همسات نفسية -2089-

12

همسات نفسيه -2089-
الحزن والاكتئاب

إن الشعور بالحزن من متطلبات حياة الإنسان ، ولا بد لكل فرد من بني البشر أن يمر بلحظات أو ساعات وأحياناً بأيام أو بأسابيع من الشعور بالحزن والهم والغم والنكد لسبب أو لآخر ، فهذا حزين لأنه رسب في امتحان وذاك خسر في تجارة ، وفلانة تبكي فراق زوجها الذي توفاه الله ، وفلان قد هبطت معنوياته لأن الفتاة التي أحبها لسنوات قررت الزواج من غيره ، هذه الأمثلة وغيرها الكثير الكثير قد يمر بنا جميعاً دون استثناء ، ومن الملاحظ في مشاعر الحزن أن تبدأ بحدث أو ظرف معين وتتصاعد معه وما تلبث أن تخف وتتلاشى في فترة تتراوح من ساعات إلى بضعة شهور ، ومن المألوف أن الحزن لا يستمر على نفس الشدة ولا يعطل حيـاة الإنسان ، ولكن الاكتئاب يختلف في النوع والكم والتطور ، وقد يبدأ حزناً عادياً ويتطور للاكتئاب ، ولكنه كثيراً ما يبدأ اكتئاباً دون مقدمات وأسباب للحزن ، ومن الممكن أن يتحول الحزن الطبيعي المقبول إلى اكتئاب في أية لحظة ، ومثال على ذلك الإنسان الذي يفقد شخصاً عزيزاً عليه ، ويمر بمراحل حسرة الحداد ، وفي المرحلة الأولى يكون في صدمة ولا يصدق ما حدث ، ثم يدخل في المرحلة الثانية من البكاء والحزن ، والشعور بالفقدان ، ويفترض في هذه المرحلة أن تنتهي بعد أسابيع أو شهور ليدخل الإنسان في مرحلة التأقلم مع الحدث والتعايش معه ، ولكن البعض لا يستطيع ذلك وقد يدخل في المرحلة الأولى أو الثانية في الاكتئاب النفسي ، وتبدأ مظاهره المختلفة ، وتتغير مسيرة حسرة الحداد .
ولو أخذنا مثلاً للتفريق بين الحزن والاكتئاب كأن يفقد شخصان كل ما يملكان بحادث سطو مسلح ، وبالتأكيد سيكون الحزن والقنوط ملازماً لهما ، وقد يصلان إلى اليأس ، ولكن إذا كان أحدهما لديه الاستعداد للاكتئاب النفسي فإنه سينتقل من الحزن إلى الاكتئاب ، فإذا حدث بعد بضعة أسابيع أن تم إستعادة كل ما فقداه ، فإن الأول الحزين ، والذي لم يطور اكتئاباً تنتهي مشكلته بعودة ممتلكاته ، وسيحتفل ويبتهج ، أما الثاني الذي أصبح في حالة اكتئاب ، فإنه بعد عودة ممتلكاته ، سيبقى مكتئباً بائساً ، بل قد يزيد اكتئابه ، لأنه رغم زوال السبب لم يتغير شعوره وبدأ يطور أفكاراً اكتئابية ، بأن ما حدث يمكن أن يتكرر وما فائدة الحياة إذا كان للإنسان أن يتعرض لمثل هذه المواقف مستقبلاً ؟ حتى أنه بعد ذلك قد يصبح زاهداً في هذه الثروة التي انتظرها طويلاً أو غضب لفقدانها ولكن بعد عودتها إليه لم يكن قادراً على التعايش الطبيعي معها، فقد تحول الحزن إلى اكتئاب ، وما يعنيه هذا من حدوث نقص في الناقلات العصبية الكيماوية في المشابك العصبية المسؤولة عن المزاج في الدماغ .
ومعظم الناس تخلط بين الحزن والاكتئاب ، فإذا علم أحدهم أن صديقه مكتئب يرفض الأمر ، ويحاول إقناعه بأنه شخصياً قد تعرض لأسوأ من حالته عندما فقد ابنه أو عندما خسر تجارته ولكنه تخطى ذلك ، ويتساءل عن مبرر للإكتئاب لدى صديقه ، دون الإدراك أن الاكتئاب ليس بحاجة لمبرر وان ما تخطاه هـو كان حزناً وليس اكتئاباً ، ولا بد من التفريق بينهما ، وإذا كان الحزن الطبيعي يكدر حياة الإنسان مؤقتاً فالاكتئاب مرض لا بد من معالجته ، وتبعاً لمنظمة الصحة العالمية فإنه من الأمراض الشائعة جداً القابلة للعلاج.