همسات نفسية -2094

E41EDB46-6580-4E15-9162-234028E6EBB8_w1023_r1_s

همسات نفسيه -2094-
الانتحــــار

إن معدل الانتحار في أي مجتمع له تأثير على المجتمع ، ويعكس بشكل واضح مدى قدرة المجتمع على احتواء هذه الظاهرة ومنعها ، وتتفاوت المعدلات المعلنة للانتحار في الدول المختلفة ما بين 25 – 45 حالة انتحار لكل مائة ألف من السكان سنوياً في الدول الغربية ، وتنخفض في الدول العربية إلى ما دون “الحالة” لكل مائة ألف من السكان ، ويبدو أن هناك حماية من الانتحار في المجتمع العربي والإسلامي بسبب الوازع الديني والترابط الأسري والاجتماعي ، ولكن انخفاض النسبة في الدول العربية وغيرها من الدول النامية يلعب به عامل آخر وهو عدم دقة التبليغ ، ولما يحمل الانتحار من وصمة في المجتمع فإن الكثير من الحالات لا تسجل على أنها انتحار ، وتُعطى أسباب طبيعية للوفاة . ومن المعروف أن ثلثي المنتحرين يكونون قد نوهوا بالانتحار أو أعلنوه صراحة للأطباء ، أو لذويهم ولم يُتخذ أي إجراء ، كما أن نسبة كبيرة من المنتحرين يكونون قد حاولوا الانتحار مرة أو أكثر ، ولم تؤخذ محاولاتهم على محمل الجد ، وفي القانون الأردني مثلاً فإن على الادعاء العام التحقق فقط في محاولات الانتحار والانتحار بما يتعلق بنقطة وحيدة هي أنه لم يكن هناك مساعدة من أي شخص على الانتحار أو محاولته ، وأن ما تم لم يكن محاولة قتل ، وبعدها يقفل ملف القضية ، دون إلزام بإجراءات من قبل المستشفى ولا المريض الذي وصل إلى الطبيب بعد أن حاول الانتحار أو ما يسمى (بإيذاء النفس المتعمد) ، والذي يصل معدله سنوياً إلى 350 – 500 حالة لكل مائة ألف من السكان في معظم الدول المتقدمة ، أما في الدول العربية فالرقم أقل بكثير من ذلك ، وقد لا يتعدى عشر حالات لكل مائة ألف من السكان ، وذلك لنفس الأسباب الواقفة وراء انخفاض معدلات الانتحار.
ومن المعروف أن الذكور أكثر انتحاراً من الإناث ، مع أن الإناث أكثر في محاولات إيذاء النفس المتعمدة ، كما أن العزلة الاجتماعية والعائلية تزيد من احتمال الانتحار ، فالمطلقون والأرامل والعزاب أكثر انتحاراً من المتزوجين ، وأما المشاكل النفسية فعلى رأسها الاكتئاب ، إذ أن أكثر من 70% من المنتحرين هم من ضحايا هذا المرض ، ونسبة أخرى من ذوي الشخصيات المضطربة والمدمنين على الكحول والمخدرات ، ونسبة من مرضى الفصام العقلي .
وهناك عوامل أخرى تجعل من الانتحار أكثر احتمالاً عند مرضى الاكتئاب خصوصاً البطالة ، ومحاولات الانتحار السابقة والأمراض العضوية المستعصية ، بالإضافة إلى أن بعض فئات المجتمع والمهنيين تبدو أكثر ميلاً للانتحار ، فالطبقات الضعيفة والعالية أكثر ميلاً للانتحار من الطبقات المتوسطة ، وهناك مهن كالأطباء والقضاة والكتاب يبدون ميلاً للانتحار أكثر من غيرهم ، وقد لوحظ في السنوات العشرة الأخيرة انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الانتحار في كثير من الدول ، وقد عزي سبب ذلك للتقدم الهائل في معالجة الاكتئاب وازدياد الوعي لهذا المرض .
وعند تقييم حالة المريض النفسية لا بد أن يقوم الطبيب بمعرفة أية أفكار بعدم جدوى الحياة أو تمني الموت ، وما هو الرادع لعدم الانتحار ، وهل حاول المريض الانتحار سابقاً أو خطط أو يخطط له ، وقد يتردد الناس والأطباء أحياناً في السؤال عن الانتحار وكأن السؤال سيجعل المكتئب ينتحر ، وهذا ليس صحيحاً ، بل إن السؤال عن الانتحار بحد ذاته هو أحد وسائل الوقاية من حدوثه .
وفي مجتمعنا العربي لا بد أن نعمل بجد بهدف إبقاء الانتحار تحت السيطرة ، وذلك يتم بعدة وسائل :-
1. التركيز على الوازع الديني وتحريم قتل النفس.
2. عدم التخلي عن الأسرة الممتدة ، والتكافل الاجتماعي والتعاطف الذي تمتع به مجتمعنا لفترات طويلة ، ويلاحظ في السنوات الأخيرة أن هناك بوادر تفكك لهذا التكافل المحبب والمطلوب.
3. زيادة الوعي للمشاكل النفسية عموماً والاكتئاب خصوصاً بين الناس.
4. توفير الخدمات النفسية والارشادية في المدارس والجامعات والمصانع.
5. إدخال المرض النفسي ضمن أنظمة التأمين المختلفة ، والتي دأبت على استثناء المرض النفسي دون منطق.
6. تدريب طلاب الطب والأطباء العامين في ميدان الطب النفسي، والتأكيد على قدرة الطبيب العام على تمييز الاكتئاب وتشخيصه وعلاجه إن أمكن أو تحويله إلى الأطباء النفسيين.
7. معالجة حالات الاكتئاب الشديدة والتي فيها نوايا انتحارية ، بحذر ودقة وفي مكان متخصص وآمن ، وضمن رعاية طبية وتمريضية متخصصة في مستشفى نفسي أو قسم للطب النفسي في مستشفى عام.
8. العمل على تعديل القوانين بحيث يصبح التقييم النفسي إجبارياً لكل محاولات الانتحار وإيذاء النفس.