Monthly Archives: April 2016

همسات نفسيه – 120 – الإنتحار

الإنتحار

من الغرائز الطبيعية في الإنسان حب البقاء والتمسك بالحياة والمحافظة عليها، وحتى يصل الإنسان لدرجة التفكير بإنهاء حياته أو إنهائها فعلا ً، فإنه لابد وأن يكون في معاناة شديدة وإن نسبة كبيرة من الناس وفي لحظات الحزن والغضب تتمنى الموت، ولكن سرعان ما تزول هذه الأمنية ويعود المرء للتمسك بالحياة ومتعها، ويستغفر ربه ، ولكن نسبة أقل قد تكرر التفكير في سخافة الحياة والرغبة في الموت بين الحين والأخر كلما واجهوا صعوبات في حياتهم أو فشل، ولكنهم مع ذلك لا يحاولوا ولا يصلوا للتفكير بأساليب الإنتحار.

إن معدلات الشروع في الإنتحار في بلادنا مازالت منخفضة، وأقل من المعدل العام العالمي، ولكن لا شك إن هناك ميل للازدياد، وازدياد الأرقام في هذا المجال قد لا تعبر بدقه عن واقع الحال لأن عدداً لا بأس به يمر دون إكتشافه أو تسجيله كإنتحار أو شروع في الإنتحار. ولكنه في الوقت الحاضر يقل عدد المنتحرين المسجلين في الدول العربية عن خمس حالات لكل مئة ألف من السكان سنوياً، أما محاولات الإنتحار فهي 3-5 أضعاف هذا الرقم ، وقد يكون الواقع أكثر من هذا ، فهناك فئة تحاول الإنتحار مرارا ً، دون أن يعرف أحد ودون أن يصلوا لطبيب أو مستشفى. وتدل الدراسات على أن أكثر من 70% من المنتحرين قد عانوا من الاكتئاب النفسي وأن البقية قد عانوا من إضطرابات نفسيه أخرى كالفصام العقلي وأنواع الذهان المختلفة والإدمان على الكحول والمخدرات، أما الذين يحاولون الإنتحار فإن أقل من نصفهم يعاني من أمراض نفسية ، والباقي هم من أصحاب الشخصيات المضطربة ، يكونوا قد واجهوا مواقف صعبة في حياتهم ، فقاموا بالمحاولة دون إن يكون لديهم نية واضحة في الموت. ويستعمل الناس الأدوية بجرعات عالية، أو الحرق وإطلاق النار والشنق والغرق .

إن معظم من حاولوا الإنتحار أو الذين انتحروا يكونوا قد نوهوا إلى احتمال قيامهم بذلك، أمام الأصدقاء والعائلة أو الأطباء، ومع ذلك لم يفعل أحد شيء لمنعهم ومساعدتهم ، كما تدل الدراسات أن الكثير من المنتحرين كانوا قد حاولوا الإنتحار في السابق ولم ينتبه أحد لهم ولم تقدم لهم أية مساعدة، وبعد أن يتم الإنتحار يشعر الجميع بالذنب وتأنيب الضمير لعدم محاولة المساعدة، ناهيك عن الرغبة الدائمة في عدم تسجيل أنه إنتحار خوفاً من الوصمة أو العار، و يجدر التأكيد أن من يتحدث عن رغبته في الموت أو الإنتحار يكون في حاله نفسية مرهقة يطلب المساعدة بهذا الأسلوب الغير مباشر، وأما من يقوم بالمحاولة فلا شك أن وضعه النفسي بحاجة للتقييم للوصول إلى جذور معاناته وظروف حياته الإجتماعية والإقتصادية والأسرية والمالية وبحثها جميعها لمحاولة مساعدة هذا الإنسان في محنته، أما أن نطمئن أنفسنا بأنه لن يفعلها ثانية فهذا تطمين زائف، ومن الجدير بالملاحظة أن الرجال أكثر ميلا ً للإنتحار، أما النساء فهن أكثر ميلاً لمحاولة الإنتحار أو ما يسمى إيذاء النفس المتعمد الغير مميت، والكبار أكثر ميلاً للإنتحار من الأطفال، والمتزوجون أقل إنتحاراً من العزاب والأرامل والمطلقين، وبالتأكيد إن المؤمن المتدين أكثر أماناً من الإنتحار، ولكن في الإكتئاب الشديد قد يقدم عليه رغم إيمانه ، ومعرفته بتحريم قتل النفس. إن محاولات الإنتحار أو التهديد به يجب أن لا تؤخذ مأخذ السخرية، وعلينا أن نسرع إلى الطبيب النفسي لمعرفة الأسباب الكامنة وراء ذلك التهديد ومن ثم تقديم العلاج والمساعدة الملائمة.

همسات نفسيه – 119 – الغيرة الزوجية

الغيرة الزوجية

عندما يصل الشاب إلى عمر مناسب يبحث عن شريكة حياته، ويجدها، ويتم الزواج، والأصل في هذا الزواج أن يتفق الطرفان على الوفاء و الإخلاص والتفاهم والحب، وهذه إحدى سنن الحياة، ومن أوجه الحب المختلفة الغيرة، وهي بشكلها البسيط لطيفة مقبولة وتمثل البهارات والتوابل في الحب ، فكلا الزوجين يسعد عندما يشعر إن الطرف الأخر يغار عليه، وذلك بمعنى أن يرغب كلا الزوجين أن يكون الطرف الأخر له فقط لا يشاركه به أحد.

والمشكلة في الغيرة الزوجية أنها تتطور في بعض الأحوال حتى تتحول إلى غيرة مرضية، فيشدد الزوج كثيراً على كل تصرفات زوجته أو بالعكس، وينشغل كثيراً في التفكير فيمن كلمت زوجته وهل ابتسمت لفلان، ولماذا كانت مبسوطة يوم سهرنا عند بيت فلان، وعندما يصل التفكير لهذا المستوى يتسلل الشك، ويقصد بالشك هنا إختلاق أمور وهمية مثل الأعتقاد الجازم لدى الزوج أن زوجته على علاقة بشخص ما وأنه يحضر للبيت أثناء غيابه، فيبدأ بسلسلة طويلة من إجراءات المراقبة والتحقيق والإستفسار والإستجواب، ويعود للبيت في أوقات غير متوقعة ، ويفتش عن أثار لذلك الرجل المزعوم، ومع ذلك يصر على عدم الطلاق إذا طلبت الزوجة ذلك، نتيجة الشكوك والإتهامات التي تكال إليها، ومع هذا فإنه يرفض الطلاق بدعوى أنه يحب زوجته. وقد يتمادى الرجل الشكاك إلى حد إيقاع الأذى النفسي والبدني على زوجته حتى يحصل على اعتراف منها، وتخطيء المرأة أحياناً في الأدلاء بإعتراف وهمي حتى تتخلص من الموقف الصعب، ولكن هذا يكون كارثة قد تؤدي به لقتلها .

قد تتساءل هل الغيرة مقتصرة على الرجال أم أن هناك نساء غيورات وشكاكات؟، نعم إن هذا المرض يصيب الطرفين والمرأة الغيورة تنسى كل أمور الحياة ولا يشغلها إلا مراقبة ومتابعة الزوج طوال النهار، هل كان في المكتب أم خرج وأين خرج ومع من، وهل هناك شهود على ذلك، ولماذا تأخر ربع ساعة عن وجبة الغداء فلابد أنه كان مع واحدة أخرى، وقد تطارده من مكان لأخر بحثا ً عن الخيانة، ويكون من الواضح للجميع إن الشك هو المشكلة وليست الخيانة.

من أين يأتي هذا الشك وكيف تتحول الغيرة إلى شك، الإحتمال الأول أن يكون هذا جزء من تركيب الشخصية ويكون هذا الإنسان شكاك في أمور حياته وهذه الشخصية الزورية، أما الإحتمال الثاني فهو وجود مرض كالإكتئاب والإدمان على الكحول والضعف الجنسي، والإحتمال الثالث هو مرض ذهاني كالفصام العقلي أو الذهاني الزوري، ويسمى هذا مرض ذهاني كالفصام العقلي أو الذهان الزوري، ويسمى هذا المرض أحياناً بمتلازمة عطيل نسبة إلى أحد أبطال شخصيات شكسبير المسرحيه.

وما هو الحل وكيف نوقف هذا الشك القاتل، وهل هناك من أسلوب ينصح به، الأسلوب الصحيح يكمن في عدم الرضوخ للضغوط أو الإدلاء بإعترافات وهمية، والإبقاء على التصرف الطبيعي قدر الإمكان، ولكن مع ذلك فمن العسير إن تحل هذه المشكلة إلا بالإنفصال أو العلاج، وحتى هاتين المهمتين في غاية الصعوبة إذ يصر المريض على أنه لا يعاني من شيء ويكون متأكد مما يقول، ويرفض مبدأ الطلاق، وغالباً ما يكون رده ( أطلقها حتى تتزوجه لا والله بخّلِص عليها وعليه ).

ومن المفيد هنا توجيه الحديث إلى من يعاني من هذه المشكلة لأنها تضيع الحب وتجعل الحياة الزوجية لا تطاق، فلماذا العناد طالما أن هناك حلولاً وطالما أنه بالإمكان اللجوء لمن يساعد في تخطي هذه ألازمه. وما أروع أن يكون الزوج مفعم بالحب ومشبع بالحنان، وشحيح بالغيرة القاتلة، بل لديه القليل من الغيرة اللطيفة والمحببة. وكثيراً ما يوجه لي الأزواج أو الزوجات سؤال كيف نتعامل مع الطرف الثاني الغيور؟ والواقع أن كل أساليب التعامل تفشل إذا لم يكن هناك علاج.

همسات نفسية – 118 – العلاج الكهربائي

العلاج الكهربائي

جاء في كتاب الحاوي للرازي في معرض التحدث عن علاج الماليخوليا قوله (وفي باب الصرع علاج عجيب لمرض الماليخوليا) الماليخوليا تشمل في المفهوم الحديث حالات من الفصام والاكتئاب الشديد، وبهذه العبارة يكون الرازي العبقري قد أدرك قبل ألف سنة فكرة العلاج بالاختلاج الكهربائي، والتي قصد بها الرازي إن مريض الفصام أو الإكتئاب يتحسن إذا أصيب بنوبة صرعيه ، وبقيت هذه الفكرة في كتابه حتى انتبه إليها ” ويخارت ” في نهاية القرن الثامن عشر وحاول أعطاء الكافور لإحداث تشنجات، ولم تصبح الفكرة مقبولة حتى عززها ( مادونا ) في هنغاريا عام 1933، وبدأ بإعطاء الكافور بالوريد لمعالجة الفصام ، فقد أعتقد أن الصرع والفصام لا يلتقيان، وطور فيما بعد أسلوبه وأستعمل عقار الكارديازول، وفي عام 1938 طور بيني الإيطالي الفكرة لإستعمال تيار كهربائي جربه، وقام سير ليتي بإستعمال الكهرباء لمعالجة مرضى الفصام للحصول على نوبة صرع كبرى، وكان لابد لمجموعة من الأشخاص أن يمسكوا بالمريض أو يربطوه حتى لا يحدث له كسور أثناء النوبة، هذا علماً بأن المريض لا يشعر بأي الم وذلك أنه يفقد الوعي بمجرد مرور التيار الكهربائي في رأسه، وانتشرت هذه الطريقة في المعالجة في الكثير من المستشفيات النفسية بالعالم، وأصبحت أسلوب المعالجة الأول في غياب العقاقير. ولم يكن هناك تحذير يعطى للمريض، حتى تقدم التخدير وأصبح متاحاً وسهلاً خلال الثلاثة عقود الماضية. وفي أذهان الناس ومخيلاتهم أن العلاج الكهربائي تحت اسم الصدمة الكهربائية هي كلمة مخيفة بحد ذاتها، بالإضافة لبعض الصور التي ظهرت في بعض الأفلام السينمائية والتلفزيونية، والتي يكبل فيها المريض ويعطى الكهرباء بأسلوب يبدو وكأنه عقابي أكثر منه علاجي، مما أعطى العلاج الكهربائي سمعة سيئة إلى حد ما، أما العلاج الكهربائي المستعمل فهو أبسط من هذه الصورة بكثي، ويتلخص بإعطاء المريض إبرة منومة وأخرى لرخي العضلات، مع تسيير تيار كهربائي خفيف في الدماغ لمدة ثلاثة ثواني، ويعطى المريض خلالها تنفساً صناعياً لأن العقار الراخي للعضلات يكون قد أوقف التنفس، ويستمر التنفس الصناعي والنوم بضع دقائق ثم يعود المريض للتنفس العادي ويصحو.

وأما إستعمالات هذا العلاج في الطب النفسي الحديث فهي بالدرجة الأولى حالات الإكتئاب النفسي الشديد و المتوسط والإكتئاب الذي لم يتجاوب مع العلاج الدوائي، وفي الحالات التي يمتنع فيها المريض عن الأكل والشرب أو يكون مصمماً على الإنتحار، وهناك إستعمالات أقل لهذا العلاج في الفصام والهوس، وعادة ما يشكو المريض من الصداع البسيط عقب الجلسة وقد يحدث نسيان مؤقت خلال فترة العلاج، والتي عادة ما تكون بواقع مرتين في الأسبوع ومعدل 6-10 مرات، ومن الممكن تكرارها لو تطلب الأمر.

يتبادر لأذهان الناس دائماً أن هذه الجلسات العلاجية ستؤدي إلى تلف في الدماغ ، وتعطيل في بعض وظائفه وهذا غير صحيح، كما يظن البعض أن هذا علاج للحالات الخطرة والجنون المستعصي وهذا خطأ. ولاشك أن هذه الوسيلة العلاجية قد أنقذت ألاف البشر من الهلاك ومازالت تنقذ، إلا إن المعارضة الشعبية لها قائمة. والسؤال المطروح دائماً ما هو مفعول هذه الجلسات، وكيف تشفي المرض، والإجابة تكمن في قدرة التيار الكهربائي على إحداث الإختلاج العصبي ومن ثم زيادة حساسية المستقبلات العصبية في الدماغ ، وهذا بالتالي يساعد على تصحيح فعالية الناقلات العصبية الكيماوية .

في العقد الأخير قلَّ إستعمال العلاج الكهربائي في الكثير من مراكز الطب النفسي في العالم ، وذلك للتطور الهائل الذي حظيت به مضادات الإكتئاب والنتائج الكبيرة التي تحققها المعالجة بهذه الأدوية التي لا تتطلب الوصول إلى العلاج الكهربائي إلا ما ندر.

همسات نفسيه – 117 – العامل مع مريض الفصام

التعامل مع مريض الفصام

إن مرض الفصام العقلي ينتشر بنسبة 1% من السكان، وهذا يعني إن هناك ما يزيد عن الخمسين ألفاً من المصابين بهذا المرض في الأردن، بعضهم يتحسن وضعه ومرضه مع العلاج المنتظم ويمارس حياة طبيعية، والبعض الأخر يتعرض لفترات من التحسن والانتكاس، وهناك فئة من الحالات المزمنة التي تتدهور صحتهم النفسية ويصلوا للدرجة المزمنة، وهذه الفئة من المرضى يشكلون عبئاً وضغطاً على أسرهم، فمريض الفصام المزمن ميال إلى الكسل والخمول واللامبالاة، يقضي معظم وقته في البيت لا يفعل الكثير يدخن ويشرب الشاي وقد يتابع التلفاز، وإذا خرج فيكون أحياناً هائماً على وجهه في الطرقات، ولا يهتم بنظافته وترتيبه و يهمل قواعد الصحة العامة، ولا يكون لديه مبادرة ولا تفاعل عاطفي مع ما يجري حوله من أحداث، بعضهم ينام في النهار ويصحو في الليل ولا يبقى له أية علاقات إجتماعيه، وقد تكون بعض الأعراض قائمة مثل الهلاوس والشكوك والأوهام، فقد يتمتم أو يكلم نفسه أو يضحك ويبتسم دون داعي، ويتفاعل مع الأصوات التي يسمعها ويجيب عليها، وهو على الأغلب لا يتجاوب مع الحث والتوبيخ من قبل ذويه، ولا يتعاون في العلاج، فتارة يرفض الذهاب للطبيب وتارة يرفض تناول العلاج الموصوف له، أو أنه يخفيه مدعياً أنه تناوله، كل هذا لأنه لا يعترف أنه مريض مما يضع الأسرة في موقف لا تحسد عليه.

تتفاوت الأسر في ردود فعلها على هذا المريض ، فهناك الأسر ذات العلاقات الحميمة الوطيدة المترابطة التي تكرر النقد اللاذع والتوبيخ والتنبيه والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ويتحدث أفراد الأسرة يومياً عن المريض ويطالبونه بأن يكون طبيعياً وكأن الأمر من إختياره، وقد تصبح هذه الأسرة عدوانية في عواطفها وإلحاحها، هذا الجو يشكل عبئاً على المريض ويرهقه ويزيد من إحتمال إنتكاسه وتدهور أحواله، وهناك من العائلات من يغسل يديه من هذا الفرد معتبرين أن واجبهم الوحيد تجاهه، أخذه للطبيب وإعطائه العلاج وليس لهم علاقة بما يفعل أو لا يفعل في غرفته المعزولة، قد يقدم له الطعام وإذا رفض يترك الأمر له يتدبر أمور مأكله ومشربه ونظافته دون أي توجيه أو تدخل، وهذا الأسلوب السلبي يؤدي بالتأكيد إلى تدهور المريض وإنعزاله أكثر، وتركه للعلاج وتفاقم مشاكله، ولا شك أن التطرف في كلا الإتجاهين سواء الأول أو الثاني خطأ.

والسؤال الذي يطرح نفسه! كيف نتعامل مع مريض الفصام المزمن ، إن التعامل الصحيح هو وسط بين الأسلوبين السالفين، فالمريض سيستفيد من الحث والمتابعة والإهتمام المعتدل الذي لا يصل إلى درجة التقريع والتوبيخ والعدوانية المتواصلة ، كما أنه لا يصل إلى درجة الإهمال وعدم الإكتراث، فينبه المريض بلطف لأخذ علاجه و بحزم دون إلحاح، كما أن محاولة دفعه للعمل وقضاء أوقات فراغه في أشياء مفيدة بأسلوب لين له فائدة ومردود، والجلوس مع المريض وإعطائه فرصة للحديث والحوار في مختلف القضايا، ولا يقتصر الحديث على الأعراض المرضية، و يجدر الذكر هنا أن هؤلاء المرضى لديهم رغبة دائماً في ترك مسافة بينهم وبين الأخرين ، بالمعنى العملي فعلاً وبالمعنى النفسي، وكأن طبيعة هذا المرض توسع المياه الأقليميه للمريض ، فينزعج من الإقتراب المكاني والعاطفي حوله خصوصاً من قبل ذويه . وتدل الدراسات والخبرة على أن المرضى الذين يعيشون في عائلات إستطاعت التعامل معهم بشكل صحيح هم أكثر أستقراراً وأقل أنتكاساً، فعلى سبيل المثال إذا رغبت الأسرة في الذهاب لرحله يوم العطلة فالمطلوب أن يبلغ المريض ويطلب منه مرافقة العائلة دون عدوانية ولا توبيخ، فإذا ذهب مع الأسرة تقبلت الأسرة ذلك وشجعته وإذا رفض فلا بأس من إبقاء الفرصة مفتوحة للمرات القادمة وذلك بالحديث عن الإستمتاع بالرحلة وكم كان الجميع مبسوطين وتمنوا وجوده معهم ، ويبقي الجميع الدعوة مفتوحة للمرة القادمة ، أنها ليست مهمة سهلة كما قد تبدو في الكلام فإن التطبيق العملي اليومي قد يكون مرهقاً إلا أنه أولاً وأخيراً لصالح المريض وأسرته.

همسات نفسيه – 115 – إضطرابات الطعام

إضطرابات الطعام

أننا نأكل حتى نتزود بالطاقة اللازمة للحياة، وبالأصل فإننا نتناول كمية من الطعام تلبي حاجاتنا في النمو، واستخدام الطاقة المحترقة للمشي والعمل والكلام وبذل الجهد بشتى صوره، مما يجعل هناك في النهاية محصلة بين الطعام والطاقة المبذولة وهي تتبلور في وزن الإنسان، وقد لوحظ أن غالبية الناس لا تعاني من مشكله في هذا السياق طالما أنهم لا يعانوا من أية أمراض تؤثر على الطعام والوزن ولكن إضطرابات الطعام معروفه في الطب النفسي و من أكثر هذه الإضطرابات شيوعاً هي السمنة الزائدة ، والتي لا تكون ناتجة عن مرض في الغدد أو لا يكون لها أساس عضوي، بل إن السمين يكون ميالاً لتناول كمية من الطعام أكبر من حاجته، مما يؤدي إلى تخزين الدهون وارتفاع الوزن، وفي بعض الأحيان تكون كمية الطعام ليست زائدة بصوره ملحوظة إلا إن النشاط يكون قليل أو شبه معدوم والسمنة بأشكالها البسيطة تتطلب تنظيماً للطاقة المصروفة، وذلك بالرياضة والمشي ،وتنظيماً لتناول الطعام، ففي بعض أحوال الكآبة يكون هناك ميل لزيادة الطعام والنوم خصوصاً في الإكتئاب الشتوي أو الإكتئاب أللا نمطي.

من إضطرابات الطعام النادرة ولكنها خطرة إنعدام الشهية العصبي، الذي يمسى (القهام)، وهو يحدث في الإناث أكثر من الذكور وغالباً في سنين المراهقة الأولى، إذ تبدأ الفتاة بالحمية والرجيم بالرغم من إن وزنها في الحدود الطبيعية، هدفها وزناً معيناً أقل بكثير من الوزن الطبيعي لها، وقد يصل الأمر بالبعض إلى الإمتناع عن الطعام نهائياً، أو تناول ربع تفاحه في اليوم وقطعة بسكوت في يوم أخر، ويسيطر على الفتاه رعب شديد من البدانة، وبرغم نزول الوزن تبقى مقتنعة أن هناك طبقات من الشحوم يجب إزالتها وتستعمل مدرات البول والمسهلات، حتى تتأكد من نزول وزنها للرقم المطلوب والذي غالباً ما تغيره بعد أن تصل إليه، وهذه الحالة يرافقها العديد من الأعراض والإضطرابات الجسدية كإنقطاع الدورة الشهرية ً، وبعض هذه الحالات تتعرض للوفاة إذا استمرت دون علاج، وهن في العادة يرفضن العلاج، وقد يتطلب الأمر العلاج الإجباري لإنقاذ حياتهن من الموت، ويبدأ العلاج بإستعادة الوزن المعقول ثم المعالجة النفسية والسلوكية والأسرية. وثالث إضطرابات الطعام وهو منتشر إلا انه خفي وأقل خطورة من القهام وهو (النهام العصبي ) ما تصاب به الإناث في العقد الثالث والرابع من العمر، ويكنّ عادة معتدلي الوزن، ولكن يداهمهن خوف دائم من السمنة فيتخذن قرارات بعمل رجيم قاسي جداً، ما يلبث أن ينكسر وتلتهم السيدة كل الطعام الموجود، وخصوصاً الحلويات والشوكولاته وغيرها من الأشياء التي يحاولن الإمتناع عنها، وبعد أن تأكل كمية كبيرة تشعر بتأنيب ضمير ، وتلجأ للقيء، وقد تستعمل مسهلاً ومدراً للبول، وتتكرر عمليات القيء والمسهلات كلما شعرت أنها قد تجاوزت الحدود، ويكمن الخطأ الأساسي في هذه الحالة أن السيدة تصر على رجيم قاسي جداً فهي تريد أن تنقص وزنها 10كغم مثلا ً في أسبوع، مما يجعلها تشرب شاي فقط بلا سكر، أو كوب حليب في اليوم وهذا بالطبع سيؤدي إلى إرهاق في الجسم، وجوع شديد، ونقص السكر، وبشكل مفاجئ تفقد السيطرة وتأكل كمية من الطعام قد تزيد عما يمكن أن تأكل بشكل طبيعي في أسبوع، وفي كثير من هذه الحالات تتلاقى الحالة مع الإكتئاب النفسي ويلعب كل منهما دور في زيادة الأخر، ولا شك أن القيء المتكرر والإسهال وإدرار البول يؤدي إلى مشاكل صحية كثيرة، أحداها إضطراب الأملاح في الجسم كالصوديوم والبوتاسيوم، مما قد يكون له عواقب وخيمة على الصحة . وهذه الحالات تتطلب معالجه رغم أن معظم السيدات اللواتي بعانين منها يبقين الأمر سراً، إلا أنه في لحظة ما تصبح الأمور فوق الإحتمال وتبلغ زوجها أو صديقتها أو أقرب الناس لها، وتكون بحاجة لمعالجة نفسية سلوكية ودوائية، بالإضافة إلى تدريب على أسلوب صحيح للأكل مع المحافظة على الوزن المعقول.

من الملاحظ أنه في العقود الأخيرة إزدادت مشاكل إضطرابات الطعام وانتشرت الوصفات الغذائية المختلفة للحمية، ولا يكاد يخلو مجلس فيه سيدات إلا وتطرقن للحديث عن الحمية والوزن و أنواعها وإشكالها، وقد لعب الإعلام دوراً كبيراً في تصوير الجمال على أنه الطول والنحافة على الرغم إن هذا ليس واقعياً عند سؤال الناس من كافة الأعمار، ولابد من القول أن الرأي الطبيعي في الوزن الطبي والحمية المناسبة يبقى هو الأصح وليس ما يتناوله الناس دون رقابه طبية.

همسات نفسيه – 115 – المراق Hypochondriasis

المراق
HYPOCHONDRIASIS

يعرف المراق بأنه خوف أو تفكير بصورة غير طبيعيةً أو منطقية في الأمراض وأعراضها. ويصاحبها إعتقاد شبه جازم من المريض بأنه مصاب بمرض خطير سيؤثر على صحته ، ويستمر المصاب بهذه الحالة في تفسير كل ما يشعر به أو يطرأ عليه من إحساس جسدي طبيعي أو بسيط ، بأنه علامة من علامات المرض الخطير، فإذا شعر بوخز خفيف في الصدر أو خفقان في القلب، أو توعك عابر في المعدة، اعتقد أن ذلك علامة على أنه مصاب بمرض صعب وخطير، هذا على الرغم من توالي تأكيدات الأطباء خلاف ذلك. فالتحاليل شغله الشاغل ، يمضي فيها أوقاتاً طويلة وينفق عليها أموالاً طائلة، ويصبح المرض هو نمط حياته، فإذا أصيب بالرشح البسيط زار عدة أطباء وأخذ العديد من العلاجات بعد قراءة وتمحيص النشرات الواردة بها، ثم بقي خائفاً من مضاعفات العلاج وأعراضه الجانبية، ويطمئن هؤلاء الأشخاص، لوجود طبيب يسكن في الحي أو نفس العمارة، ويزداد اطمئنانهم لو توفر مستشفى قريب، وبعد الكشف عليهم وطمأنتهم عادة ما يمروا بفترة راحة مؤقتة، سرعان ما تثور أفكاره من جديد عند أول عارض بسيط يشعر به، حتى لو كان عدم إنتظام في الإخراج ، أو بعض عسر الهضم بعد أكلة دسمة ثقيلة، وهذا الشك قد يتصاعد في بعض الأحوال ليصبح وهماً، ويكون المريض على يقين مطلق بوجود سرطان في رأسه ، أو ديدان في أمعائه فلا يقتنع ولا يطمئن . ومن النادر أن تكون هذه الحالة منفردة لوحدها كحالة مراق، و الأغلب أنها تكون مختلطة مع حالة من القلق والإكتئاب النفسي، وفي الحالات النادرة ترافق حالة ذهانيه عقلية ، كالفصام، والإكتئاب الذهاني. أما في الحالات الشائعة فهي جزء من حالات القلق والإكتئاب، فيكون المزاج متكدر، و هناك خوف وقلق وأرق، وفقدان الشهية للطعام، والإستغراق في التفكير بالذات، والأعراض الجسدية للقلق النفسي كلما حدث أحداها كلما زاد الخوف وزاد القلق وزادت الأعراض من صداع إلى دوخه ، فصنين إلى غباش عيون، فجفاف حلق وضيق تنفس، وألم صدر مع غثيان، فانتفاخ وغازات، وألم في العضلات والمفاصل، وأما الكآبة فتؤدي لعدم القدرة على الإستمتاع بالأشياء، وفقدان الحماس للعمل والترفيه ، ويصحو المريض مرهق متعب في الصباح، ويقل تركيزه في العمل، ويقل إنتاجه، وكل هذا يؤكد هاجسه أن هناك مرضاً خطيراً يكمن في أحد أجزاء جسمه ولا يستطيع الأطباء اكتشافه، وأن هذا يؤدي إلى موته، ويصبح الموت نصب عينيه صباحاً و مساءاً، ويأسه يتفاقم إلى درجة أنه يمل إنتظار الموت ، فيصبح مطلباً له بعد أن كان رعباً.

إن المشكلة الكبرى في هذه الحالات أن يقتنع المريض بأن مرضه نفسي وليس عضوي، ولكن كيف يتقبل هذا وهو يقول بصراحة لولا ألم صدره وصداعه فهو يعتقد أنه يكون سعيداً، وهنا تكمن مهارة الطبيب في إقناع مريضه بأن ما يشعر به هو حقيقي وليس كذباً وهو ألم فعلي، ولكنه ناتج عن شد عضلي وتوتر وقلق وبالتالي يندرج تحت المشاكل النفسية وعندما يقتنع المريض بذلك، فعليه أن يتوقف فوراً عن زيارة الأطباء وإجراء الفحوصات ويتخلص من جهاز الضغط الذي اشتراه حتى يقيس ضغطه يومياً، ويمتثل لتعليمات الطبيب المعالج، من علاج دوائي أو نفسي، وقد يطلب منه تخفيف التدخين والقهوة والشاي وممارسة الرياضة والإسترخاء، وغالباً ما يتحسن هؤلاء المرضى، رغم أن بعضهم لا يتعاون، وكل بضعة شهور يعاود الأخطاء ينقض وعده للطبيب ويعود للفحوصات، أو يترك علاجه بحجة الخوف من الإدمان، ويكرر الحلقة المفرغة، وأما الذين يتم شفاؤهم ، فقد يظل بعضهم متحفزاً لأي عرض يصيب أحد أقاربه وأصدقائه، فيبدأ الخوف منه وكأنه يستطيع رد القدر بهذا الحرص الزائد. ولكن المريض الذي يتعاون ولا يتراجع في كلامه فإنه يشفى ويخرج من هذه المشكلة بأذن الله.

همسات نفسيه – 114 – الحداد

الحداد

من أقسى المشاعر التي تمر على الإنسان الحسرة والحزن على فقدان شخص عزيز، وخصوصاً إذا كان هذا الشخص قريباً ومحبوباً وجاءت وفاته مفاجئة، ولا يمكن للإنسان إلا ّ أن يتعاطف مع الأم التي تفقد إبنا ً شاباً في العشرين من عمره، أو الزوجة التي تفقد زوجها وتبقى مع أطفالها وحيدة حزينة، وغيرها الكثير من الأمثلة. وفي اللحظة الأولى تكون الصدمة شديدة وقد لا يصدق الإنسان ما حدث، وقد تستمر فترة الصدمة هذه دقائق أو ساعات وأحياناً أيام، ثم يأتي دور الحزن والحسرة والأسى، ويشعر الإنسان بالكآبة والضيق في الصدر، ولا يكون متحمساً لأي نشاط أو متعة، ويشعر أن الحياة بلا طعم طالما أن نهايتها الموت، وقد يظهر هذا على مأكله ومشربه ولباسه، وهناك من يتخذ طقوساً معينه مثل عدم مشاهدة التلفزيون، واللباس الأسود القاتم، وعدم تبادل الزيارات مع الناس، وعدم الإ بتسام أو الضحك، وهذا يشيع في البيت جواً غير مريح ، ولا يخرج إلا إذا كان ينوي زيارة مقبرة الفقيد، وقد يكون هناك مبالغة في ذلك تتخطى ما هو معقول في المنطق والشرع، وتصبح حياة الأسرة صعبة ولا يجرؤ أياً من أفرادها على كسر الحواجز و الإجراءات المتخذة ،وفي كثير من الأحوال لا يحدد وقت لإنتهاء هذه الأجواء. ومن المعروف أن المرحلة الثانية من حسرة الحداد وهي الحزن على الميت تستمر من بضعة أسابيع إلى بضعة شهور على الأغلب ونادراً ما تصل إلى السنة، وحتى يخرج منها الإنسان لابد أن يقوم بعمليات مراجعة لعلاقته بالفقيد ونظرته للمستقبل وبعد أن يخرج من هذا التفاوض يصل إلى مرحلة التأقلم والتكيف مع الموت والفقدان والحسرة، ولكن إذا بقيت إجراءات العائلة مستمرة فإن هذا قد يؤخر أفراد الأسرة من الوصول إلى مرحلة التأقلم والتكيف وقد يتوقف البعض في مرحلة الحزن واليأس لفترات طويلة. وفي إطار الطقوس الخاطئة فإنه من الملاحظ أن هناك تجنب للحديث عن المرحوم بطريقة مباشرة، وقد لا يتم ذكر إسمه، وهناك من لا ينظر إلى صوره وحاجياته، وأحياناً هناك مبالغة معاكسة، بحيث تعلق صوره في كل زوايا البيت ويصبح الحديث الوحيد والدائم للأسرة وضيوفها، وهذا كله يؤدي للتأخير في الخروج من جو الحزن والضيق. وليس من المفهوم كيف يستفيد المرحوم من عدم قيام أفراد أسرته بمتابعة حياتهم اليومية أو إستماعهم لنشرة الأخبار أو مشاهدة برنامج تلفزيوني وقراءة الصحف، وكيف يستفيد من أنهم جميعاً يلبسون ملابس قاتمة أو سوداء، وهل تعود هذه الإجراءات عليهم بأية فوائد، قد تكون هذه الإجراءات معقولة في الفترة الأولى ولكن إستمرار ها لا يؤدي إلى أي فوائد بل أنها تعيق الوصول لحالة التأقلم والتكيف، وقد يكون لأصدقاء العائلة والمقربين دور في دفع عجلة التغيير، وذلك أن أي من أفراد الأسرة إذا حاول فك الحداد سيشعر بالذنب وتأنيب الضمير وكأنه الوحيد الذي نسي المرحوم وليس حزيناً على فراقه.

إن كثيراً من الطقوس التي نمارسها لا نعرف أصلها ، فعلى سبيل المثال: الأربعين ، لم يأت في الإسلام ما يفيد بالحداد لمدة أربعين يوماً، بل أنه في التاريخ القديم عرف عن الفراعنة أنهم كانوا يمضون أربعين يوماً في تحنيط الجثة قبل الدفن، ولذلك تبقى الأحزان قائمة والمأتم مفتوحة حتى يتم الدفن، وقد اقتبس الناس هذا الرقم وأقاموا عليه طقوس، وأنفقوا عليه من الأموال بلا مبرر، ومن السلوكيات الأخرى الولائم التي تقام في أيام العزاء، فالأصل فيها إن أقارب وجيران المتوفى يُحضِرون الطعام لأهل المتوفي، لأنهم لن يتمكنوا من إعداد الطعام بأنفسهم في وسط أحزانهم وقد يعزفوا عن تناول الطعام، فإن مشاركة الأقارب والجيران لهم هي لحفزهم على إن يأكلوا، ولكن الأمر قد تحول إلى ولائم رسمية يقوم فيها أهل المتوفي بإكرام ضيوفهم وكأنهم في حفل زفاف أو مناسبة سعيدة وأحياناً تتوسع دائرة هذه الولائم و يدعى إليها القاصي والداني وتكون بكميات كبيرة يتلف معظمها، كما يتم تعطيل المدعوين عن أعمالهم ومصالحهم للمشاركة في ولائم لا معنى لها، وإذا كان القصد الصدقة عن روح المتوفى فلا بأس من دفع قيمة هذه الولائم أو تقديم الأكل للفقراء والمحتاجين والمؤسسات الخيرية ويصبح من حضر العزاء.

لتسهيل مرور الإنسان عبر مراحل الحداد لابد أن نسهل عليه أمر الحزن والحداد ويعطى الضوء الأخضر لذلك، كما ينصح من يفقد شخص عزيز والعودة للحياة الطبيعية بأسرع ما يمكن وتعديل نظامه اليومي بما يتناسب مع الوضع الجديد، وتصبح حسره الحداد مرضيه إذا طالت أو كانت شديدة أو تحولت إلى أعراض مرضيه رغم تشابه حسرة الحداد مع الإكتئاب إلا انه لا يفترض أن تؤدي إلى توقف قدرة الإنسان على العمل والأداء مثلما يكون الحال بالإكتئاب، كما أن إستعمال المهدئات والمشروبات الكحولية قد يؤدي لتأخير المرور في مراحل حسرة الحداد، والخروج منها بسلام إذ أن التعاطف مع الأسرة في مجتمعنا يساعد بشكل واضح على دعم أفرادها وإيصالهم لبر الأمان، الإخوة والأخوات والأبناء حتى الأقارب والجيران يستطيعوا المساهمة بشكل إيجابي في خروج الإنسان من الحزن إلى التأقلم، و يجدر الإشارة إلى أن الكثير من الناس ينصح من يمر بحسرة الحداد بالنسيان و كأننا نطلب منه إن ينسى والده أو أخيه وحقيقة أن النسيان ليس صحيح فكل من فقد بعض أفراد أسرته وما زال يذكرهم بكل التفاصيل لكن دون المعاناة وهذا هو التكييف والتأقلم مع الحياة.

همسات نفسيه – 113 – النفاس

النفاس

إن الكثير من الناس يتساءلون عن فترة النفاس وما يرافقها من تغيرات في الحالة النفسية للمرأة ، وتعود هذه التساؤلات إلى إتساع إنتشار هذه التغيرات وبالأخص أن معدلات الولادة مرتفعة في مجتمعنا العربي. إن فترة النفاس أو الفترة التي تعقب الولادة هي فترة حافلة بالتغيرات الفسيولوجية الهرمونية، بالإضافة إلى التغيرات النفسية والإجتماعية ، فالمرأة تصبح أماً وهذا يتطلب إستعداداً نفسياً خاصاً وتغيرات في الحياة اليومية والزوجية ، وعندما تكون الولادة ليست الأولى فهذا يعني وجود أطفال في الأسرة لهم ردود فعلهم ومواقفهم من القادم الجديد، كل هذا يجعل المرأة أكثر عرضة في هذه الفترة للإضطرابات النفسية.

إن من تدخل أو تمر في تجربة الحمل والولادة، لابد أنها على دراية ومعرفة بالإرهاق الذي يحدث لها خصوصاً في الشهور الأخيرة من الحمل، وترقب الولادة وما يشوب ذلك من خوف أحياناً ونفاذ الصبر في أحيان أخرى ، وبعد أن تتم الولادة بسلام ويأتي الطفل الذي طال إنتظاره فتتجمع العائلة ويتوافد المهنئون ويعم الفرح، ولكن نسبة كبيره من النساء قد تزيد عن الثلث تمر في حالة ضيق وبكاء بين اليوم الثالث والخامس بعد الولادة، وتحاول جاهدة إخفاء دموعها وقد تذهب للحمام أو لغرفة أخرى حتى لا يراها أحد فليس لديها تفسير للبكاء، تنزعج المرأة ولا يدري الزوج وإذا لاحظ فعادة ما يكون رد الفعل إما الإستنكار أو الغضب أو محاولة إيجاد تفسير لا يقنع المرأة، وبعد ساعات أو بضعة أيام تنتهي هذه التجربة من تلقاء نفسها ،فهي حاله طبيعيه ولا تعتبر مرضاَ ولا تتطلب علاجاً ، ولكن من المفيد أن يكون لدى المرأة فكره عنها فلا تفاجأ ولا تحتار وتكون على يقين أن هذا أمر عادي ناتج عن التغير الهرموني المفاجئ في الجسم .

أما كآبة النفاس فهي أمر مختلف وتصيب نسبه أقل من النساء قد تصل إلى 10% وتبدأ في الأسابيع الستة الأولى بعد الولادة على الأغلب ، وفيها تشعر المرأة بالحزن والخوف والإرتباك وعدم القدرة على النوم وفقدان الشهية للطعام والنفور من الزوج والأولاد، وقد تراودها أفكار وسواسيه عن إيذاء طفلها أو فقدان السيطرة، وتتفاوت الحالات في شدتها ومدتها، فهناك حالات بسيطة تزول تلقائياً خلال أسابيع وهناك حالات أشد تتطلب علاجاً ، والعلاج في هذه الحالة شافي وأكيد ولكن يجدر بالمرأة أن تعلم أن العلاج يتطلب وقتاً ، فالتحسن يبدأ بعد أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ولا يكتمل قبل شهرين على الأقل، وبعدها يتطلب الأمر الإستمرار لفترة وقائية لا تقل عن ستة شهور وقد تصل إلى سنه بناء على رأي الطبيب المعالج، وبعد إنتهاء العلاج لا مانع من الحمل وإذا رغبت السيدة في عدم الإنجاب، فلا تنصح بإستعمال حبوب منع الحمل بل عليها اللجوء لإستعمال اللولب أو غيره من الطرق، وإذا تكررت الولادة فلا بد من إستشارة الطبيب بعد الولادة لمنع تكرار الإكتئاب ويستحسن إن تكون الإستشاره في الشهور الأخيرة من الحمل .

هناك نسبة قليلة من النساء تتعرض لما يسمى ذهان النفاس ، والذي يتميز بوجود أوهام وتخيلات سمعية وبصرية مثل الإعتقاد بأن هناك مؤامرة لخطف الطفل أو قتله، أو الإصرار إن الطفل ليس لها ، ويرافق هذه الحالة النسيان والشرود والإضطراب في السلوك ، والشعور بالحزن الزائد أو الابتهاج بلا مبرر، وقد يكون هناك توهم بالعظمة والإعتقاد بوجود مؤامرة ضدها ، وحتى هذه الحالة وان بدت لكم صعبة فإنها قابلة للعلاج والشفاء خصوصاً كلما بدأ العلاج مبكراً، وقد تمتد فترة العلاج لسنة أيضاً .

من المألوف أن النساء اللواتي يعانين من مشاكل نفسية سواء كانت إضطرابات القلق والفزع والوسواس أو إضطرابات الذهان كالفصام أو الزهو الإكتئابي قد يتعرضن لإنتكاسات في الشهور الأخيرة للحمل أو بعد الولادة مما يقتضي مراعاة ذلك من قبل الأطباء المعالجين. ويحير الناس أمر العلاج خلال الحمل إذ إن كافة العلاجات الطبية سواء النفسية أو غيرها قد كتب عليها من قبل الشركات أنها لا تستعمل في الحمل، إذ أن الشركات لم تقم بتجريبها على الحوامل وهذا أمر معروف ولكن الأطباء المعالجين لابد إن يكون لديهم المعلومات والخبرة عن أصناف الأدوية التي يمكن إعطاءها لأي حامل إذا كانت تعاني من أي مشكله نفسيه ولا بد من التأكيد على أن الطبيب النفسي هو المرجع الأول والأخير بخبرته ومعرفته لهذا الأمر .

همسات نفسيه – 112 – التنويم المغناطيسي

التنويم المغناطيسي

التنويم المغناطيسي كلمة متداولة يحيطها الكثير من الغموض والرهبة، ويرددها الناس في شتى المجالات والمواقف، دون وضوح في المفهوم والتعريف، ويدعم هذا الخلط أن السينما والتلفزيون والمسرح تشوه هذه المفاهيم وتغرس فيهم بعض الأخطاء، وكذلك أنواع السحر التي تمارس على المسارح وقاعات السيرك، ولذلك فإننا للتحديد نتحدث عن التنويم المغناطيسي الطبي. فالتنويم المغناطيسي الطبي هو حالة بسيطة من تغيير الوعي، لا تتم إلا بموافقة وتعاون الشخص المنوي تنويمه، ولا يمكن إن يكون هناك تنويم إجباري لشخص ما، والذي يقوم بالتنويم أو المنوﱢم يجب إن يقوم به لهدف طبي، علاجي أو استكشافي إذا رأى ضرورة لذلك، ويقوم مبدأ التنويم على التركيز في التفكير على صورة معينة كالبحر أو حديقة جميلة ، مع النفس العميق ورخي كافة عضلات الجسم، ويتم هذا بتعليمات المنوﱢم، ويصل الإنسان إلى درجة من الإسترخاء والراحة التي يشعر بها وكأنه قد انتقل إلى عالم أخر أو أنه قد أصبح شبه نائم ، وقد يكون من السهل عليه الإجابة على بعض الأسئلة، وإعطاء معلومات عن نفسه ومشاكله، ويكون في حالة إستعداد لتلقي بعض التعليمات والتوجيهات مثل تخفيف الألم، أو الإقلاع عن التدخين، أو السيطرة على التوتر. وعملية التنويم هي بحاجة لإنسان خبير يقوم بها، وشخص مستعد لها، وتكرار وتدريب حتى يتم إتقانها. ومع التكرار يصبح من الممكن للشخص العادي أن يمارسها لوحده كلما دعت الحاجة، وهذا ما يسمى بالتنويم المغناطيسي الذاتي، وحقيقة فإن بعض العلماء يعتبروا كافة أشكال التنويم ذاتياً وأن المنوﱢم يقوم بتسهيل وتوجيه المهمة.

إن للتنويم المغناطيسي إستعمالاته المختلفة في الطب الحديث، أهمها في طب الأسنان للتخفيف من الألم وتسهيل خلع الأسنان لمن يخافوا من هذا الإجراء، كما يمكن إستعماله مع التخدير العام مما يقلل من كمية المخدر اللازمة لعمليه جراحية ما ، وله إستعمال في بعض الأمراض الجلدية والأمراض النفسجسدية كالضغط والقرحة وتهيج القولون، ومن أهم تطبيقاته في حالات الآلام الشديد خصوصاً الآم السرطان المبرحة التي تتطلب مسكنات قويه، وله إستعمالات خاصة في الطب النفسي مثل التفريغ الإنفعالي بواسطة التنويم، أو المساعدة في علاج بعض الحالات كالهستيريا، والإقلاع عن التدخين وغيره من العادات الضارة. ويستطيع أي طبيب إن يمارس ذلك إذا تلقى التدريب اللازم، وكثيراً ما يأتي للعيادات النفسية أناس يطلبون تنويم فلان أو فلانة لأخذ إعترافه فيما إذا كان قد سرق أو إذا كانت له علاقات غير مشروعه، وبالتأكيد سيرفض الطبيب هذا الطلب لأن هذه ليست مهمة علاجية، والطب أصلاً وجد خدمة للمريض وليس لحل الخلافات والجرائم والتحقيق فيها، مع أن هناك توجه في بعض الدول، لإستعمال التنويم في إستجواب الشهود والمتهمين وذلك لمساعدة التحقيق، أما الطبيب الممارس فلا يدخل من ضمن عمله إن يقوم بالتحقيق مع زوجه يتهمها زوجها بالخيانة.

إن الخلط الذي يحدث في التنويم المغناطيسي على المسرح ليس له علاقة بالتنويم المغناطيسي الطبي، ويندرج تحت السحر والظواهر الغير مألوفة، فأن في هذا النوع من الممارسة يمكن للمنوًّم أو الساحر أن يرفع المنوﱠم عن الأرض وإبقائه في الهواء معلق، كما يقوم بأجراء العديد من الألاعيب الغريبة، إن هناك جمعيه عالمية للسحر مقرها ألمانيا تكرر إعلانها دائماً لما يقوم به السحرة من ألاعيب، إلى أن هذه ليست حقيقة وان الساحر يبقى غير قادر على إحداث أو خلق شي جديد أو إلغاء ما هو قائم، وقد نهى الإسلام عن العمل بالسحر، ولذلك يطلق الكثير من السحرة في العالم الإسلامي لممارسه عملهم إسماً آخر، أو الدليل أنهم يسخرون الجن لخدمتهم .

همسات نفسيه – 111 – النوم

النوم

هل تنام نوماً هادئاً، أم تواجه صعوبات في نومك ؟ هل نومك متقطع أم متصل ؟ وهل يعج بالأحلام ؟ وما هي ؟ هل هي جميله أم كوابيس مزعجة ؟.

أنك تقضي ما يعادل ثلث عمرك في النوم فهل تعرف بأنه حاله طبيعيه من نقص درجة الوعي والحركة والإستجابة تتكرر بشكل دوري كل 24 ساعة وتتراوح المدة التي ينامها الإنسان من 12- 20 ساعة في الأطفال الرضع و 5- 8 ساعات في الكبار .

هل تعلم أن الإنسان ينام كل 24 ساعة ، ويتخذ لذلك إجراءات معتادة مثل المكان الهادئ والملابس الخفيفة المريحة ، وتنظم هذه الدورة بواسطة تغيرات بيولوجية في الجسم تؤدي إلى تعاقب النوم والصحو بشكل أوتوماتيكي .

لا يوجد حد قاطع بين النوم والصحو ، فالإنتقال من حالة لأخرى يتم بشكل تدريجي ، فعندما نذهب للفراش نسترخي ونطفئ الأنوار وقد نسرح ونفكر ويزداد النعاس تدريجياً ويقترب الدماغ من حالة النوم ، ويمر النائم في مراحل مختلفة للنوم من الأولى للثانية فالثالثة والرابعة تليها بعد حوالي تسعين دقيقة مرحلة حركة العين ، ثم تتعاقب حالة حركة العين مع المرحلة الثالثة والرابعة بحيث يقضي النائم حوالي 20 % من نومه في حركة العين والباقي في المراحل الأربعة التي تشكل معاً النوم الثقيل ، وبالتالي فان النوم ينقسم إلى النوم الثقيل وهو المراحل الأربعة والنوم الخفيف وهو مرحلة تحرك العين و التي يمكن رصدها من خلال التخطيط الدماغ الكهربائي .

إن للنوم فوائد عدة ، لماذا النوم وما هي فوائده ، إن النوم الثقيل بمراحله الأربعة يقوم على إعادة البناء الجسدي وإعداد العضلات و الأجهزة المختلفة في الجسم ليوم جديد ، وذلك عن طريق تخزين الطاقة وعمليات البناء في حركة التمثيل الغذائي ، أما النوم الخفيف فيقوم بمهمة إعادة البناء العقلي وترتيب التفكير والخيال والإدراك وتجهيز الدماغ لإستقبال المعلومات وإفراز الذكريات والتعبير عن المشاعر والتفكير والإبداع والتصور وحل المشاكل .

كلنا نحلم رغم أن الكثيرين لا يذكرون الحلم ، والحلم عادة قصير ، فيه خروج عن الواقع وتحليق في عالم مليء بالخيال أللا محدود ، يكون الحالم في خضم الأحداث وليس متفرجاً ، وقد يكون الحلم جميلاً يلبي رغبات أو مخيفاً مرعباً ، وكثيراً ما يكون سخيفاً أو مضحكاً وقد يصل عدد الأحلام خلال عمر الإنسان إلى خمسين ألف حلم .

إن إضطرابات النوم كثيرة فهناك من ينام زيادة عن الطبيعي وهناك من يعاني من الأرق ، كما تحدث ظواهر كثيرة في النوم كالكلام والمشي ، والكوابيس المفزعة ، و ترتبط هذه الإضطرابات إرتباطاً وثيقاً بالإضطرابات النفسية المختلفة ، ويعتبر إضطراب النوم من أول مظاهر الإكتئاب والقلق والهوس والفصام وغيرها ، وهناك نسبه كبيره من إضطرابات النوم لا تصل إلى درجة المرض النفسي ولكنها ناتجة عن سوء تنظيم النوم وهذا أمر شائع ولابد للإنسان إن ينتبه لأسس النوم الصحي . وحتى يضمن الإنسان نوماً هادئاً منظماً ، عليه ما يلي :

1- تنظيم ساعات النوم والإستيقاظ باكراً .
2- عدم الإنزعاج عند فقد بعض ساعات النوم .
3- عدم الإنزعاج من عدم تذكر الحلم و عدم محاولة تفسير الأحلام.
4- الدفء والهدوء وإشباع حاجات الجسم تسهل النوم.
5- القيام بالرياضة خلال النهار يؤدي إلى نوم مريح ليلا ً .
6- الإبتعاد عن السجائر والقهوة والشاي والمنبهات خصوصاً في المساء لأنها تعيق النوم .
7- الإبتعاد عن الكحول لأنه يؤدي إلى النوم في أول الليل والإستيقاظ في منتصف الليل .
8- المحافظة على الوزن الطبيعي .
9- تناول وجبات الطعام في مواعيدها وأن تكون أخر وجبه بعيده عن النوم بساعتين أو ثلاث.
10- القبول بالنفس والرضا عن الواقع، واستمرار الطموح والأمل.