همسات نفسية -2088- الاكتئاب في القرآن الكريم والأدب

12

همسات نفسيه -2088-
الاكتئاب في القرآن الكريم والأدب

ظهرت اللغة العربية في البلاد التي تمتدُ بين البحر الأحمر والمحيط الهنديّ ، وخليج العرب ، وخطٍ وهمي يتجه شرقاً من رأس خليج العقبة حتى الفرات ، وتسمى تلك البلاد شبه جزيرة العرب، كما تسمى الجزيرة العربية توسعاً .
لقد وصلت اللغة العربية إلى عصر الأدب الجاهلي مزودةً بمحاسن لغات عديدة وحضارات كثيرة ، تستطيع التعبير عن كل شيء مما دقّ وسما ، وتستطيع الإفصاح عن خلجات النفوس ولواعج الصدور وتصوير المناظر والخواطر ، وما أن ظهر فيها القرآن حتى ثبتها وعمل على حفظها ، بالرغم من تقلبات الأيام وأحداث الزمان .
تمتاز تلك اللغة بأنها اعرابية فيها ضروب من النحت والقلب والترادف ، وأنواع من المجاز والكناية وما أشبه . وقد قال عنها المستشرق الكبير بروكلمن: “تمتاز لغة الشعر العربي بثروةٍ واسعة في الصور النحوية ، وتعد أرقى اللغات الساميّة تطوراً من حيثُ تركيباتُ الجمل ودقة التعبير ، أما المفردات فهي غنيةٌ غنىً يسترعي الانتباه ، ولا بدع فهي نهرٌ تصب فيه الجداول من شتى القبائل” .
ومع ذلك فقد أصرّ المحافظون من أدباء العرب على أن اللغة العربية هي بأصولها لغة فطرية ، أي ما أطلقه لسان البداوة ببيان تلقائي ودون صناعة ، وإن كان ذلك هو الحال فإن نتاج اللغة الفطرية ومحتواها ، لا بدّ أن يكون مكنونات العواطف المزروعة في النفوس والخارجة مع أنفس الناس .
وكما سيأتي ذكره ، فإن الحزن تجربةٌ إنسانية شمولية وعالمية . فكيف يكون الأمر لدى العرب والذين تقوم حضارتهم على اللغة والتعبير أساساً . ولذلك جاء ديوان العرب (الشعر) مكتظاً بمصطلحات كثيرة ، تؤكد ممارستهم لعاطفة الحزن بل والتفنن في وصفها وتعيين أعراضها .
وإذا كان الاكتئاب مشقةً بيولوجية مقررة نسبياً في نفوس المكتئبين كما أتت به العلوم الحديثة ، فلا أدل على ذلك من نص الخالق عز وجل في سورة البلد ” لقد خلقنا الإنسان في كبدْ” ، وكبد هنا تعني المشقة والتعب وإرهاق النفس . هي على ذلك مشقة مخلوقة تأتي عند الشخوص المختلفين في أوقات مختلفة ، وفي تعبيرات مختلفة كذلك ، ولعل أهم هذه التعبيرات هي ما مضمونه الحزن والاكتئاب .
وهذا الكتاب المعجزة جاء إعجازه لغوياً لمحاكاة الحضارة السائدة لدى العرب، وحضارتهم هي بمجملها لغوية ، هي باختصار حضارة كلمة ومفردة . من هنا جاء تأثير البيان الفصيح على قلوب الناس ومواقفهم . في معركة أحد مثلاً حيث الهزيمة لأصحاب الرسول عليه السلام جاءت الآية الكريمة : (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون) بحديث دقيق يستشعر حالة المهزومين النفسية “الحزن” بل ويُتبعها بـِ “وأنتم الأعلون” كتعبير يمثل واحداً من أهم مبادئ العلاج النفسي الحديث ، رفع المعنويات واسترجاع القيم المكسورة “Restoration of Morale” فكأنه يذكرهم هنا بإنجازاتهم ورفعتهم وما قد أبدعوه سابقاً . ويقول إذا كانت تلكم هي مواصفاتكم فالخسارة معوضة وإمكانية الانتصار الجديد موجودة متاحة ، وهنا يأتي صراحةً توجهٌ نحو العلاج المعرفي ومنطقة الأمور وإخضاعها للعقل “Providing a rationale” . والأمثلة في كتاب الله الكريم غنية غنىً يجهض الحصر .
وجاءت أوراق العرب الشعرية مليئة بالحزن ، والغريب أن مصطلح “اكتئاب” حديث العهد بدلالته على الاضطراب النفسي الشهير مجال كتابنا قد جاء نصاً في شعر بعض الشعراء ، حيث مجنون ليلى الشاعر العذري يقول : –
وأمطر في التراب سحاب جفني
وقلبي في همومٍ واكتئابِ
ويشاركه في ذلك سبط بن التعاويذي : –
في برزخٍ منها أخاً كمـــدٍ حليـف كآبتين
أسـوان لا حيٌ ولا ميتٌ كهمزةٍ بين بينِ
أما “الكآبة” فهي شائعةٌ كمفردة عنت لشعراء العرب حالة طويلة المدى من الحزن ، فكأنهم كما سوف يلي يتحدثون عند ذكر “الكآبة” عن صفة حزن لا عارض حزن .
يقول “ذي الرمّة” : –
ومستبشراً تبدو بشاشةُ وجهه
إلينا ومعروف الكآبة عابسُ
وبنفس الفكرة يخاطب أبو نواس أحد المكتئبين : –
يا مثالاً من همومٍ يا تباريحَ كآبة
وأوس بن حجر يتعرض إلى حالة شديدة من الحزن ويذكر الكآبة: –
فلم أرَ يوماً كان أكثر باكياً
ووجهاً تُرى فيه الكآبة تجنبُ
كذلك فإن الاكتفـاء بالحزن والبكاء وعدم الاستفادة من العظة والتذكير ورفع المعنويات هي من مميزات الاكتئاب الشديد ، يقول أبو تمام في ذلك : –
متى يُرعي لقولك أو ينيبُ
وخِدناهُ الكآبة والنحيبُ
وانظروا إلى البحتري هنا وهو يصف دوام حالة الكآبة على طول أوقات اليوم وساعاته: –
يتظنى من الكآبة إذ يبـ
دو لعيني مصبحٌ أو ممسي
ويضيف أيضاً في غير موضع : –
واستشفعت بدموعها ودموعها
لُسنٌ متى تصف الكآبة تسهبِ
ورغم إستعراضنا لمجمل شعر العرب في الكآبة ، إلا أن أبا تمام بقدرته البلاغية الهائلة قد استطاع أن يجمع مواصفات كافية لتشخيص الكآبة في بيت واحد : –
هبي تري قلقاً من تحته أرقٌ
يحدوهما كمدٌ يحنو له الجسدُ
والأمثلة الأخرى كثيرة .
ولكن لواعج النفس الناتجة كردات فعلٍ لنوائب الدهر وصروف الزمان أخذت ألفاظاً أخرى متنوعة كالحزن والهم والأسى والكمد وغيرها . وحسرة الحداد (Grief reaction) هذا الحدث المتكرر في حياة البشر جاء ليصبغ نوعاً رئيسياً من شعر العرب ألا وهو شعر الرثاء. فالعرب على هذا أفردوا لحزن الفراق والحداد باباً كبيراً من أشعارهم وسكبوا دموعهم لغوياً على أوراقهم الخالدة.
هاهي الخنساء (الرثاءةُ العتيدة) ترثي أخاها صخراً بكلمات من حسرة : –
قذىً بعينيك أم بالعين عوّار
أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدارُ
وعنترة بن شداد ، لم تردعه خشونته وقسوته وشجاعته أن يطلق عاطفة الحزن عند مقام الموت : –
حين قالوا زهير ولى قتيلاً
خيم الحزنُ عندنا وأقاما
وهناك ظاهرة غريبة في تاريخ شعر العرب ، ألا وهي ظاهرة “الشعر العذري” ، ذلك أن جموع “بني عامر” القاطنين في نقاء البادية لم يبرحوها ولم يختلطوا بمناقب المدينة والحاضرة . فكان أن انصرفوا إلى مشاعر أنفسهم واختلاجات صدورهم ، ولم يكن شيء يستطيع أن يملأ تفاصيل حياتهم الفطرية الخالية من التعقيدات سوى الحب . وبما أن النفس بطبيعتها هي شبكة متداخلة، متناهية التعقيد ، صعبة التأويل فلا بد أن يبحثوا عن هذا التداخل والتعقيد لدى شيئهم الوحيد الذي يملأ حياتهم ألا وهو الحب ، فهم ببساطة قد سعوا نحو تعقيد حبهم ، ذلك أن الواحد منهم كان قادراً تمام القدرة على أن يظفر بمحبوبته ويقترن بها وينالها معنوياً وجسدياً ، ولكن هيهات ، إذ أن الأمور إذا سارت على هذا النحو من البساطة والمباشرة فكأنها تسلب شاعرنا العذري بضاعته التي يقتات عليها ويعيش ألا وهي “الحزن” . إنه هو بذاته قيس بن الملوح (مجنون ليلى) ، أو جميل بن معمر (جميل بثينة) ، أو أي من مجانين الحب العذري الذي يضع العراقيل ، ليُمنع من الارتباط بمن يحب ، كان الواحد منهم يحب الفتاة فيتغزل بها ، فيفتضح أمرها ، فإذا خطبها إلى أبيها ردّه خائباً مخافة التعيير لئلا يقال زوَّجَها له ستراً لعارها . وهذا ما يدعو العاشق إلى الإجتماع بحبيبته سراً على غرّة من أهلها ، حتى إذا عرفوا بأمره تشددوا بحجبها وشكوه إلى الوالي ، فيهدده ويتوعده ، ثم يهدر دمه فيهرب هائماً على وجهه ، يجوب القفار ، وينشد الأشعار حتى يأتيه الموت وينتهي عذابه المحبب والمطلوب .
يقول جميل بن معمر : –
لاحــت لعينــــك مـن بثينة نارُ
فدمــــــوع عينــك درةٌ وغــزارُ
والحب أولُ مــــــا يكون لجاجةً
تأتــي بــه وتسوقــــه الأقــدارُ
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى
جاءت أمـــورٌ لا تطـــاق كبـــارُ
مــا مــن قريــن آلــفٍ لقرينها
إلا لحبـــل قرينهــــا إقــصــارُ

والبيت الأخير يبين صراحةً وجهة نظر الشاعر من الزواج ، فهو إقصار للوعة الحب ووهجه وهذا ما لا يريد وما لا يطيق .
على ذلك فإذا كانت حسرة الحداد وما ترافق معها من حزن وتعب وإضطراب هي ظاهرة طبيعية لفقدان يصنعه القدر رغماً عنَّا، فإن العذريين يشيـرون باضطراب لديهـم إذ أنهـم يبكـون فقداناً هــم صنعـوه بأيديهـم ، وهـذا يتفق مـع المواصفـات الحديثـة لاضطـراب فـي الشخصيـة – الشخصيـة المؤذيـة لنفسهـا (Self Defeating Personality Disorder) ، ولكن التحفظ على هذا التشخيص بالأثر الرجعي هو أن الشخصيات تتبعُ منحنى التوزيــع الطبيعي لدى المجتمعــات ، فلا يعقل أن تصاب قبيلة كاملة باضطراب شخصية واحد مما يرجح أن هذه الظاهرة تمثل اضطرابـاً مرتبطاً بالثقافــة ومبرراً نسبياً بما قدمنا سابقاً (Cultural Bound Syndrome) .
بعض الشعراء من قدم حلولاً ذاتية لمشكل الحزن وانصرف إلى شرب الكحول للخلاص من هموم نفسه (Self-Medication Model)، وهذا يدلل على إرتباط تاريخي بين الاكتئاب وتعاطي وإدمان الكحول والذي تؤكده الدراسات الحديثة (Comorbidity) والأمثلة نراها لدى أبي نواس الشاعر الماجن : –
قــم يـــا خليلي إلــى المــدام لكي تطرد عنّــا عساكـر الحزنِ
ويقول أيضاً : –

إذا خطرت فيك الهموم فداوها بكأسـك حتى لا تكون هموم

على الجانب الآخر ، نرى طريقة أخرى للتشافي من الحزن لدى الشعراء الفقهاء ، وهي نظرة ترتبط بالالتزام الديني الداعي للاتكال على الله وإثلاج القلوب بطمأنينة ، وهاهو صاحب المذهب الإمام الشافعي يقول : –

ولا تخطر همومُ غدٍ ببالي فإن غداً له رزقٌ جديدُ

ويرى بعضهم أن هموم الحياة هي ملهم الإبداع ومفتاح توقد الإنتاج والأخطل أحدهم : –

وقد تبيتُ هموم النفس تُبعث لي
منها نوافذُ حتى أعمل الجملا

وبين هذا وذاك تأتي نظرة الشعراء الحكماء الذين صقلتهم التجارب وعاركتهم الحياة ، ومثالنا الأوضح “مالئ الدنيا وشاغل الناس″، أبو الطيب المتنبي حيث يقول : –

لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً
ولا أبيت على ما فات حسرانا

والمتنبي هذا “النجم المستمر” كان موضع بحث غني وتمحيص وتأويل غنيين حتى عصرنا هذا ، ذلك أن أبا الطيب نفسه كان غنياً في كل شيء : شخصيته المتراوحة ، حياته المخضبة بالخطوب ، وشعره المتطاول معنىً والمتجدد لفظاً وأسلوباً على شعراء زمانه . وهـذا الأخير يفتح شهية الباحثين على الغوص في غمار شعره وحياته . لقد كان شعر المتنبي شديد اللصوق بشخصيته ، فكان صورةً لنفسه في كل أحوالها: في مجازفتها وتقديسها للقوة ، في صبرها وأنفتها ، وفي تموقعها بين الثورة والتشاؤم وبين الاعتداد والحزن.
وقد علق الدكتور طه حسين في كتابه “مع المتنبي” بأن قراءة ديوان المتنبي تعطي الانطباع بأنه مكتئب ، ضحك مرة واحدة في حياته ، بل إن بعض الباحثين قد طبق المواصفات العالمية المتبعة لتشخيص الاكتئاب على شعره وتجرؤوا على تشخيص شاعر العرب وعلى بعد ألف عام ونيف من وفاته “بالاكتئاب” .
لماذا لم تمنع نظرته الموضوعية إلى الحياة المذكورة سابقة إصابته بالاكتئاب ؟؟ بل لماذا لم تفده حكمته البالغة ولم تمنحه مناعة الصحة النفسية ؟ ، إن هذا تأكيد لمساهمة البيولوجيا والتأهيل الشخصي المطروحة الآن في التسبب بالاكتئاب .
لقد تحدث صراحة عن هبوط المزاج : –
الحزن يقلق والتجمل يردعُ
والدمعُ بينهما عصيٌّ طيعُ
وتمنى الموت غيرَ مرة : –
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
ولقد ملّه الفراش وأعياه القلق :
أرقٌ على أرق ومثلي يأرقُ
وجوى يزيد وعبرة تترقرقُ
والمتنبي الخالد يشكو من النحول وفقدان الوزن : –
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ
لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ومخاطبته كافية ، كافية جداً .
إننا نحبذُ أن يلتصق الاكتئاب كتشخيص بشخص المتنبي ، وكفى بالاكتئاب فخراً أن يكون المتنبي صاحبه ، ولا ندري ما سيكون عليه الحال لو كانت مضادات الاكتئاب موجودة في عصره؟؟؟ . سؤال لنا ولكم .