همسات نفسية-2099-

download

همسات نفسيه-2099-
علاج الاكتئاب

إذا ما قدرنا أن حدوث الاكتئاب يقع بفعل مجموعتين من العوامل تعملان منفصلتين أو متضافرتين أو متداخلتين ، تتعلق إحداهما بتكوين الشخص الجيني والعضوي وكيمياء الجهاز العصبي ، فيما تتعلق الأخرى ببناء بيئته ، فإن علاج الاكتئاب يقع أيضا ضمن منظومتي عمل ، قد تستعملان منفصلتين أو متضافرتين تتعلق أولاهما بتعديل أي خلل كيماوي قي الناقلات العصبية ، فيما تسعى الأخرى لتعديل سلوك الإنسان وفهمه لنفسه وظروفه وتحسين طرائق تفكيره . وقد أثبتت العديد من الدراسات أن افضل النتائج إنما تأتي من تضافر الطريقتين .
وبناء على ما تقدم يمكن تقسيم علاج الاكتئاب إلى قسمين رئيسين :
أولاً: العلاج الفيزيائي وينقسم إلى قسمين: –
1) العلاج بالعقاقير ويشمل ذلك الأدوية والأعشاب ومشتقاتها.
2) العلاج بالاختلاج الكهربائي.
ثانياً: العلاج النفسي ويشتمل على عدة أساليب تستند كل منها الى نظرية خاصة في تفسير السلوك الإنساني وبالتالي تفسير الاكتئاب ، ولعل أهمها :-
1) العلاج السلوكي.
2) العلاج المعرفي.
3) العلاج التحليلي.
وسنقوم فيما يلي من صفحات ببحث مختلف العلاجات بشيء من التفصيل .
أولاً العلاج الفيزيائي : –
1) العقاقير : يستند إستعمال العقاقير لعلاج الاكتئاب ، إلى النظرية القائلة أن سبب الاكتئاب يكمن في اضطراب الناقلات العصبية في الدماغ وتحديداً أحادية الأمين بأقسامها الثلاث :
السيريتونين SERITONIN
النورأدرينالين NORADRENALINE
الدوبامين DOPAMINE

وترى هذه النظرية أن الاكتئاب إنما ينجم عن نقص هذه الناقلات في مراكز السيطرة على المزاج في الدماغ. وأن الأدوية بالتالي تهدف إلى زيادة توفرها في المشابك العصبية ، ولعل الطريف بالأمر أن إستعمال الأدوية قاد إلى سلسلة من الأبحاث أوصلتنا إلى تلك النظرية وليس العكس ، حيث لفت التحسن الحاصل في مزاج مرضى التدرن “السل” المعالجين بواسطة عقار الـ INH النظر إلى دور أحاديات الأمين في الاكتئاب ، وشكَّل بداية الفتح العلمي في هذا الموضوع وأدى إلى اكتشاف أولى المجموعات الدوائية لعلاج الاكتئاب، ومع تقدم البحث العلمي ازدادت معرفتنا بالناقلات والمشابك العصبية تفصيلاً وتعقيداً ، وتجاوزت العلاقة بين الموصلات والاكتئاب مجرد العلاقة الجبرية البسيطة (نقص = اكتئاب) إلى آفاق أكثر دقة وتعقيداً وتفصيلاً . واليوم يتوافر لدى الأطباء ترسانة هائلة من الأدوية المضادة للاكتئاب ANTIDEPRESSANTS تفيد في التعاطي مع معظم الحالات والأعراض المتباينة وتعمل على مسارات مختلفة وفيما يلي أهم تلك المجموعات .
1. مجموعة المركبات ثلاثية الحلقات (TRICYCLIC): –
وهذه المجموعة أقدم المجموعات وأوسعها انتشاراً ، وتشمل عدداً من العقاقير منها :
Imipramine, Amitriptyline Clomipramine, والمعروفة تجارياً (Anafranil, Tofranil, Saroten) على الترتيب.

وتتميز هذه المجموعة بفعاليتها ضد أشكال الاكتئاب المختلفة، وعلى الأغلب فإن عناصر هذه المجموعة لها نفس الفاعلية . وما الفروق بينها إلا من حيث مدى الآثار الجانبية ولعل هذا في بعض الأحيان يسهم بالتنوع العلاجي ، ويوسع دائرة الخيارات المتاحة ، وفي معظمها فان هذه المجموعة تتسم ببطء العمل حيث لا تبدأ آثارها بالظهور قبل ثلاثة أسابيع من بداية الإستعمال ، ولذلك ينصح بالانتظار لما ينوف على هذه المدة (6 أسابيع) قبل إصدار الحكم على فعاليتها أو التفكير بتغييرها .
الأمر الآخر المشترك بين أفراد هذه المجموعة هو الآثار الجانبية لها ، وأهمها : جفاف الفم والحلق ، والنعاس ، والإمساك ، واضطراب تدفق التبول ، والاحتباس البولي ، إضافة إلى اضطراب النبض ، وارتفاع ضغط العين ، والتأثير السلبي على البروستات المتضخمة . ومن اللافت للنظر أن شدة هذه الأعراض تتفاوت من فرد لآخر وتظهر في معظمها قبل بدء الأثر الإيجابي للعلاج ، مما يدفع بالعديد من المرضى إلى عدم الاستمرار بالعلاج ، وتوقيفه قبل حصول الإستفادة ، ولذلك فإن توضيح هذا الأمر للمريض يُعدُّ حيوياً لإدامة الاستمرار على العلاج وجزءاً من الممارسة الجيدة .
2. المركبات المثبطة لأكسيد أحادي الأمين
Monoamine Oxidase Inhibitors (M A O I)
تعمل هذه الأدوية على زيادة أحاديات الأمين ، وذلك عبر تثبيط الأنزيم المبطل لفاعليتها في المشابك العصبية ، و قد تراجع إستخدام هذه الأدوية كثيراً بسبب الأعراض الجانبية الهامة لها ، ذلك أن تثبيط الأنزيم بفعلها هو عملية غير مرتجعة (IRREVERSABLE) ، وتؤدي إلى التفاعل السلبي مع الأطعمة المحتوية على مكونات أحاديات الأمين مثل التايرامين (TYRAMIN) محدثةً آثاراً هامة متعلقة بارتفاع متسارع لضغط الدم وعدم استقرار عصبي ، ونظراً لخطورة هذا التفاعل واشتمال العديد من الأطعمة على مادة التايرامين مثل الأجبان ومشتقاتها وبعض اللحوم الحمراء، والفول الأخضر… فإن مستعمل هذه الأدوية بحاجة إلى التزود بقائمة ممنوعات طيلة فترة العلاج ، وهو ما قلل من استعمال هذه الأدوية وهي الآن بالكاد موجودة في العديد من الدول .
مؤخـراً تم تصنيع مثبط للأنزيم مسترجع الفعل (Reversible)، مما يحد من تفاعل الجبن أو التايرامين (Cheese Reaction) ، وفي الأسواق الآن دواء واحد من هذه المجموعة المسماة (R.I.M.A) هو (Meclobamid) (مكلوبامايد) أو تجارياً يعرف بإسم (Aurorix) ويستعمل في حالات الكآبة المترافقة مع القلق ومع الخوف الاجتماعي بشكل خاص .
3. مثبطات استرجاع السيريتونين الإنتقائية SSRIs: –
وهي المجموعة الأحدث ، وتعمل عبر منع استرجاع السيريتونين من المشبك العصبي ، وبالتالي زيادة توفره كموصل أو ناقل عصبي ، و تتميز هذه المجموعة بأنها تعمل على موصل عصبي واحد على وجه التخصيص ، وبالتالي فإن مدى الأعراض الجانبية المتسبب بها أضيق نسبياً ، ولذا فإنها تلقى قبولاً وتحملاً أكثر لدى المرضى . وفي الوقت الحالي فإن هذه المجموعة هي الأكبر والأوسع انتشاراً، وهي في نمو وتزايد مضطرد وتعدّ الآن حجر الزاوية في مضادات الإكتئاب ، وأدوية الخط الأول في التعامل معه . وكما الحال بالنسبة للأدوية ثلاثية الحلقات فإن أدوية هذه المجموعة تتساوى في الفعالية (Efficacy) ، وتتمايز في مدى الأعراض الجانبية المقبولة .
وتحوي هذه المجموعة عدداً من الأدوية أهمها : –
(‌أ) فلوكستين FLUOXETINE))
وهو الدواء الشهير بـِ PROZAC ، ويتميز هذا الدواء بخاصيته المنشطة , وطول مدة فاعليته مما يسمح بمدى واسع لاستعماله من أربع كبسولات يومياً إلى كبسولة كل أربعة أيام أو أسبوع . وعلى عكس باقي مضادات الاكتئاب فإنه لا يتسبب بزيادة الوزن أو فتح الشهية .
ويفيد في علاج العديد من حالات الاكتئاب ، وبالذات تلك المتميزة بالخمول وبوجود الأعراض الوسواسية . كما ويتراكم لدى الهيئات الطبية كم وافر من المعلومات والخبرة المتراكمة في كافة مناحي عمل هذا الدواء .
(‌ب) باروكستين (PAROXETINE)
وهو الدواء المعروف تجاريا بـِ SEROXAT أو PAXIL ويتميز هذا الدواء ، بخاصيته المهدئة مما يجعله مفيداً على نحو كبير في علاج الحالات المترافقة مع القلق والتوتر ، كما أنه مفيد في علاج الحالات المترافقة مع وجود اضطراب الوسواس القهري وقد ثبت حديثاً أن هذا الدواء آمن للاستعمال من قبل النساء المرضعات ، ولهذا العقار فعل خاص في الرهاب الاجتماعي.
(‌ج) فلوفاكسامين (FLOVAXAMINE)
وهو المشهور تجارياً بـِ FAVERIN وهو أقدم أفراد هذه العائلة ، ويتميز بحياديته تجاه دورة النشاط والنوم ، وبمحدودية تأثيره السلبي على الأداء الجنسي ، في حين يؤثر بقية أفراد المجموعة سلباً على النشاط الجنسي وبالذات لجهة تأخير القذف أو تأخر النشوة الجنسية ANORGASMIA. وقد أجريت بعض الدراسات الناجحة لاستخدام هذا العلاج في بعض الحالات المترافقة مع إساءة استخدام المواد مثل الإدمان على الكحول أو المهدئات ، وكان له أثر في تخفيف اشتهاء تلك المواد .
) د) سيرترالين (SERTRALINE)
وهو المعروف ب ZOLOFT أو LUSTRAL وقد حصل هذا العلاج مؤخراً على ترخيص لاستعماله في حالات اضطراب عقبى الكرب (POSTTRAUMATIC STRESS DISORDER) إضافة إلى نجاح استخدامه في علاج الإكتئاب . ويتميز بقلة التداخل العلاجي مع العلاجات الأخرى ولذا ينصح باستعماله لكبار السن والمستخدمين لعقاقير أخرى للضغط والسكري والقلب… الخ .
(هـ) سيتالوبرام (CITALOPRAM) : –
ويتميز بسهولة الاستخدام وقلة أعراضه الجانبية ويعرف تجارياً باسم (CIPRAM) .
4) مجموعات أخرى حديثة العهد نذكر منها : –
(‌أ) مثبطات استرجاع السيروتنين والنورأديتالين (SNRI)
ومنها الدواء المعروف بـِ Venlafaxine أوEffexor تجارياً ويعتقد أن هذا الدواء يدخل حيز الفعل بزمن قصير نسبياً ، وبالذات على الجرعات العالية ، ولذلك قد يفيد في الحالة الحادة التي تستلزم مداخلة سريعة .
(‌ب) مضادات اكتئاب متخصصة على السيروتنين وعلى النورأدرينالين (NassA)
ومنها الدواء المسمى Mirtaxepine أو Remeron تجارياً ويعتقد أنه يؤثر فقط على مستقبلات محددة في المشابك العصبية بما يقلل الآثار الجانية ، وتحديداً منها المتعلقة بالجنس كما يفيد هذا الدواء في التعامل مع الحالات التي يكون الأرق فيها هو العرض الغالب .
(‌ج) مثبطات ومعاكسات السيروتنين (SARIs) ومنها النيفازودون والتـرازدون Nefazodone & Trazodone
هذه الأدوية تفيد قي الحالات التي يكون فيها ضعف الأداء الجنسي هو العرض الغالب في الاكتئاب ، كما أنها تفيد في علاج حالات القلق المرافقة . أحد هذه الأدوية الموجودة في الأردن هو Nefazodone المعروف تجارياً بـِ Serozone.
(د) بوبروبيون (Bupropion)
ويكتسب هذا العقار شهرته مما ينسب إليه من أثر إيجابي على النواحي الجنسية و ما قيل حديثاً عن دوره في المساعدة في الامتناع عن التدخين .
(هـ) مضادات اكتئاب أخرى متعددة الآليات في العمل ومنها مابروتيلين (Maprotoline) والمعرف تجارياً بإسم (Lndiomil)
ويعمل على النورأدينالين ، وفيه خاصة مهدئة تساعد في حالات القلق المصاحب للاكتئاب ، وهو فعال في تحسن النوم والشهية للطعام ويعطى بالوريد في الحالات التي تتطلب سرعة في المعالجة وضعف تعاون المريض علماً أنه العلاج الوحيد المتوفر في بلادنا والذي يعطى عن طريق الزرق الوريدي .
كما تشمل على عقار تيانبتين (Tianeptine) والمعروف تجارياً باسم (Stablon) ، والذي له تأثير خاص على القلق ويعمل على السيروتونين بطريقة معاكسة لباقي الأدوية .
5) الأدوية المضافة Augmentation therapy
وتستعمل هذه في الحالات المستعصية والتي لم تستجب للعلاج ونذكر منها: –
أ) أملاح الليثيوم : وهذه تضاف في بعض الحالات الصعبة ، وكذلك تلك التي تكون ضمن اضطراب المزاج ثنائي القطب Bipolar affective disorder) ( حيث يخشى من انقلاب حالة الاكتئاب إلى زهو.
ب) الأدوية المستعملة في علاج الصرع Antiepileptic Drugs ) ( : وتستعمل لتدعيم عمل الأدوية المضادة للاكتئاب اضافة لعملها كمثبتات مزاج .
ج) هرمون الثايروكسين (Thyroxine) : حيث أثبتت الدراسات دوره الفعال في تدعيم عمل مضادات الاكتئاب ، ويعتقد الآن على نطاق واسع أن الغدة الدرقية لها دور ما فيما يتعلق بالاكتئاب إلا أن هذا الدور بحاجة إلى المزيد من الدرس والاستجلاء .
د) مضادات الذهان (Antipsychotics) : وهذه تستعمل في العادة في الاكتئاب الذهاني ، حيث تطغى الهلاوس والأوهام على الصورة المرضية . وحديثاً أثبتت بعض الدراسات أن لمضادات الذهان غير النموذجية) Atypical Antipsychotics ( مثل (Respirdal & Solian & Zyprexa) فعلاً مضاداً للاكتئاب وذلك إذا ما استعملت بجرعات خفيفة ، وتستعمل مضادات الذهان بجرعات خفيفة للقلق والتهيج .
وعلى أية حال فان مجال الأدوية والمؤثرات النفسية هو من المجالات شديدة الحيوية ، و تعدّ منطقة بحث ناشطة جدًا وتنبئ بمزيد من التطور والتقدم .
وفي ختام هذه الجولة السريعة مع مضادات الاكتئاب ، لا بد لنا من التأكيد وإعادة التأكيد أكثر من مرة على جملة من النقاط الحيوية وهي : –
(1) إن مضادات الاكتئاب أدوية فعالة وناجعة وتصل نسبة نجاحها في علاج الاكتئاب إلى أكثر من 75% .
(2) الأثر الإيجابي لهذه الأدوية لا يظهر فوراً ، ويحتاج لفترة لا تقل عن 3 أسابيع حتى تبدأ العمل ، ولا تحدث أثرها وفعاليتها الكاملة بأقل من 4 – 6 أسابيع .
(3) لجميع هذه الأدوية آثاراً جانبية تظهر في الغالب قبل الآثار الإيجابية وهو ما قد يدفع المريض إلى التوقف عن العلاج . ولذلك يجب التنبيه المسبق لهذه الآثار والتوضيح بأنها عابرة ولا تستوجب وقف العلاج.
(4) هذه الأدوية لا تسبب الإدمان ، حتى لو طال استعمالها ، فطول الاستعمال لا يعني الإدمان .
(5) لحصول الفائدة المرجوة فإن المريض بحاجة للمداومة على العلاج لفترة لا تقل عن ستة أشهر بعد التحسن ، ويجب أن ينصح المريض بعدم التوقف عن العلاج حتى في حال الإحساس بالتحسن قبل مرور هذه الفترة وذلك درءاً للانتكاس .
(6) في حال تكرر الموجات الاكتئابية ينصح المريض بالمداومة على العلاج فترة طويلة وبنفس الجرعات ذلك أن الجرعة التي تحدث التحسن هي التي تديم التحسن على الأغلب .
(7) هناك مرحلتان حرجتان قد تؤثران سلباً على العملية العلاجية (الأولى) في البداية حيث يتوقف المريض عن تناول العلاج ظناً منه أنه غير مفيد أو لعدم تحمل الآثار الجانبية و(الثانية) بعد حدوث التحسن حيث قد يعتقد أن لا لزوم للاستمرار بالعلاج .