همسات نفسية -2095

2111782222_421103213

همسات نفسية -2095-
المرأة والاكتئاب
من المعروف أن المرأة أكثر عرضة للإكتئاب من الرجل بثلاثة أضعاف ، وفي مختلف المجتمعات ، إلا في الاكتئاب المصاحب لاضطراب المزاج المزدوج القطب (الزهو الاكتئابي) والذي يتساوى انتشاره بين الرجال والنساء وبمعدل 1% من السكان . ومن المؤسف أنه رغم هذا الإرتفاع الواضح للاكتئاب بين النساء فإننا لا نجد أنهن يصلن إلى العلاج بنفس النسبة ، وعلى الأغلب فإن الرجل أكثر حظاً في الوصول للعلاج من المرأة . والعوامل التي ترفع من معدل الاكتئاب عند المرأة عديدة منها : الحمل والولادة وما يعنيه ذلك من تغيرات فسيولوجية وهرمونية ، وتغير في الدور الذي تؤديه المرأة في الأسرة والمجتمع ، وكما أن الوضع النفسي والاجتماعي للمرأة عموماً وفي مجتمعنا بالذات يحوي الكثير من الكبت والقمع والاضطهاد للأنثى ، فهي منذ ولادتها مرفوضة ، ثم تتعرض للتفرقة والتمييز في طفولتها وتحرم من التعليم والخروج إلى الحياة ، وقد تتزوج في سن مبكرة وتحمل مسؤوليات كبيرة ، وتنتقل المرأة من إضطهاد الأبوين إلى اضطهاد الزوج ، وعادةً ما تكون المرأة كبش فداء لكثير من مشاكل المجتمع ، وهي الأكثر تأثراً بالفقر والبطالة من الرجل ، وهي أكثر عرضة للإساءة الجنسية والنفسية والجسدية في الطفولة ، وعرضة للعنف الأسري بعد الزواج . وفي كثير من الحالات التي تصل إلى العيادات النفسية ، نجد أن المرأة قد أصيبت بالاكتئاب مثلاً بعد الولادة الأولى ، وتأثرت حياتها بالكسل والخمول والتباطؤ وضعف الثقة بالنفس والسلبية ، وأتهمت بالإهمال في البيت والزوج والأبناء ، ولم يسمع طلبها للعلاج ، ولم يكترث لها عندما حاولت الانتحار بل على العكس عوقبت على ذلك ، ونصحت بالحمل من جديد ، وتكررت الحكاية عند بعض السيدات أكثر من خمس ولادات ، واكتئاب متواصل تخف حدته في الحمل ويشتد بعد الولادة ، وقد يصل الأمر بالزوج إلى الزواج من أخرى ، لأن زوجته غير قادرة على رعاية البيت وتقديم واجباتها الزوجية على أكمل وجه ، وليس غريباً أن ترى سيدة لم تكمل الثلاثين من عمرها وقد أمضت اثنى عشر عاماً أو أكثر في الزواج كلها حمل وولادة وإكتئاب ومشاكل ، ووصلت إلى فقدان 30 كغم من وزنها ، وتظنها للوهلة الأولى قد تجاوزت الخمسين ، وليس غريباً أن تحضر المرأة للعلاج دون علم الزوج خوفاً من أن يؤخذ عليها أنها مريضة نفسية ، وكثيراً ما تهدد المرأة بأنها سوف تطلق وتحرم من أطفالها لأنها فاقدة لعقلها إذا وصلت إلى العيادة النفسية ، ومع أن هذا غير صحيح قانونياً لكن المرأة قد تصدقه لعشرات السنين ، وكثيراً ما تصل المرأة للعلاج ولا تكمله ، لأن الزوج اعترض أو غير مقتنع أو أنه بدأ يعيّرها بالمرض ، واضطرت للمكابرة والادعاء بأنها شفيت والحمد لله ، ومن الملاحظ أن عدد أسرة النساء في المستشفيات النفسية في الدول المتقدمة تكون أكثر من الرجال وكذلك مراجعات العيادات الخارجية ، أما في معظم الدول العربية فإن عدد أسرة النساء غالباً ما يكون ربع أسرة الرجال ، والمراجعات في العيادات بالتأكيد ينال الرجلُ منها نصيباً أكثر من المرأة بدرجات متفاوتة في الأمراض المختلفة ، في الاكتئاب تحديداً ، مع أن عدد النساء المكتئبات ثلاثة أضعاف الرجال تقريباً . وبالتالي فإن مجتمعنا يطالب المرأة بالكثير الكثير ، ولا يقدم لها ما نصت عليه الشريعة الإسلامية في المساواة ، وما يقبله المنطق والإنسانية في العلاج إذا مرضت ، وهو أبسط حقوق الإنسان . حتى المرأة التي تعلمت وأصبحت أستاذة جامعية أو طبيبة أو مهندسة ، وتعمل وتنتج وتعتمد على نفسها اقتصادياً ما زالت تعاني الكثير من القهر والتفرقة ، وما زالت مطالبة بأن تحضر كوب الماء للزوج حتى لو كانت مرهقة ، وكأن بعض الرجال يعاقب زوجته العاملة بكثرة الطلبات والضغوط مقابل السماح لها بالخروج للعمل ، ويسمح الرجل لنفسه بالكثير من الحريات ، ويحجب عن المرأة أبسط الحقوق مثل زيارة والدتها المريضة ، أو الإستراحة بعد عناء العمل لساعة . ولا شك أن للحركة النسائية دوراً في التخفيف من معاناة المرأة ، وهذا دور لا بد أن تتعاون فيه كافة المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية وأهل الفكر والرأي والصحافة والإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية.
وفي معالجة الاكتئاب عند المرأة لا بد من الأخذ بعين الاهتمام بعض الفروق عن الرجل ، مثل زيادة الأعراض قبل الدورة الشهرية والحمل ومراحله المختلفة ، والولادة وما يترتب عليها من انتكاسات للمرأة المكتئبة ، ولا يعد الحمل أو الولادة عائقاً لمعالجة الاكتئاب ، وهناك من أساليب المعالجة ما لا يؤثر على الجنين ولا على مسيرة الحمل .
ومن المعروف أن بعض النساء اللواتي يعانين من توتر ما قبل الدورة الشهرية ، قد تظهر عليهن أعراض الاكتئاب بشكل واضح قبل كل دورة شهرية وهذا يتطلب العلاج ، كما أن نسبة من النساء لا يتحملن أقراص منع الحمل وقد تؤدي إلى التوتر والقلق والاكتئاب ، أما بعد الولادة فإن أكثر من نصف النساء تظهر عليهن أعراض كآبة عابرة بين اليوم الثالث والخامس بعد الولادة ، ولا تحتاج هذه الحالة لأي معالجة ، وذلك أن مجرد التطمين والعلم المسبق بإمكانية حدوثها وزوالها تلقائياً بأقل من أربع وعشرين ساعة يكون كافياً ، وخلال الأسابيع الستة التي تعقب الولادة فإن عشر النساء يعانين من اكتئاب النفاس بدرجات وفترات متفاوتة ، وبالرغم من زواله تلقائياً في بعض الحالات إلا أنه قد يتطلب علاجاً فورياً ، وفي نسبة قليلة لا تتعدى الحالة لكل ألف ولادة قد تصاب المرأة بذهان النفاس ويكون فيه أعراض الهلوسة والتوهم واضطراب التفكير والسلوك ، وفي كثير من هذه الحالات يكون هناك أعراض اكتئابية واضحة مع الذهان .
ومن النادر أن تصاب المرأة بحالات اكتئاب شديدة أو ذهان اكتئابي أثناء فترة الحمل ، وعندها قد تلح على الإجهاض وقد تحاول إيذاء نفسها وجنينها ، وهذا يمكن علاجه ، وليس من المسموح قانونياً وشرعياً إجراء الإجهاض ، والذي ينص القانون على أنه يُجرى فقط إذا كان استمرار الحمل يهدد حياة الأم بالخطر الأكيد .
ومن المشاكل الشائعة في مفاهيم الناس وحتى الأطباء أحياناً أن سن اليأس وهو انقطاع الدورة الشهرية ، وعدم إمكانية الحمل ، يفهم على أنه حالة من اليأس والاكتئاب . وهذا غير صحيح ، فقد دلت معظم الدراسات أن الاكتئاب عند المرأة يكون في أعلى معدلاته في السنوات الخمس التي تسبق انقطاع الدورة الشهرية ، أما بعد توقف الدورة الشهرية ، فإن معدلات الأمراض النفسية تقل عند المرأة وخصوصاً الاكتئاب ، وباعتقادنا أن تسمية سن اليأس خطأ لغوي وعلمي فاليأس من الحمل يفهم على أنه اكتئاب، ونقترح أن يسمى (سن الأمل) طالما أنه بداية لانخفاض معدلات الأمراض النفسية والاكتئاب .