Monthly Archives: April 2016

همسات نفسية – 130 – طعام الأطفال

طعام الأطفال

الطعام من مقومات الحياة والنمو للطفل ، وكلنا نريد أفضل نمو وصحة لأطفالنا، ومن هذا المنطلق تبدأ بعض الممارسات الخاطئة، فمنذ الشهور الأولى لولادة الطفل، نرى الأم تصر على إعطاء رضعه للطفل كل ساعتين مثلاً ورغم أنه شبع ونام، وهذا يؤدي لإنزعاج الرضيع، وإصابته بالإنتفاخ والمغص وسوء الهضم، وإذا كان هناك جداول على علب الحليب وفي كتب تغذية الأطفال، تحدد الكمية الواجب إعطاءها للطفل في كل سن، فإن هذا الكمية هي المعدل وبعض الأطفال سيأخذ أكثر منها والبعض أقل منها ، وعندما تسمع الأمهات يتناقشن في الهموم والمشاكل فإن أحد المشاكل المشتركة أن أطفالهن لا يأكلون، وعند فحص حالات الأطفال نجد أنهم بحالة جيدة ومعدل النمو ممتاز، وأحياناً يكونا فوق المعدل الطبيعي، بالرغم من تطمين الطبيب للأم أن إبنها بخير فلا أراها تقتنع. بل تصر على رأيها وتطارد الطفل في أرجاء البيت والحديقة والشارع حتى يكمل طعامه.

إن إطعام الطفل بالإكراه، ومطاردته في البيت، وإقامة إحتفال من قبل والده وإخوانه كلما أكل لقمة أخطاء في التغذية و التربية، وكذلك الوعود الكثيرة التي نفي ببغضها ونتناسى البعض الأخر، بأن نأخذ الطفل مشوار إذا أكل أو نعطيه شيئاً من الحلويات وما إلى ذلك، إن هذه الأساليب تجعل من أكل الطفل وخصوصاً في سنوات ما قبل المدرسة، الشغل الشاغل للأسرة، فالأب يتصل تليفونياً ليطمئن أن أبنه قد أكل كل طعامه، والأم تقف مستعدة في المطبخ لبدء المعركة مع أطفالها سواء من كان منهم في البيت أو من سيعود من المدرسة ظهراً، وتحدد نوع وكمية الطعام التي يجب أن يأكلها الطفل، وعليه أن يكملها مهما بلغت لمجرد أن الأم ترى أن هذه الكمية مناسبة .

كيف ستعرف الأم الكمية التي سيأكلها طفلها دون الرابعة الذي تناول إفطاره قبل أربع ساعات، والكمية التي يحتاجها ابن السادسة الذي عاد متأخراً من المدرسة، للأم أن تقيس على نفسها ، فمن الصعب أن تحدد الأم الكمية التي ستأكلها هي سلفاً، من الصعب على الأم أن تحدد الكمية التي يمكن أن تتناولها في وجبة ما ومن الأكثر صعوبة أن يحددها شخص أخر ويجبرها على تناولها جميعها، إن الطريقة البسيطة لمعرفة هذه الكمية هي أن يعطى الطفل كمية قليلة، وعندما يأكلها يعطى كمية أخرى وهكذا حتى يشبع فنتوقف دون نزاع أو خصومات، والسؤال الذي تطرحه الأم فوراً، هو أن طفلها يرفض الطعام نهائياً ولن يأكل ما لم تتابعه وتطارده وتعمل له مهرجاناً على كل لقمة يأكلها، وهذا يعني أن هناك خطأ قد حدث في أسلوب التغذية ، وعندما يرفض الإبن الأكل، فعلى الأم أن تتركه، ولكن لا أن يلعب، بل أن يذهب لغرفته لبعض الوقت ، و لا يلبي طلبه إذا رغب ببعض الفواكه والحلويات ، ومن الممكن أن تصر الأم بأن من يرفض الوجبة فلن يأكل إلا في الوجبة القادمة، وهذا الجوع والعقاب لن يؤثر على صحته، ولكنه سيعلمه درساً مهماً وهو أنه هو بحاجة للطعام ، وأن عدم أخذ الطعام بشكل منظم سيكون متعباً ويؤدي للجوع ، وقد لا يطلب من الأم القيام بهذه العقوبة القاسية أكثر من مرة واحدة في حياتها لأنها بهذه الطريقة تلقنه درساً سلوكياً وتربوياً يظل راسخاً في حياته.

إني أرى أن المشكلة لبعض الأمهات هي مشكلة ذاتية تعكسها على الطفل، فهي إما أن تعاني من فراغ كبير في حياتها ، وتود إن تحقق معجزات يوميه تساعدها على البقاء ويصبح الإنتصار على الطفل وإطعامه رغم أنفه أحد هذه المنجزات، أو أن تكون الأم مشغولة عامله خارج البيت وفي اللحظة التي تصل فيها للبيت تريد التعويض عن غيابها، بالطعام أولاً والإغراق بالحلويات والشوكولاته على أبنائها وبناتها، كما أنه في بعض الأحيان يصبح الطفل نقطة المنافسة بين الأم والجدة والخادمة والأب أحياناً، وقد يتدخل الأخوة والأخوات الأكبر في هذه المنافسة ، والتي تؤدي لكره الطفل فعلاً للطعام، أو قبوله لهذه الإغراءات وبالتالي زيادة وزنه بشكل مفرط، الذي يجعله يعاني منه طيلة حياته .

همسات نفسية –129– الدراسة

الدراسة

يكمن أسلوب الدراسة الصحيحة في بساطته وسهولته، فالأصل أن تكون الدراسة منتظمة يومية وينهي الطالب واجباته أولاً بأول.

وأول اعتراض لي هو في إعطاء التوجيهي أهمية خاصة وهذا لا مبرر له. فبعد أثني عشر عاماً دراسياً، لا تختلف عن بعضها فكلها دراسة وإمتحانات، ولا داعي للتعبئة المعنوية لطلبة التوجيهي من قبل المدرسين والأهل، ونسمع الكثير من الأقوال (السنة بدك تشد حيلك ….. بدك تبيض وجهنا ووجه العيله) أو (السنة ما في مزح هذا توجيهي وإمتحان وزارة ولازم تدرس ليل ونهار).

هذه الجمل التشجيعية التي يقصد منها حشد الهمم للدراسة ، قد تزيد من الخوف والتوتر، وفي الدراسة يحتاج الطالب لقدر بسيط من الخوف يدفعه للجد والإجتهاد ولكن إذا زاد هذا الخوف أدى إلى الإرتباك وعدم التركيز ، وقضاء وقتاً طويلاً في حساب الساعات وعدد الصفحات والمعدلات المرتفعة بدل الإهتمام بالدراسة الفعلية . هناك أمور أساسيه يجب أن نأخذها بعين الإعتبار أولها أن الدراسة يومياً ما عدا يوم واحد في الأسبوع يحدد كإستراحة , والدراسة تكون على شكل جولات كل جولة ساعتين يتخللها نصف ساعة إستراحة ، وبين الجولة والتالية هناك ساعة إستراحة مثل أن يدرس الطالب في يوم العطلة 7-9 صباحاً ، 10-12 ظهراً ، ثم يستريح ويبدأ بعد الظهر من 3-5 ، 6-8 ، 9-11 . هذا يوم دراسي كامل مريح خفيف منظم . أما النقطة المهمة أن يقوم الطالب بتحضير المادة للدرس القادم ومراجعة الدرس السابق ودراسة الدرس الحالي، وبهذا يكون الطالب قد مر على المادة ثلاث مرات.

وهناك نوعين من الدراسة، النوع المتشنج الصعب إذ يقوم الطالب بفرض حالة طوارئ في البيت، ويغير مواعيد نومه وأكله، ولا ينظر إلى جهاز التلفزيون إطلاقاً ولا يخرج ليروح عن نفسه، وإذا حدث وأن كسر هذا الروتين يغضب وينهار نظام دراسته، ومثل هؤلاء الطلاب هم الذين يعملون برامج دقيقة جداً للدراسة لا يمكن تنفيذها. إذ أنها تكون منظمه في الدقيقة ولا تراعي أي ظروف طارئة أو متطلبات عائلية وإجتماعية. والنوع الثاني من الدراسة هو الدراسة الهادئة المنظمة التي لا تؤدي إلى تغير أنظمة الحياة اليومية ، إذ من الأفضل أن ينام الطالب في الليل ويصحو في النهار، ولا بأس أن يتخلل برنامج اليوم، أموراً غير الدراسة مثل قراءة الصحف في فترة الساعة بين الجولتين الدراستين، ومن المعقول أن يشمل البرنامج نشرة أخبار التلفزيون أو مسلسل معين ، وليس من الخطأ أن يستمع الطالب إلى الموسيقى الهادئة الخفيفة حتى أثناء الدراسة.

ويفضل عدم الإكثار من المنبهات كالقهوة والشاي والسجائر، وعدم نسيان وجبات الطعام والرياضة، حتى في أيام الأمتحان وعدم التفكير في النتائج ، فالمهمة الرئيسية للطالب هي الدراسة وليس توقع الأسئلة أو توقع النتائج، ولا مبرر للحديث عن امتحان انتهى، ولا داعي للمقارنة مع الزملاء والزميلات فيما يتعلق بعدد ساعات الدراسة أو درجة الإستعداد لها، فلكل قدراته وطاقاته وإمكاناته، ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه.

همسات نفسية – 128 – الكذب

الكذب

تدل الدراسات أن الإنسان يكذب عشرة مرات في اليوم وتتراوح بين كذبات عابرة كأن تقول لمن تراه أنك مشتاق له أو أن ملابسه جميلة وهي ليست كذلك، أو أنك مخلص ومحّب وأنت لست كذلك، ويتراوح الأشخاص بين من يصدق دائما وفي كل شيء، وبين من يكذب دائماً وفي معظم الأشياء. والمتفق عليه أن الشخص يعرف أن ما يقوله غير صحيح، أما إذا كان نسيان أو سهو أو غيره من الأسباب فلا يعتبر كذباً، مثل الأطفال الذين يجيبو عن شيء لا يعرفوه ولا يقصدوا الكذب.
الكذب الخطير هو الذي يستعمل في النصب والإحتيال والسرقة والدجل، وأحياناً لايهام الناس أنه يعرف الكثير، وله مقامهم اجتماعي أو مالي أو عملي عالي .
وإذا تجاوزنا عن الكذب الذي يكون في إطار المجاملة ، وليس فيه ضرر لأحد. فإنه في الواقع يكون هناك أشخاص كثيري الكذب بطريقة ذكية ولا يكتشف بصعوبة، أو واضحة ويكتشف بسهولة، وأنماط الشخصية التي يكون الكذب سمة رئيسية بها من الصعب أن تتغير ومن الصعب أن تقتنع الناس من جديد أن فلان أو فلانه لم يعد يكذب.
والكذب عواقبه واضحة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، فهناك من الناس من يجعله يعيش في حياة غير واقعية، وأما الآثار النفسية والمادية والإجتماعية والقانونية فهي واضحة وكثيرة ويصعب حصرها.

همسات نفسية – 127 – تدريس الأطفال

تدريس الأطفال

من الملاحظ أنه على مدى العقدين الماضيين تتزايد ظاهرة قيام الأهل بتدريس الأطفال، وبذل الجهد في تحفيظهم الدروس وقضاء ساعات طويلة من اليوم في حل المسائل والتسميع والنسخ وخلافه. لاشك أن من واجب الوالدين متابعة دراسة أطفالهم وخصوصاً في الصفوف الإبتدائية المبكرة ومراقبة التزامهم بالواجبات الدراسية . ويبدو أنه خصوصاً في بعض فئات المجتمع تزداد هذه الظاهرة، فهي أكثر أنتشاراً بين الأسر المتعلمة وطلاب المدارس الخاصة. وهناك تنافس شديد بين الطلاب وعائلاتهم للتفوق والحصول على معدلات أعلى، كما أن بعض المدارس الخاصة تتنافس في تضخيم المنهاج والإضافة إليه والإكثار من اللغة الإنجليزية والفرنسية، وإعطاء المواد اللامنهجية والهوايات، التي سرعان ما تتحول لتصبح شبه إلزامية، و مجال أخر للتنافس المرهق ودور جديد للأهل. والكثيريون من الأمهات يمضون ساعات طويلة في تدريس طلاب الصفوف الإبتدائية الأولى، مما يرهق أعصابهم ويوتر الأطفال ويؤدي للكثير من الصدمات والمشاكل في الأسرة. وخصوصاً إذا كان هناك عدة أطفال ملتحقين بالدراسة، ولا خلاف أن أساس هذه الظاهرة هو صحي وإيجابي وهو الحماس للتعليم والتفوق و الإهتمام بمستقبل الأبناء وإعطاءهم أفضل الفرص، إلا أن المبالغة تنقلب رأساً على عقب، وترى طفل في الثامنة من عمره يسهر حتى منتصف الليل يكرر دروسه وهو شبه نائم والوالدان يوفران الحراسة والمساعدة، حتى أن الأم تقوم بالدراسة والحفظ مع إبنها، والهدف حفظ المادة بشكل كامل، وكأن الحياة العصرية تتطلب من كل الأطفال التفوق بغض النظر عن قدراتهم !.

لاشك أن الطفل الذي سيبدأ من الروضة بالدراسة المكثفة والساعات الإجبارية الطويلة في الدراسة ، تفوق تحمله وقدراته ، سيكره الدراسة وينفر من والديه ويقل تحصيله بدلاً من إزدياده ، ويصل الطفل لنوع من العداء مع المدرسة والكتاب والأهل. وسيصبح معتمداً أعتماداً كلياً على والديه ولا يشعر بالمسؤولية تجاه ما يطلب منه في المدرسة وكأن أمه ستقدم عنه الإمتحانات، وهذا فعلاً ما نسمعه من بعض الأمهات (بأن عليها إمتحانات)، وقد يتلقى الطفل المواد الدراسية بملعقة ذهبية في بيته، ويذهب إلى المدرسة غير مكترث للإهتمام ومتابعة الدرس لأن هناك من سيعوضه عنها، هذا الطالب بلا شك سيصل إلى درجة من الإعتماد على ذويه تمنعه من الإستقلالية و الإعتماد على نفسه بعد المرحلة الإعدادية وقد يؤثر على دراسته الجامعية.

وهنا يتبادر إلى الذهن تساءلاً هاماً: ما هو واجبنا تجاه أطفالنا وهم على مقاعد الدراسة، هل نقف متفرجين ؟ إنهم لا يأبهون أو يمضون أوقاتهم في اللعب ، وهم لن يحصلوا على معدلات مرتفعه بدون مساعدتنا، هذه الشكاوي لا تبرر أخذ المسؤولية عن الطفل، إن على الأسرة والوالدين بالذات أن يتابعوا أطفالهم ويراقبوا ويوجهوا دراستهم ويزوروا مدرستهم، ويتناقشوا مع المدرسين ويتحاوروا في تقدم أو تأخر ولدهم ، يتابعوا في البيت أداءه للواجبات الدراسية ويساعدونه في تنظيم وقته، للدراسة ووقت للعب ووقت أخر، وهناك مجال لمتابعة أفلام الكرتون أيضاً ، وهذه المتابعة لا تشمل الجلوس مع الطفل ومتابعته لحظة بلحظة وتحفيظه والتسميع له، وإظهار الإنفعال والغيرة على الدراسة وكأنها أمر يعنينا نحن الكبار ويخصنا ولا يعني الطفل.

ويتبادر إلى الذهن أيضاَ سؤالاً أخر نطرحه على الأباء والأمهات وهو “كيف درس جيلكم”؟ هل قام آباؤكم بتدريسكم وسهر الليالي وحمل المسؤولية عنكم ، أم أنكم أعتمدتم على أنفسكم؟ هل لقنتم كل شيء، وهل كان هناك من يحل وظائفكم؟ بالتأكيد لا، فلماذا هذا التغيير، لماذا المبالغة في الإهتمام، لاشك أن الموقف يحتاج للمراجعة، وإعادة التقييم من قبل التربويين والمسئولين في وزارة التربية والتعليم والمدارس الخاصة وأساتذة الجامعات وغيرهم لدراسة هذه الظاهرة ومحاولة معرفة تحديد أسبابها ، وتوجيه الناس إلى الشكل المناسب في التعامل مع هذه المسألة.

همسات نفسية – 126 – الضرب في المدارس

الضرب في المدارس

لازالت قضايا الضبط المدرسي تثير الجدل بين الحين والأخر، ويدور النقاش بين المدرسين والأهالي ورجال والإختصاص عن الأسلوب الصحيح للضبط المدرسي، ورغم أن وزارة التربية والتعليم قد أصدرت منذ سنوات كتيب خاص عن هذا الموضوع ووضعت فيه نظام متكامل للضبط، ومراحل العقاب المسموح وإشكاله، ومنعت العقوبات الجسدية والإهانة بكل أشكالها، إلا أن الوضع في مدارسنا للأسف الشديد مازال فيه ضرب وخيزرانات، وإهانات وصلت في أحد المدارس إلى حد أن يطلب المدرس من جميع تلاميذ الصف إن يبصقوا على طالب أفلتت منه الكرة، ومن المؤسف أن هناك فئة من المدرسين والمدرسات، مازالوا يؤكدون في كل مناسبة أن هذا أسلوبهم ولا يمكن التخلي عنه، رغم أن كل الدراسات النفسية والتربوية فد أكدت على أضرار هذا الأسلوب، فهو لا يؤدي إلى تقويم السلوك الخطأ بل يؤدي إلى اختفائه مؤقتاً ثم ظهوره بشكل أشد ، كما أنه يعلم الطالب العنف ويعطيه مثالاً سيئاً للدفاع عن نفسه ، هذا ناهيك عن أن الضرب له أضراره الجسدية التي قد تكون كدمات وكسور وقد تصل إلى الوفاة في بعض الحالات. ومن المؤسف حقاً أن بعض أولياء الأمور يذهبون للمدارس معربين عن تأييدهم للضرب، ويطلبون من مدير المدرسة ( تكسير رأس الولد لأنه يعذبهم )، ويعد الأب أنه سيقوم بإكمال المهمة في البيت أيضاً.

أن الطفل الذي و يضرب في المدرسة والبيت، سيتطور وهو مليء بالعيوب والتعقيدات، ويسيطر عليه الخوف وعدم الثقة بالنفس، كما ينغرس في داخله عنف دفين سيتدفق عندما تصبح ظروفه وعضلاته قادرة على ذلك، إن العقوبة للطالب لأنه مقصر في دراسته أو أن مستواه متدني لن ترفع من مستواه، وهل نتوقع من كافة التلاميذ في الصف أن يتفوقوا. لابد أن نراجع أنفسنا ونحن نربي جيل المستقبل، ولا بد للجهاز التربوي أن يعيد النظر في هذه الممارسات وقد نكرر النصائح كل يوم، ونعقد المؤتمرات المتخصصة للتطوير التربوي ونشكل اللجان ونصدر التعليمات ، ولكن هذا لا يوقف ضرب الطلاب والطالبات في المدارس، إن القانون هو الرادع، وفهم الناس له وتطبيقه وتنفيذه على درجه كبيرة من الأهمية، فعندما يصدر قانون حماية الطفل، سيصبح من السهل على أولياء الأمور رفع شكوى للمحكمة ضد أي مدرس يقدم على ضرب تلميذ ، وهنا سنوقف هذه الفئة من المعلمين وهي قليله بأعتقادي ولكنها تسيء لمعلمينا ومعلماتنا ، الذين نفاخر بهم محلياً وعربياً. ونكون قد خطونا في الإتجاه الصحيح نحو بناء جيل صحيح متوازن واثق من نفسه مقبل على الحياة، لا يحمل الرغبة في الإنتقام ومشاعر الغضب في داخله. إذن فالضرب في المدارس ظاهرة غير حضارية أتمنى أن تختفي نهائياً بأقصى سرعة وبتعاون جميع الأطراف.

إن حال المدارس في مختلف الدول العربية يتفاوت بين مدارس خاصة ذات إمكانيات عالية ومدارس أخرى ذات إمكانيات ضعيفة، كما أن درجة الإشراف التربوي والإرشاد في هذه المدارس متفاوتة ولا نستطيع التعميم على ما يحدث في كل المدارس وكل الدول، ولكن إن وجود الظواهر السلبية لابد من مكافحتها أينما وجدت وبكل الوسائل والطرق الممكنة .

همسات نفسيه – 125 – الإعاقة العقلية

الإعاقة العقلية

كلنا يتمنى إن يكون أطفاله أذكى الناس وأفضلهم ولكن الرياح لا تجري دائماً كما تشتهي السفن ، ويتفاوت الأطفال في قدراتهم العقلية ، وهذا التفاوت أمر لا مفر منه، وعلى الأغلب يميل الأباء والأمهات لإعطاء طفلهم تقديراً أعلى لذكائه مما هو عليه فعلا ً ، وهذا لا يضر كثيراً في الأطفال الذين يكون ذكاءهم في الحدود الطبيعية، ولكن المشكلة تتجلى عندما يكون ذكاء الطفل أقل من الطبيعي ولو قليلا ً، وحتى نفهم معنى الذكاء والقدرة العقلية لا بد أن نأخذ في الإعتبار إن التطور الزمني لعمر الطفل لابد إن يرافقه تطور في القدرات العقلية ، فإذا تأخر الثاني وأصبح هناك فرق بين العمر الزمني للطفل والعمر العقلي، اعتبر الطفل معاقاً أو متأخراً أو متخلفاً، مثل أن يكون إبن السابعة ، بقدرات عقليه لإبن ثلاث سنوات مثلا ً، ومع تطور الطفل سيزيد عمره العقلي ولكن ليس بمقدار العمر الزمني مما يؤدي إلى بقاء الفارق وزيادته، إذ أن التطور العقلي سيتوقف عند حد معين، في حين سيستمر الطفل في النمو.

إن الإعاقة العقليه على الأغلب ليس لها سبب واضح وإن وجد هناك سبب فهو على الأغلب غير قابل للعلاج ، والحكمة من تشخيص الإعاقة العقلية في وقت مبكر هي في التعامل الصحيح مع الطفل ، وإستغلال ما لديه من قدرات . والملاحظات البسيطة في بداية عمر الطفل لا بد وأن تذكر لطبيب الأطفال الذي يقوم بمتابعة صحة الطفل وتطوره، مثل التأخر في الكلام أو المشي ، والتأخر في الجلوس أو قلة الحركة أحيانا ً وأحياناً زيادتها، ومدى تفاعل وتجاوب الطفل مع البيئة المحيطة به، وقدرته على معرفة الأشياء والأشخاص والإرتباط بوالديه، وإذا كان لدى الوالدين فكرة عن تطور الطفل من خبرات سابقة، فهذا مفيد وإن لم يكن لديهم مثل هذه الخبرات فلا بد وأن يتزودوا ببعض الثقافة في هذا المجال، حتى يتمكنوا من ملاحظة أي تأخر ، وقراءة كتاب عن الطفل وتطوره مفيد جداً، وما يحدث في كثير من الأحيان أن التأخر يكون واضح والحالة لا تخفى على أي إنسان ، ومع ذلك يكابر الوالدان ويجدان المبررات المختلفة لطفلهم، مثل أن يعزى تأخره في الكلام لعدم وجود أطفال يلعب معهم ، أو أن يركزوا على قضيه جانبيه يبحثوا عن علاج لها مثل قولهم أن الطفل طبيعي لولا إن ذاكرته أو تركيزه ضعيف أو أن حركته مفرطة ، وعندما يصل الأهل بالطفل للطبيب المناسب كثيراً ما يرفضوا رأيه ويحتجوا على تشخيصه للأعاقه العقلية ، وفي معظم الأحيان يصر الأهل على دخول طفلهم إلى المدرسة العادية ولا يقبلوا أبداً بفكرة مراكز التربية الخاصة ، مدعين بأنه سيصاب بالعدوى من باقي الأطفال المعاقين ، رافضين لفكرة أن يرى الجيران باص مدرسة المعوقين يأتي لأخذ طفلهم ، ويضعون في حسابهم أن هذا قد يؤثر على مستقبل العائلة وخصوصاً زواج بناتهم ، ويطالب الأهل بعقار لزيادة الذكاء وهذا لا يوجد إطلاقاً، أو عقار لإحياء خلايا الدماغ التالفة وهذا لا يمكن لأن خلايا الدماغ لا تتجدد، وهناك من يصر على السفر للخارج لإجراء عملية جراحية في دوله متقدمة، وهذا أيضاً غير متوفر.

إن التربية الخاصة تهتم بقدرات الطفل وتضع له خطة تدريب وتربية تناسبه، ولا يكون الطفل في مركز التربية الخاصة فرداً في صف به 20 طفلا ً، ولكنه يأخذ البرنامج الذي يفيده ،وينمي قدراته ويعلمه السلوك الصحيح من الخطأ وكيف يعتني بنفسه ، فلا داعي لرفض التعامل مع هذه المراكز ، سعياً وراء ما هو أفضل للطفل، وليس ما يلبي رغباتنا و عواطفنا وما نحمل من آمال زائفة.

الأطفال المعاقين عقلياً لديهم مشاكل مختلفة من المعاناة التي تتطلب متابعة الأطباء النفسيين مثل نوبات الصرع وإضطرابات السلوك واضطرابات النوم وإضطرابات النفس، وكثرة الحركة وقلة النوم أحياناً مما يتطلب معالجه سلوكية ودوائية ، وكثيراً ما يخلط الأهل الأمر فهذه العلاجات ليست لرفع درجة الذكاء وإنما هي لمعالجة ما يظهر من مشاكل في مراحل مختلفة من حياة المعاق عقلياً في طفولته ومراهقته حتى بعد بلوغه.

همسات نفسيه – 124 – تربية الطفل

تربية الطفل

ما هو أسلوب التربية الحديث وكيف يمكن أن نضمن تربية أبنائنا بالشكل اللازم ، البعض يعرف الأسلوب وأخرون يعتقدون أنهم يعرفون المنهج الصحيح، وأولئك الذين يعرِّفون أسلوب التربية على أنه مخالف للأسلوب الذي تربوا عليه، وغالباً ما يقصدون عدم إستعمال الضرب كوسيلة للعقاب ، ولكن هذا التعريف بالنفي غير كاف ومن الطبيعي أن كل زوجين لهما أسره وأطفال ولا بد لهما من الاطلاع على قواعد التربية الصحيحة.

إن المبدأ الأول الذي يجب الإتفاق عليه هو أن الوالدين معاً يقومان بهذه المهمة (تربية الطفل) متحدين متفقين، ومن المستحب أن لا يشعر الطفل بأن هناك خلافاً بالرأي، ولا يجوز أن تسمح الأم بأمر معين ليأتي الأب ويلغيه، أو العكس كما أن الفكرة التي يحملها بعض الناس هي أن الوالدين لابد أن يأخذوا أدوارهم المختلفة فأحدهم يشد والأخر يرخي كما يحلو لهم القول مما يحير الطفل ويربكه .

والمبدأ الثاني المهم أن في البيت قواعد وأسس سلوكيه يتبعها الطفل في الأسرة، فلكل أسرة نظامها و القيم الخاصه بها، وهذه القواعد والقيم والسلوكيات لا يجوز أن تتغير بسرعة، والقواعد والأسس تكون في ذهن الأبوين، و لا ضرورة لشرحها للطفل بل يكفي أن يأخذ التعليمات المناسبة في حينها، وهذا النظام الأسري يشعر الطفل بالأمان ويجعله أكثر توازناً وسعادة.

وإذا كان نظام القيم والسلوكيات والأخلاقيات في الأسرة ثابتاً غير متغير، فإن هذا مدعاة للإستقرار الأخلاقي والسلوكي للأطفال. أما إذا كانت منظومة القيم والأخلاق والتقاليد التربوية متغيرة ومحيرة ومربكه ، فإن هذا التغير القيمي والتربوي يؤدي إلى إضطراب سلوك الأطفال وعدم ثباتهم على حال .

تستشير الكثير من الأمهات الأطباء لأن أبنها البالغ من العمر3 سنوات لا يأكل، وعند فحصه يتبين أنه في صحة جيده وأن معدل غذاءه يفوق المتوسط ، ولكن ترى الأم تركض في البيت وراء الطفل وهي تعطيه الأكل بالقوة أحياناً والدلال أحياناً أخرى، وإذا أكل انفرجت أساريرها وابتهجت أما إذا أخفقت في تغذيته فذاك يوم سيء، وعند كل وجبة تتكرر الحكاية وقد تكافئ الأم الطفل لأنه أكل أو تتوعده بالعقاب إذا رفض الطعام أو لم يكمل الكمية المقررة من قبلها.
إن الجوع والغذاء من غرائز الإنسان، ولا داعي للإهتمام الزائد في كمية ومعدل أكل الطفل ، فالطفل السليم جسمياً لابد إن يجوع ولا بد أن يأكل، فلا تعُلم الطفل أن يعطى كل الإهتمام والإنتباه إذا لم يأكل أو تململ في الطعام كثيراً، وإذا جاء الطفل اليوم لطعام الغذاء وبدأت المسرحية، اسأله بحزم ( هل تريد أن تأكل ) وإذا قال لا، أطلب منه ترك المائدة والذهاب إلى غرفته، حيث يبقى وأعلمه أنه لن يعطى أي طعام قبل موعد العشاء، وسيكون هذا الدرس كافٍ له وسيعود بعد ساعة راجياً أمه أن يأكل، وإذا أكل فلا ضرورة للمكافأة والثناء.

ومن الأمور الهامة أن تقدير كمية الطعام يجب إن لا تخضع لقوانين صارمة فالإنسان الناضج لا يستطيع إن يحدد كمية طعامه سلفاً، فكيف يستطيع أن يحدد الكمية لطفل في عمر الثلاثة أو الخمسة ، فالأفضل إعطاء كميه قليلة للأطفال وبعد أكلها كمية أخرى وهكذا.

وفي قضية النوم أين ينام الطفل وكيف ومتى ينام ؟!، يجب أن ينام الطفل في سريره أو فراشه منذ الولادة ولا مبرر أبداً أن ينام مع والديه، وفي السنوات الأولى ينام الطفل تلقائياً أما مع أقتراب سن المدرسة يجب أن يحدد الوالدين ساعة النوم ولا يفاوضان الطفل عليها ، ومن المستحب إن تقوم الأم أو الأب بوضع الطفل في فراشه والحديث معه أو أن يقص عليه قصه لدقائق ثم يتركه ينام، ولا داعي أن ينام بجانبه ، أو يأخذه لينام في الصالة أو سرير الوالدين ثم يحمله إلى سريره، وفي أثناء الليل كثيراً ما يتسلل الأطفال إلى سرير الوالدين ، وهذا مرفوض ويجب الإصرار على إعادة الطفل إلى سريره .

أما في الثواب والعقاب فإن العقاب البدني وهو الضرب فلا مكان له، وهناك مجال للعقوبة بالحجز والحرمان، والمكافأة بالتشجيع وإعطاء الطفل ما يريد من حلويات أو الخروج في نزهة، وهناك أمثلة مختلفة لابد من أخذها بالإعتبار للدلالة على أهمية ثبات القواعد التربوية في تربية الأطفال، وعدم تذبذبها لأن هذا يؤدي إلى نتائج عكسية وسلبية على الطفل . وحين يتردد الأباء والأمهات في أساليبهم التربوية يتعلم الأطفال هذه الأساليب الخاطئة و ينشأوا عليها وهذه الأمثلة مثل عدم الطاعة و إيذاء الأخرين أو إستعمال كلمات بذيئة وغيرها.

إن الإضطرابات النفسية والسلوكية لدى الأطفال في أغلبها تكون مرتبطة بخلل في نظام الأسرة وأسلوب التربية، وبالتالي فإن التصحيح يتطلب العودة لهذا النظام و إكتشاف عيوبه وأخطائه وتصحيح هذه العيوب والأخطاء بتعاون الوالدين، وإذا تطلب الأمر برنامجاً سلوكياً محدداً لابد من إتباعه.

همسات نفسيه – 123 – الإساءة للأطفال

الإساءة للأطفال

لاشيء أجمل من الطفولة ، فيها البراءة والأمل والحيوية ، وفيها الكثير من معاني الحياة وبقاء الإنسان ، وقد يستهجن البعض فكرة الإساءة للطفل ، وكأنها شيء مستحيل ، إلا أنها مع الأسف الشديد ليست كذلك ، إنه حدث يومي يعاني منه الكثير من الأطفال في العالم ، ألا تعتبروا أن الضرب الشديد المؤلم إساءة ؟ ألا تعتبروا أن ترك الطفل في الشارع بلا رعاية ولا مدرسة هو إساءة ؟ إلا تعتبروا تشغيل الأطفال في أعمال شاقة هو إساءة ؟ لاشك أن هذه بعض الإساءات وغيرها الكثير مما تدمع له العين ويخفق له القلب.

إن ضرب الأطفال ليس الأسلوب الصحيح في التربية ، فالتربية السليمة تقوم على أساس الثواب والعقاب البسيط مثل الحجز والحرمان ، وقد يكفي الإهمال البسيط لمعاقبة الطفل ، أو منعه من مشاهدة أفلام الكرتون أو تناول الحلويات . وإذا أصر البعض على الضرب فأرجوهم أن لا يكون ضرباً مؤلماً مؤذياً ، وليكن ضرباً خفيفاً معنوياً فيه الكثير من العطف والحب ، لاشك أن هناك العديد من الكسور والكدمات التي تصيب الأطفال نتيجة الضرب المبرح ويخفي الأهل ذلك عن الأطباء ، وقد لا يوصلون الطفل للطبيب إطلاقاً ، وهناك حالات تصل للنزيف الدماغي والوفاة . و بعض الأمهات يعشن في توتر وإرهاق دائم مع عدد كبير من الأطفال دون مساعدة من الزوج ، وتجد الأم نفسها تقضي اليوم في ضرب الأطفال الواحد تلو الأخر وبذلك يتعلم الأطفال أن يضرب كبيرهم الصغير ، وقد يأتي الأب في أخر اليوم ليضرب الأسرة كلها بما فيها الأم ، أليس هذا عنفاً أسرياً وإساءة بدنية ونفسية للأطفال؟.

ماذا يقال في الأم التي ترفض تطعيم أطفالها أو علاجهم، وتنفق ما لديها من مال قليل على زينتها وسجائرها بدلاً من توفير الطعام للأطفال ؟، وما هو الرأي في الأب الذي يخرج إبنه من المستشفى رافضاً إجراء عملية جراحية ضرورية له بحجة أنه لا يؤمن بالجراحة؟ ، وسوف يلجأ لبعض المشعوذين لعلاج إبنه ، و ما هي إلا أيام حتى يفارق الطفل الحياة ، وهناك إساءة للطفل تجري يومياً في المدارس ، فيها الإهانة والضرب والإذلال ، وتصل أحياناً لدى بعض المدرسين لشن حرب على التلاميذ في الصف لا مبرر لها ، إلاّ إعتقاد المدرس الشخصي أن التعليم إما أن يكون بالعصا أو لا يكون هناك تعليم على الإطلاق ، ولا زال من الشائع في مدارسنا رؤية بعض المدرسين والمدرسات وهم يتجولون في ساحات المدرسة وممراتها مشهرين الخيزرانة مكشرين عن أنيابهم بحثاً عن تلميذ قد أخطأ . برغم الأنظمة المدرسية التي تمنع ذلك وبرغم التطوير التربوي الذي يفترض إن تشهده المدارس والمناهج الجديدة والدورات الكثيرة التي يشارك فيها المدرسون .

همسات نفسيه – 122 – الزهو

الزهو
MANIA

إن النشاط والصحو باكراً والمرح هي صفات محببة في الناس، ولا يمكن أن تسمى مرضاً ولكن هل من الممكن أن يكون النشاط والمرح مرض؟ هذا سؤال غريب ومن المتوقع الأجابه عليه بنعم، والحالة التي تؤدي إلى زيادة كبيرة في النشاط والمرح هي الزهو أو الهوس، وفيها يشعر الإنسان بالبهجة والسرور، والإنفعال ويزداد نشاطه ويقل نومه وقد يبقى عدة أيام بلا نوم، ويزداد تدافع الأفكار بشكل طوفان هائل، مما ينتج عنه تطاير في الأفكار وكثرة في الكلام، ويرافقها زوال الضوابط وعدم المبالاة، ومن الممكن أن يصبح الإنسان صريحاً ناقداً بأسلوب ينفر من حوله، ويرافق هذا الغرور الشعور بالعظمة والتفوق، و الإعتداد بالنفس لأبعد الحدود، ومن الممكن أن يذهب الموظف لدائرته فيهاجم المدير وينتقده ويقدم إستقالته لأنه ليس بحاجه للعمل، وبإمكانه أن يقوم بمشاريع عديدة ويحقق الملايين دون رأس مال، ودون خطة مرسومة، وقد يقوم بكتابة شيكات بدون رصيد، والتبرع بكل ما يملكك للنوادي والجمعيات، وليس غريباً أن يتحدى المريض كل القيود والأعراف الإجتماعية، مثل أن تنزع السيدة حجابها وتخرج بملابس لا تليق بها و ببيئتها، وهناك من يبدأ بالحديث مطولاً على التليفون مع أناس لا يعرفهم جيداً، كثير منهم قد أنقطعت علاقته بهم منذ سنوات طويلة.

إن الحالات الشديدة لا تخفى على أحد خصوصاً عندما يبدو الإرهاق الشديد على المريض، ويتأثر صوته ويرهق ويصبح كلامه غريباً وغير مفهوم، وفي القديم كانت هذه الحالات تستمر حتى يغشى عليه من الإعياء والتعب، أما في العصر الحديث فإن العلاج قادر على وضع حد لهذه الحالة.

أما الحالات البسيطة فهي أصعب في إكتشافها وغالباً ما يكون من الصعب على العائلة مواجهة المريض بوضعه، فتجد إن المرأة مثلاً في كل ربيع يزداد نشاطها فتنظف البيت وتعتني بالحديقة، وتفتح خزانات البيت جميعها وتنظف ما فيها وقد لا تنام سوى ساعات قليله في الليل، وفي الحالات البسيطة يستمر هذا النشاط عدة أسابيع وينتهي، وقد تجد ربة البيت إن هذه الفترة قد أنجزت خلالها الكثير من الأمور المعلقة والمتأخرة عليها ، وقد يتذمر الزوج قليلا ً لكثرة التنظيف والمصاريف في تلك الفترة، ومن الواضح أن هذه الحالة بحد ذاتها لا تشكل مشكلة كبيرة، إلا انه مع تقدم العمر يلاحظ إن الحالة تزداد في شدتها تدريجياً وتطول في مدتها خصوصا ً في العقد الرابع والخامس من العمر .

إذا كنت قد عانيت من هذه المشكلة أو عانى منها أحد أقاربك أو أصدقائك، فالملاحظة المهمة التي يجب أن تؤخذ بالإعتبار أن المريض أثناء مروره بالحالة لا يمكن إن يقتنع بأنه مريض و بحاجه لعلاج، وقد يحتاج لجهد بالغ من العائلة حتى تقنعه أو تجبره أحياناً على العلاج، والذي يكون بحاجه ماسة إليه لإيقاف حالة الهوس ثم الوقاية من تكرار الحالة، وهذا أصبح الأن معروفاً بالعالم إذ أن أملاح الليثيوم تقوم بهذه المهمة منذ ألاف السنين، فقد كانت بعض ينابيع المياه في روما توصف للمرضى النفسيين للإستشفاء فيها وقد تبين حديثاً أنها تحتوي على نسبة عالية من أملاح الليثيوم، وبفضل هذه التطورات في العلاج الحديث أصبح بإمكان المريض المتعاون أن يعيش حياته اليومية بشكل طبيعي متناولاً علاجه مجرياً فحوصات دورية لتركيز الأملاح في الدم . كما أن قائمة الأدوية التي تعمل على تثبيت المزاج قد تزايدت في العقدين الأخيرين وأدخلت العديد من الأدوية المضادة للصرع التي تعمل على تثبيت المزاج بفعالية وكفاءة عالية.

همسات نفسيه – 121 –

الذهان الزوري

لنبدأ أولاً بتعريف الذهان الزوري Paranoid Psychosis ، أو البارانويا، هو مرض نفسي من الأمراض التي تصيب البالغين من الجنسين، ويؤثر على التفكير دون المساس بالإدراك والشخصية، حيث يدور التفكير حول مجموعة هائلة من الأوهام الأضطهادية وأوهام الإشارة للذات التي ينطوي فيها شيئاً من الشعور بالعظمة. والأوهام الإضطهادية هي إعتقادات خاطئة بأن هناك شخص أو أكثر أو جهة معينة أو هيئة تضمر له الشر وتدبر له المكائد والمؤامرات، وقد تكون هذه الجهة المتهمة هي الشركة التي يعمل بها أو المؤسسة أو الدائرة التي له علاقة مباشرة بها، أو أن تكون جهة بعيدة مثل أجهزة الأمن. وفي أحيان أخرى يتصور المريض أن أقرب الناس إليه هو عدوه الذي يدبر المؤامرات و يصيغها. ولحبك القصة ووضعها في تسلسل قريب للمنطق ، يستعين المريض بأوهام الإشارة للذات ويقصد بها ، أنه يفسر كل ما يجري حوله من أحداث على أنها متعلقة به، فإذا تكلم إثنان فلا بد وأنهما يتحدثان عنه ويدبران له المكائد، وإذا مزح أحدهم مع الآخر أعتبر هذا تلميح له معاني عميقة وبعيدة ، ومن خلال هذا الربط الخاطئ للأحداث والأمور يخرج بنتائج خاطئة تؤيد صحة مزاعمه الإضطهادية في رأيه.

قد يبدأ المرض بشكل مفاجئ أو يتسلل تدريجياً، في شخص شكاك بطبعه، و متعالي، ولا يثق بالناس، وتكون شكواه في البداية مقبولة إلى حد ما، ممن حوله على إعتبار أنهم قد إعتادوا على تذمره أو تشككه في الناس، إلا أن الأمر عادة ما يبدأ بالتسارع ويصبح المرض واضح المعالم للمقربين منه، ولكن أمام الأغراب، وفي الأحاديث العادية قد لا يلاحظ عليه أي إختلاف، وهذا قد يؤدي في كثير من الأحيان لإعتبار هذا الشخص مشاكس وصعب وقد يطرد من عمله أو يستقيل، وكلما بدأ عملاً جديداً عادت القصة من جديد وتصاعدت، وقد يقوم بعض المرضى بتقديم شكاوي لمراكز الأمن والمحاكم ضد من يعتقدون أنهم يدبرون المؤامرات، وغالباً ما يضيعون وقت رجال الأمن لأن الشكوى تكون دون دليل سوى أوهام الإشارة للذات والأوهام الاضطهادية. وقد نتساءل وأين العظمة في هذا، ألا ترى أنه إذا تأمرت عليك مؤسستك وأسرتك وكل مكان عملت به هو دليل غير مباشر على شعورك أنك شخص مهم يحسب له ألف حساب. والصعوبة في هذا المرض ليست في تشخيصه أو علاجه، أنما في إيصال المريض للعلاج، فمن المستحيل أن يقبل المريض في بداية الحالة أن يناقش أوهامه، وسوف يتهم كل من يقول هذا بالتأمر، ولكنه غالباً ما يعاني من إرهاق والصداع وقلة النوم والعصبية والكآبة، وهذه الأعراض قد تكون هي المدخل المقبول في العلاج وليس بحث الأوهام ، لأنها أفكار خاطئة لا تقبل النقاش المنطقي ولا يمكن تغييرها إلا بالعلاج .

إن العلاج في هذه الحالة يتركز بالدرجة الأولى على تصحيح الخطأ الكيماوي الذي يحدث في الدماغ بأدوية تسمى مضادات الذهان، وبعد ذلك عندما تتزعزع هذه الأوهام يبدأ النقاش والتوضيح والعلاج النفسي الداعم. وإقامة علاقة من الثقة بين المريض والطبيب، والتحسن أكيد مع متابعة العلاج، والتعاون من قبل المريض وذويه ضروري ولا غنى عنه ، وإذا كنت قد عانيت من هذه الحالة أو أنك تواجهها فلا بأس من مناقشتها مع الطبيب الذي يستطيع أن يساعدك في تحديد المشكلة ومن ثم علاجها دون أن تعرض عملك و أستقرارك للخط، وإذا كان احد من أفراد الأسرة يرفض الذهاب للطبيب أو المعالجة فلا بأس أن تقوم أنت بزيارة الطبيب وشرح الحالة وظروفها ووضع الخطة المناسبة للعلاج حسب ما يرى الطبيب .