همسات نفسه -2086- الاكتئاب –تقديم

12

همسات نفسه – 2086
الاكتئاب –تقديم
Depression

وجد المرض النفسي ووجدت اضطرابات السلوك بمختلف أشكالها عبر العصور ، ولكونه غير محسوس فقد دار في دهاليز الأساطير والمؤثرات الخارجية على الإنسان من الآلهة والأرواح والشياطين وغيرها ، وحتى الآن ما زالت الحيرة بين الناس قائمةً حولَ علاقة الأمراض النفسية بالروح وأين هي من العقل والذكاء والتفكير والدماغ ، وما هو المزاج ، وهل يمكن تحديد مكانه ، داخل الجسم أم خارجه ، هذه الحيرة أربكت المجتمعات البشرية ، وتاه المريض النفسي في دهاليز عجيبة ، ففي البلاد العربية لم يُعرف الطب النفسي الحديث إلا مؤخراً ، ولكنه ما زال قاصراً عن إتمام عمله ، فإقبال الأطباء على هذا الإختصاص ليس كبيراً ، وثلاثة أرباع مرضى الاكتئاب مثلاً قد لا يصلون أبداً إلى الطبيب النفسي ، ولا زال المرض النفسي يعني الجنون في تفكير المواطن العربي ، وهناك أعداد كبيرة من المصابين بالاكتئاب يترددون على المشعوذين ، ويراجعون الأطباء من إختصاصات أخرى أو الأطباء العامين ، وكثيراً ما يفلت الاكتئاب من التشخيص في مراكز الرعاية الصحية الأولية ، وإذا شخص فإنه يعالج على الأغلب من قبل الطبيب العام بطريقة مبتورة ، ولا ننسى أن ثلاثة أرباع المنتحرين يعانون من الاكتئاب ، وكذلك نصف من يحاولون الانتحار أو يؤذون أنفسهم ، ناهيك عن العواقب المالية والاجتماعية والأسرية التي يؤدي إليها الاكتئاب.
لا بد من التأكيد على أن النفس هي جزء من الدماغ ، ولا علاقة لها بالروح ، والنفس هي من أعظم ما أبدع الخالق ، فالخلايا العصبية وهي بالمليارات تعمل كهربائياً وتتشابك بعضها مع بعض عبر سلسلة من المشابك العصبية ، التي تمرر المعلومة العصبية بطريقة كيماوية ، وقد تقوم الخلية العصبية الواحدة بالاتصال بآلاف الخلايا الأخرى ، وتستخدم عشرات المواد الكيماوية كناقلات عصبية كيماوية ، تفرز من خلية في المشبك وتنتقل إلى المشبك الآخر ، لتوصل تأثيرها قبل أن يتم التخلص منها أو إعادة تجميعها لاستعمالات قادمة . والشبكة الهائلة من الخلايا والمشابك والناقلات العصبية الكيماوية ، هي المسؤولة عن أحاسيس الإنسان وانفعالاته وتفكيره وإدراكه ومشاعره وسلوكه وأوهامه ونشاطه ونومه وشرابه، وغيرها من الوظائف التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية. ولا بد من التأكيد أيضاً على أن الأمراض النفسية يحدث فيها اضطراب في هذه المراكز الهامة في الدماغ ، وهذا الاضطراب قد يتعلق بنشاط الخلية وإفرازها للناقلات العصبية بزيادة أو نقص ، أو عدم قدرة الخلية على استقبال الرسائل كيماوياً وفهمها وعملها ونقلها حسب الأصول ، وهذا لا يختلف عن معظم أمراض البشر إلا أنه أكثر تعقيداً ، فلا فرق بين الاكتئاب والسكري من الناحية الطبية إلا أن الاكتئاب يمكن التخلص منه ، ولكن من الصعب التخلص من السكري ومضاعفاته الكثيرة ، ولا بد من أن تتوسع قاعدة الثقافة النفسية بما يخدم مصلحة الإنسان وصحته وحياته ، ومصلحة المجتمع واستمرار تقدمه وتنميته ، وهناك حقائق لا بد من وضعها في الإعتبار وهي أن 340 مليون إنسان في العالم يعانون من الاكتئاب النفسي ، وهذا يشكل 10% من سنوات العطاء في أنحاء العالم .