همسات نفسية -2098-

12

همسات نفسيه -2098-
الاكتئاب المتكرر

ظاهرة التكرار في الأمراض النفسية ليست بالظاهرة الغريبة أو الشاذة فكثير من هذه الأمراض يكون تكرارها متاحاً جداً . ومن المفيد التمييز بين الانتكاسة المرضية (Relapse) والتكرار المرضي (recurrence) ، فالأول يمثل ارتداداً إلى حالة نفسية أكثر صعوبة مما كانت عليه ، مع العلم أن المريض في حالة انتكاسه لا يكون قد تشافى تماماً من مرضه الأصيل . التكرار حالٌ آخر ، فالمريض يكون قد استشفى من مرضه الأصيل بشكل كامل ومرت عليه فترة عادت فيها حالته النفسية مستقرة وخاليةً من الأعراض ، ولهذا فإن التكرار يمثل عودةً لأعراضٍ مرضية للمرض السابق والتي من المفروض أن المريض تجاوزها واستشفى منها . الحالة الأولى الانتكاسة يحتاج فيها المريض علاجاً للتغطية والثبات (Maintenance therapy) ولمدة زمنية يحددها الطبيب لمختلف الحالات ، ومن هنا جاءت فكرة الالتزام بأخذ مضادات الاكتئاب لمدة الأشهر الستة آنفة الذكر ، وتأتي هذه السُنّة من باب عدم الانتكاس ، أما التكرار لنفس المرض عدة مرات فيحتاج إلى علاج وقائي (Prophylaxis Treatment) من أجل الحفاظ على استقرار المريض ودرءاً لرجوع غير حميد لذات المريض .
الاكتئاب – كاضطراب – خاضع للانتكاس والتكرار . وقد يكون من المفيد التعرض لأشكال هذا التكرار والذي يأخذ صوراً مختلفة ، ولعلنا نصل إلى فهم أفضل لهذا الموضوع إذا نظرنا إلى الاكتئاب كاضطراب يقع ضمن طيف ممتد على مستواه الأول تقع الشدة ، وعلى مستواه الثاني يقع تكرار الحصول لهذا المرض .

×
(الشدة) (2)

وإذا أخذت أي نقطة في هذين المستويين كان النتاج وصفاً مفيداً لحالة الاكتئاب التي يمر فيها المريض ، وللتأكيد فإن أي نقطة تقترحها متواجدة في مجتمع مرضى الاكتئاب ونشاهدها إكلينيكياً وإحصائياً .
وقياساً فإن نقطة (1) تمثل اضطراباً اكتئابياً شديداً ومتكرراً (Recurrent depressive disorder: severe type) وعلى نفس المنوال فإن نقطة (2) تمثل اضطراباً اكتئابياً خفيفاً غير متكرر أي لمرة واحدة (Depressive episode: mild type) .
ورجوعاً إلى تقسيم الأمراض الوجدانية بناءً على مسيرة المرض ، فإن الاكتئاب قد يكون منفرداً في الاضطراب الوجداني أحادي القطب (Unipolar) أو قد يكون جزءاً من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب (Bipolar) ، وهذا الأخير مشهور بتراوحه بين الإستشفاء والعودة إلى الأعراض أي التكرار سواءً للاكتئاب أو الزهو ، فهو إذن اضطراب موسوم بصفة التكرار . والاضطراب الوجداني أحادي القطب لا يحمل نفس السمة فيما يتعلق بالاكتئاب ، لكن الواقع الاحصائي يفيد أن نصف المرضى المصابين بالاكتئاب للمرة الأولى واستشفوا منه ، يتعرضون لعودة ثانية على الأقل خلال السنة الأولى من الإصابة بالاكتئاب للمرة الأولى ، وتزيد النسبة لتصل حوالي 75% خلال السنة الثانية ، نتحدث هنا عن المسير الطبيعي للمرض دون اللجوء إلى العلاج الوقائي .
قد يترافق الاكتئاب مع ظروف طبية خاصة ويأخذ صفة التكرار مع تكرار الظرف الطبي ، وتكون أوضح صور هذا الترابط ذلك الذي يربط الاكتئاب بفترة النفاس (Puerperal depression) ، إن النسبة المعروفة لإصابة النساء الوالدات لمواليد جدد بالاكتئاب (10%) ترتفع بعد الإصابة الأولى ، ونرى في بعضهن اكتئاباً يمكن التنبؤ به ورصده في الأسبوعين الأولين من الولادة ويستمر لفترة لا تتجاوز الشهر غالباً ، وتشفى حتى بدون علاج وبشكل تلقائي ، ما عدا نسبة بسيطة قد يستمر الاكتئاب فيها طويلاً مستلزماً تدخلاً طبياً مناسباً .
الاكتئاب الموسمي كذلك يأخذ صفة التكرار ويرتبط ارتباطاً موسمياً ، حيث يمثل فصل الشتاء مرتعه الخصب الذي فيه يكون ويتكرر .
والصورة الأوضح للاكتئاب المتكرر تلك الموصوفة تحت تسمية الاكتئاب المتكرر قصير المدى (Recurrent brief depression) . ورغم عدم ورودها تحديداً في التقسيمات العالمية للأمراض النفسية، إلا أنها من أكثر الاضطرابات الاكتئابية مشاهدةً في العيادات النفسية ، حيث تمثل في بعض الاحصائيات حوالي 5% إنتشاراً في المجتمع . وهذا النوع من الاكتئاب يأخذ نفس المواصفات الكافية لتشخيص الاكتئاب من المزاج المنخفض ، والاضطرابات البيولوجية والأعراض السلوكية والمعرفية ، ولكن الوقت اللازم لتشخيص الاكتئاب والمحدد بوجود الأعراض بشكل دائم ولمدة أسبوعين على الأقل نجدها غير متوافرة هنا ، حيث تستمر الأعراض لعدة أيام فقط، وتنجلي حدتها وتغيب فترة من الزمن لتعود بعد ذلك ولمدة وجيزة . ورغم ما يبدو ظاهرياً أنها أفضل مسيراً من الاكتئاب الكبير لقصر مدة الاضطراب ، إلا أن التكرار الشديد لها يشوش هذه النظرة المريحة ، حيث يتكرر الاضطراب في بعض المرضى ليصل عدة مرات في الشهر ، إضافة إلى أن مثل هذا النوع من الاكتئاب يحمل خطورة انتحارية عالية ويضع على عاتق المعالج أهمية المتابعة الاستباقية (العلاج الوقائي) حفاظاً على استقرار المريض وتقليص التكرار . يستجيب الاكتئاب المتكرر قصير المدى على مضادات الاكتئاب وعلى العلاج الضوئي (Phototherapy) كاستجابة نظيره الآخر الاكتئاب الموسمي .
الاكتئاب المتكرر بأشكاله المختلفة نجده مسبوقاً أو مترافقاً مع بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعائلية أحياناً . وكثيراً ما نرى مرضى لا يصيبهم التكرار للاكتئاب إلا ضمن ظروف وأحداث معينة ، بينما تستقر أحوالهم تماماً مع مسيرة حياة مستقرة اجتماعياً واقتصادياً . وهذا إن أكّد شيئاً فإنما يؤكد النظرة الكلية للإنسان وأهمية التفاعل بين الظرف الواقع على الشخص وبين عطل الناقلات العصبية الكيماوية واضطرابها ، وأثر الاثنين في تكوين الاستجابات العاطفية والنفسية .
لقد وجد أن أحداث الحياة العصيبة أو المفاجئة أو المغيرة لما كان عليه الإنسان، تساهم في حصول الاكتئاب سواءً في بداية المرض أو في الصورة المرضية المتكررة . وربما تحمل هذه النقطة حواراً يتعلق من قد استبق الآخر وسببه ، بمعنى هل الظرف الجديد هو ما رسّب الاكتئاب أم أن الاكتئاب قد ساهم في تكوين وصناعة هذا الظرف ، ومثاله : ذلك الذي قد فصل من عمله فربما يكون الفصل من العمل ضاغطاً باتجاه ترسيب الاكتئاب ، وبالعكس فإن الأعراض الاكتئابية مثل قلة الهمة والتراجع النفسي الحركي واضطراب النوم والشهية والأفكار الحزينة وغير الدافعة للعمل ، قد شكلت أداءً وظيفياً متواضعاً لدى ذلك الشخص مما اضطر أصحاب العمل إلى التصرف بالفصل .
تري بعض الدراسات الاجتماعية أن الدعم الاجتماعي والأسرة المتماسكة ، تمثل حماية ضد التكرار لحصول الاكتئاب بينما يمثل عكس هذه الصورة مدعاة لاكتئاب متكرر وطويل المدى .
وكما هو معروف في الأمراض النفسية الأخرى كالفصام ، تظهر زيادة التعبير العاطفي لدى عوائل المرضى وأزواجهم (High expressed emotion = High EE) عاملاً لا يمكن تجاهله في ترسيب الاكتئاب وتكراره مراراً ، وإن كان أثر هذا العامل أقل وضوحاً منه في الفصام العقلي . إن التعبير العاطفي الزائد يتمثل بالتعليق والانتقاد لتصرفات المكتئب وتباطئه وقلة همته وتدني نشاطه بل إن بعض الأهالي قد يصلون إلى درجة إظهار الكره والعدوانية باتجاه مريضهم محملين بحرصهم عليه ، وهو حرص مضر وغير مفيد على جميع الأحوال ، إن التعبير العاطفي يجب أن يحمل معاني الدفء وإن يتغلف بالحب والدعم والمساندة للمريض لا انتقاده وتجريحه .
إذا كنا قد أكدنا على فترة (الستة أشهر) في علاج الموجة الاكتئابية الواحدة (Depressive Episode) منعاً لوقوع الإنتكاس ، فإننا نتحدث عن أهمية الالتزام بالعلاج لمدةٍ طويلة المدى قد تصل إلى سنين في حالة الاكتئاب المتكرر . ويبادرنا العديدُ من المرضى وأهاليهم بكيل من النقد والإلحاح بهدف وقف العلاج رغم تأكيدنا للهدف الوقائي من إبقاء العقار . وإذا اضطر الطبيب النفسي إلى إيقاف العلاج بناءً على الضغط والطلب المتزايد ، وتمت الانتكاسة والتي قد نجد صعوبةً في الخروج منها ، وما قد يجر من متاعب ومعاناة للمريـض وإنتاجيته ونوعية حياته وربما حياته نفسها ، فعلى من تقع المسؤولية الطبية والأخلاقية والإنسانية ؟؟ إنه وضع مشابه تماماً لاقتراف وقف الأنسولين عن مريض يعاني من السكري المعتمد على الأنسولين ، وإن شئنا التطرف فهو أيضاً مشابه لإزالة جهاز التنفس الصناعي عن مريض يحتاجه لوقت معين على أمل أن يستطيع التنفس دون مساعدة بعد ذلك ، ايقاف العلاج في غير الوقت المناسب هي فعلة تحمل صفة إجرامية .