه الجوانب اهتماما خاصاً بوجود اختصاصي علم نفس واختصاصيين اجتماعيين يعملوا في هذه المراكز ويساعدوا في البرنامج الشامل لرعاية مرضى السكري وكما يتدخلوا في تحويل من يتطلب وضعه التقييم من قبل طبيب نفسي، وقد يقوم الطبيب النفسي بزيارة المركز بشكل دوري.
ومن الثابت الأن أن خضوع مرضى السكري للعلاج النفسي بأشكاله المختلفة يحسن من السيطرة على مرضهم واستقرار مستوى السكر بالدم وبالتالي التخفيف من مضاعفاته.

امراض القلب وارتفاع ضغط الدم الشرياني
لاشك أن العلوم النفسية قد تعاملت مع أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم الشرياني منذ سنوات طويلة، وأصبح البعد النفسي والإجتماعي يعد أساسي في علاج وتأهيل مرضى القلب، فقد وصف السلوك A أو الشخصية A منذ الخمسينات في القرن الماضي، فالأشخاص الذين يتصفوا بالعدائية، والتنافس المفرط، والشعور الدائم بالاستعجال والانشغال الدائم بالإنجاز، معرضين لمشاكل الشرايين التاجية التي يفترض أن تغذي عضلة القلب، ومعروف أن الذبحة الصدرية تزيد مع القلق والغضب والانفعال، والذبحة وما تسببه من ألم في الصدر وتهديد تصبح هاجس مرعب للمريض ويتوقعها، وقد يبالغ في ذلك ويتطور لديه إضطراب فزع يصعب فيه التفريق فيما إذا كانت حالة ألم الصدر المفاجئة هي من تقلص شرايين القلب أم هي حالة فزع أو قلق وخوف شديد.
ومعروف أن عوامل الجلطة التاجية القلبية هي زيادة الوزن وارتفاع الدهون والتدخين وكذلك الإكتئاب النفسي، وعندما يواجه الإنسان دون أي تحذير بنوبة قلبية تدخله المستشفى ويوضع في الرعاية المركزة وحوله الأجهزة الطبية والجو المخيف، فإن هذا له تأثيرات نفسية وإجتماعية، وقد يصل معدل حدوث الإكتئاب والقلق بعد ذلك إلى أكثر من ثلثي المرضى، وإذا لم يؤخذ هذا بعين الاعتبار ويشخص ويعالج فإنه يضاعف الوفيات خلال ستة شهور بعد حدوث الجلطة ثلاثة مرات.
إن التحكم الزائد في الانفعالات وكبت الغضب والانفعال وعدم التعبير اللفظي والحركي عن الصراعات الداخلية يزيد من حدوث مرض ارتفاع ضغط الدم الشرياني كما قد يعيق علاجه، وكثيراً ما يعلب العامل النفسي دوراً في عدم تجاوب المريض مع علاجات ضغط الدم، وعندما يتم الإهتمام بالجانب النفسي يتحسن الضغط مع تحسن المزاج والقلق.
وفي العقدين الماضيين أصبح هناك العديد من العمليات الجراحية لتغيير الشرايين أو فتحها بطرق مختلفة، وهذه العمليات كثيراً ما تكون متبوعة بمضاعفات نفسية فور العملية وعلى مدى الشهور والسنوات التالية، خصوصاً أنه عادة ما يطلب من المرضى تغيير أسلوب الحياة والامتناع عن التدخين وتخفيض الوزن وممارسة الرياضة يواجه المرضى صعوبة في هذه التغيرات خصوصاً إذا ما كان الإكتئاب قد تسلل إليهم.

السرطان
لاشك أن الأمراض السرطانية لها المضاعفات التي تحملها الأمراض العضوية مضافاً إليها أن المجتمع العربي مازال يعاني من رعب كلمة سرطان، حتى أن الكثير من الناس لا يلفظوها، وحتى النصائح بالكشف الدوري والمبكر للسرطان يخشاها الناس وقد يرفضوها، ومن الملاحظ أن معرفة المريض والأسرة بالتشخيص عادة ما تكون صدمة كبيرة قد يكون فيها إنكار وتكذيب للفحوصات والأطباء والغضب عليهم، والتأخر في بدء العلاج بسبب هذا الارتباك رغم التأكيد على أن السرعة في العلاج أمر في منتهى الأهمية، وقد يصل الأمر ببعض المرضى أن يقول أنه لا يريد العلاج ويريد أن يموت لأنه لا شفاء من هذا المرض وعلاجه فيه عذاب كثير، دون الإصغاء للرأي الطبي أن السرطان هو من النوع الفلاني وانتشاره من الدرجة الأولى أو الرابعة وفرص علاجه هي كذا وكذا، لأن الأمراض السرطانية كثيرة جداً ومنها ما يكتشف مبكر ويمكن علاجه، ومنها ما يكون قد تقدم وبالتالي يكون علاجه صعب، ولكن بكل الأحوال امتناع المريض عن العلاج هو ليس من مصلحته.
ومع المعالجة والمتابعة يبقى هناك انتشار للإكتئاب ضعف ما هو عليه بين الناس الغير مصابين بالمرض، بالإضافة للقلق وسوء التكيف، وفي حالات الإنتكاس أي عودة السرطان بعد فترة شفاء يترافق هذا مع الكثير من المشاكل النفسية، وفي الحالات التي يتوزع فيها السرطان لأعضاء أخرى قد يصل الدماغ ويؤدي لأعراض نفسية وعصبية شديدة.
أما معالجة السرطان فهي بلا شك تؤدي لمضاعفات نفسية مثل استئصال الورم مع الثدي، وكذلك العلاج بالأشعة كثيراً ما يسبب الإرهاق والإعياء والتوتر النفسي، والعلاج الكيماوي بما يسببه من إرهاق وغثيان يترافق مع الأرق والقلق والإكتئاب والذي قد يؤدي لرفض المريض الإستمرار بالجرعات المقررة.
ولشك أن السرطان مرض أسري فلا يمكن أن تتخيل الطفل الذي يعاني من سرطان الدم وينقطع عن الدراسة ويتساقط شعره أنه يعاني لوحده، فأمه ترافقه طول الوقت في المستشفى والأب يسعى لتأمين العلاج وثمنه أو التأمين الصحي اللازم، والأسرة مشتتة وقد يهمل باقي الأطفال، ويتوجب هذا كله تدخل مباشر من الفريق النفسي في مراكز وأقسام السرطان لتوفير الدعم النفسي والإجتماعي والمعالجة حسب ما تتطلب الحالة.

أمراض الجهاز الهضمي
أصبح من الواضح أن العلاقة كبيرة بين مشاكل الجهاز الهضمي والإضطرابات النفسية، ويمكن القول إنه بالرغم الدور الذي تلعبه البكتيريا فما زال الدور النفسي له أثر في قرحة المعدة والاثني عشر، وفي أمراض الأمعاء العضوية التركيبية يكون ثلثهم يعانوا من إضطرابات القلق والإكتئاب، أما الإضطرابات الوظيفية في الجهاز الهضمي فنصف المرضى فيها يعانوا من إضطرابات نفسية، وهناك ارتباط وثيق بين الإساءة الجنسية والنفسية والجسدية للأطفال وحدوث مشاكل في الجهاز الهضمي في المستقبل.
ومن أكثر مشاكل الجهاز الهضمي شيوعاً هو تهيج الأمعاء الغليظة أو القولون بما يحمله من انتفاخ وألم وإضطراب في الإخراج نحو الإمساك أو الإسهال وتعاقبهما، ولا يخفى على أي طبيب مدى ارتباط هذا التهيج مع الوضع النفسي للمريض، وليس من الغريب أن يكون القلق والإكتئاب النفسي وراء هذا التهيج خصوصاً في الحالات الشديدة والمزمنة، ويفاجأ الكثير من المرضى الذين يشكوا من هذا التهيج بالتحسن الكبير عندما يعالجوا للقلق والإكتئاب النفسي.
وأمراض الكبد تتشابك كثيراً مع المظاهر النفسية وعلى سبيل المثال فإن التهاب الكبد الوبائي (c) يرتبط ارتباطا وثيقاً بحدوث الإكتئاب النفسي، وكما أن فشل الكبد وزارعة الكبد تترافق مع مظاهر نفسية كثيرة. ولا زال دور الضغوط النفسية له أهميته في أمراض القولون العضوية مثل مرض كرونز والتهاب القولون المتقِّرح، والتعاون بين طبيب الجهاز الهضمي والطبيب النفسي مهم في مساعدة المريض والوصول لأفضل النتائج.

الامراض الجلدية
ينشأ الجلد والجهاز العصبي في الجنين من نفس الجزء، ولذا نجد الرابط الدائم بين الأمراض الجلدية والإضطرابات النفسية، حتى لا يكاد يذكر مرض جلدي إلا ويقال إن للعامل النفسي دور في حدوثه، والجلد هو واجهة الانفعالات فاحمرار الوجه في الخجل والشحوب من الخوف، والعرق من الفزع ووقوف الشعر في حالات الرعب وجلد الوز عند التعرض لمشاهد مميزة ومثيرة.
وقد يكون الوضع النفسي هو المسؤول تماماً عن مشاكل الجلد وتوابعه مثل نتف الشعر أو قضم الأظافر، أو زيادة التعرق واحمرار الوجه في الرهاب الإجتماعي.
ويلعب العامل النفسي دوراً هاماً في الحكة والثعلبة وأقل أهمية في الأكزيما والبهاق والصدفية.
وفي هوس نتف الشعر (Trichotillomania) يقوم المريض بنتف الشعر من جذوره أو كسره وغالباً ما يحدث هذا في الفتيات في عمر المراهقة، ويظن الأهل في البداية أن الشعر يتساقط وبدأوا رحلة طويلة في إستعمال معالجات جلدية ومقويات للشعر، والواقع أن الشعر لا مشكلة فيه ولكنه يقطع كلما نبت، وقد تجد الفتاه وصلت لفقدان كل شعر الرأس والرموش والحواجب بهذه الطريقة وقد تبلع المريضة الشعر بعد نتفه، وهذه حالة نفسية بحته قد تظهر على أنها مشكلة في الشعر، وكذلك مرضى الوسواس الذين يبالغوا في إستعمال مواد التنظيف والمطهرات قد يصلوا لأطباء الأمراض الجلدية وكأن هناك مرض جلدي والواقع أن هذا هو الوسواس القهري ونتائجه.
وبعض الأمراض الجلدية ذات الإزعاج كالصدفية كثيراً ما تؤثر على الحالة النفسية وتترافق مع الإكتئاب والقلق، ومرضى البهاق الذين يخافوا الناس منهم ظناً أن هذا مرض معدي وفيه تكون هناك بقع بيضاء في الجلد اختفت منها بعض الخلايا الصبغية التي تعطي لون البشرة، وهو مرض غير معدي ولكن الفكرة السائدة بين الناس أنه معدي، فلو دخل مريض بالبهاق إلى مسبح خرج منه الناس وكأن المرض سيصيبهم على الفور.

الامراض الصدرية
كان الربو الشُعبي من أوائل الأمراض التي سميت نفسجسديه، ولازال هذا الارتباط قائم بين حدوث الربو وارتباط بمشاكل نفسية وإجتماعية ومنها التعرض للكوارث والحروب وبالتالي ارتباطه باضطراب شدة ما بعد الصدمة في مناطق الصراعات المسلحة، وارتباطه بالقلق العام والفزع والرهاب وارتفاع هذه الإضطرابات بين مرضى الربو بما يؤثر على تحسنهم بالعلاج.
ويترافق الإكتئاب مع التهاب في مجاري التنفس وتضيقها والشائع بين المدخنين، وما يسببه من معاناة وأرق، وحاجه للأكسجين، وتصل نسبة إنتشار الإكتئاب بينهم إلى ما يزيد عن 40% والقلق أقل من ذلك، بالإضافة للتأثير على الذاكرة ووظائف الدماغ المعرفية بسبب نقص الأكسجين الواصل للدماغ، ويستعمل الكورتيزون في عدد من أمراض الجهاز التنفسي بما له من أثار على الحالة النفسية، والمرضى الذين يعانوا من تدهور كبير في وظائف الرئتين ويحتاجوا لزراعة رئة، يحتاجوا للرعاية النفسية المكثفة مثل غيرهم من مرضى زراعة الأعضاء وما تحمله هذه الزراعة من احتمالات الرفض والوفاة وضرورة العزل لمنع الالتهابات، وأخذ أدوية عديدة لخفض مناعة الجسم حتى لا يتم رفض العضو المزروع، كل هذا قد يترافق مع الهذيان والقلق والأرق والإكتئاب.

الدكتور وليد سرحان