Monthly Archives: April 2018

همسات نفسية – 61 – إضطراب القلق

همسات نفسية – 61 –
إضطراب القلق

إن القلق هو جزء من حياة البشر وبقائها، فزيادة القلق هي الحافز لمزيد من الجهد في التحضير للإمتحانات مثلاً، ولكن هذا القلق إذا زاد عن الحد أصبح ذو أثر سلبي وأربك الأداء وقد يتوقف الطالب المجتهد عن الدراسة إذا أصبح قلق الإمتحان شديد.
أما القلق المرضي فهو إما أن يكون على شكل أعراض متعاقبة ومتغيره من التذمر والشكوى أو على شكل نوبات من القلق، والحالة الأولى تسمى القلق العام والحالة الثانية تسمى إضطراب نوبات الفزع، وفيها تكون الأعراض على شكل نوبات قصيرة متكررة.
يتم الخلط عادة بين القلق والتوتر والضغوط النفسية والتحدث عنها وكأنها شيء واحد، والواقع أن القلق هو أحد الإضطرابات النفسية في حين أن الضغوط النفسية هي المشاكل الإجتماعية والبيئية والمالية والحياتية وحتى الصحية والتي يتفاعل معها الجسم بالتوتر، وهذا التوتر قد يبقى في حدوده البسيطة أو قد يتطور لأي من الإضطرابات الجسدية كإرتفاع الضغط وأمراض الشريان التاجي وإضطرابات الجهاز الهضمي أو الإضطرابات النفسية مثل القلق.
والقلق المرضي أو مايعرف بإضطراب القلق العام فيه تفكير متواصل في كل صغيرة وكبيرة، شاردة أو واردة، وعلى الجانب التشاؤمي المخيف للنتائج المتوقعه لأي شيء، فتوقع الأسوأ والفشل والمرض والموت تدور في فلك تفكير الإنسان القلق، ويبدأ بمناقشة إمكانية المرض والموت له ولغيره وماذا يؤثر هذا وكيف وهل ممكن تلافيه.
في القلق غليان في الداخل وأعراض جسدية في كل الجسم تبدأ من الصداع ،الدوخة ، طنين الأذن ، ضيق التنفس، جفاف الفم، صعوبة البلع ، الشعور بوجود لقمة في الحلق، ضغط وألم بالصدر، خفقان بالقلب ,غثيان وألم في المعدة، إمساك وإسهال وغازات، وتتأثر كل عضلات الجسم فهناك ألآم في الظهر ،الأطراف ، المفاصل حتى أنه في الحالات الشديدة يكون كل جسم المريض مؤلم ومتعب، هذه الأعراض قد لا تحدث معاً بل تتعاقب وتتناوب مما يؤدي لإرباك المريض وذهابه للطبيب العام ثم للطوارئ، فالطبيب الباطني أو استشاري القلب وتارةً استشاري الجهاز الهضمي أو المفاصل والعظام، وتطول رحلة البحث الطبي أو تقصر إلى أن ينتبه المريض أو الأطباء إلى أن المشكلة هي نفسية وليست عضوية، مما يؤخر التشخيص، المريض يوزع الأعراض فيحدث طبيب الجهاز الهضمي عن المعدة وطبيب القلب عن رفة القلب، وطبيب الأعصاب عن الصداع والدوخة ولا تصل الصورة الكاملة للطبيب وإن وصلت قد لاتشخص وإن شخصت قد لا تعالج ولا تحول، وإن حولت فقد يعترض المريض أو أسرته على ان هذه الشكاوي ليست نفسية ولا يتطلب التحويل للطب النفسي، لا تتوقف الأعراض عند هذا الحد فالنوم يكون صعب ومتقطع وقد يصبح غير كافي، يترافق مع ضعف في شهية الطعام وإرهاق وهزل وضعف التركيز مما يثير مخاوف المريض أنه بدأ بفقد عقله أو يصاب بالخرف، ويترافق القلق عادة مع تكدر المزاج والحزن وقد يصل للإكتئاب وفيه فقدان الحماس والشهيه والرغبة لعمل أي شيء، وفقدان الأمل بالعلاج أو التحسن، فتصبح عائق آخر أمام التشخيص والعلاج، وإجتماع أعراض القلق مع الإكتئاب شائع بل هو الأساس والانفراد هو الإستثناء.
أما نوبات الفزع فهي قلق شديد مكثف في صورة نوبه تستمر بضع دقائق وقد تصل إلى ساعة يشعر فيها الإنسان بشعورحتمية الموت أو الشلل أو المرض أو فقدان السيطرة مصحوبة بالأعراض الجسدية المذكورة في القلق، وفي نوبة أخرى ّقد تتكرر نفس الأعراض وقد تختلف فقد يكون الضغط على الصدر هو العرض الأساسي ويعطي شعور وإعتقاد لدى المريض أنه قد أصيب بنوبة قلبية حادة يهرع على أثرها للطوارئ ويتم إجراء كل فحوصات القلب وإدخال المريض للعناية المركزه ومن ثم تزف البشرى له إن كل شي على مايرام والفحوصات طبيعية دون إيضاح سبب أو تشخيص للحالة، وماهي إلا أيام وتتكرر النوبة ولكن هذه المرة مصحوبة بالغثيان والقيء، مما يؤدي للدخول في متاهة الجهاز الهضمي وهكذا يعيش مريض الفزع رحلة من العذاب تصل به أن يتوقع حدوث النوبة ويتطور قلق التوقع ثم ينغمس في القلق العام ويرافق ذلك هبوط المزاج فليس من المستغرب أن يكون تشخيص الحالة عند وصولها الطبيب النفسي إضطراب الفزع مترافقاً مع القلق العام والإكتئاب النفسي.
أما الأسباب التي تؤدي للقلق فهي شبكة معقدة من العوامل الوراثية والبيئية وأحداث الحياة والمشاكل اليومية، تؤدي في النهاية لخلل في الناقلات العصبية الكيماوية وتظهر الأعراض، ويحتار الناس في وجود السبب وعدم وجوده والبعض يعتبر وجود سبب مفترض هو مبرر لعدم العلاج، وياحبذا لو يتوقف الناس عن هذا الربط الغير مفيد.
عندما يشخص القلق أو الفزع من قبل الطبيب فقد يتطلب الأمر إجراء بعض الفحوصات المخبرية أو الشعاعية أو تخطيط الدماغ وذلك لاستثناء أسباب طبية قد تكون سبب في الحالة مثل إرتفاع إفرازات الغدة الدرقية، وكما أن بعض الأدوية التي تستعمل في علاج أمراض مختلفة قد يكون من أعراضها الجانبية أعراض القلق وكذلك تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية.
بعد التأكد من التشخيص لابد أن يقتنع المريض بضرورة وقف رحلة الإستشارات الطبية وزيارة الأطباء والمستشفيات والطوارئ وغيرها من مختبرات ومراكز أشعة، والتوقف عن استعمال أجهزه في البيت لقياس السكر والضغط عدة مرات في اليوم، وعلى المريض أيضاً أن يتوقف عن كل الإجراءات الإستثنائية التي اتخذها, مثل تجنب الجنازات والمقابر أو عدم الخروج لوحده لمسافات بعيدة وعدم الذهاب للأسواق واستعمال المواصلات، فهذه إجراءات مبنية على خوف وقلق ولابد أن تتوقف لأن التجنب يؤدي بالخوف البسيط أن يتحول إلى رهاب مزمن، وهناك جزء من مرضى الفزع يصابوا برهاب الساح وهو الخوف من الأماكن المزدحمة والمسافات الطويلة والأسواق. وعلاجها يعني تحدي ومواجهة هذه المخاوف، ومطلوب من المريض التوقف عن اتخاذ إحتياطات مثل حمل الماء حتى لا يختنق أو أقراص مهدئة حتى تنقذه من الهلاك كما يظن خاطئاً، ثم يكون هناك حذر بأن المنبهات من شاي وقهوة وتدخين وأرجيلة ومشروبات الطاقة وبعض المشروبات الغازية كلها محفزه للجهاز العصبي، ويجب تخفيضها والأفضل تركها، وأن الرياضة والصلاة مفيدة ولكن يحذر مريض القلق من ممارسة الرياضة العنيفة التي قد تزيد الهلع، بعد هذا يصرف للمريض علاجات دوائية وينصح المريض ان لايقرأ ما فيها من نشرات ولا أن يذهب للإنترنت للقراءه عنها وزيادة مخاوفة, ويتم ترتيب متابعة يكون فيها علاج نفسي داعم أو سلوكي أو معرفي حسب الحاجة و حتى الشفاء.

الدكتور وليد سرحان
استشاري الطب النفسي

همسات نفسية – 60 – الإكتئاب

همسات نفسية – 60 –
الإكتئاب
أحد أهم الإضطرابات النفسية شيوعاً، ومن أكثر الأمراض اعاقة لحياة البشر، ومع ذلك فهو ما زال مهمل ولا يصل المصاب به للعلاج، وقد لايعرف أنه مريض وإلى أين يتجه، وسوف يكون الإكتئاب هو المعيق الثاني للبشر في عام 2020. كما أن الإكتئاب يؤدي للإنتحار في 15% من الحالات ويشكل الإكتئاب السبب الرئيسي للإنتحار، ناهيك عن أن الإكتئاب المهمل الغير معالج يزيد من الوفيات والجلطات الدماغية والقلبية وحدوث السكري وأمراض القلب، ويفاقم أمراض قائمة إذا لم يتم الإنتباه له كالسرطان والإيدز.
في المعدلات العالمية والتي تنطبق على المجتمع الاردني 10% على الاقل من الناس يعانوا من أشكال مختلفة من الإكتئاب، والنساء أكثر تعرض له من الرجال، وعادة ما يصيب الناس في مقتبل العمر وسنوات الانتاج ويزداد مع تقدم العمر.

أعراض الإكتئاب تدور حول فقدان القدرة على الاستمتاع ، ولا رغبة للمبادره بعمل الأشياء حتى الضروري منها، ويشعر بالحزن ولكنه حزن مختلف كماً ونوعاً عن الحزن العادي ، والحزن الاكتئابي يدور في محاور اليأس وفقدان الأمل وتمني الموت والإقدام على محاولة الإنتحار، وكما أن المكتئب تتأثر ثقته بنفسه ويبدأ بتقليل شأنه ويعتبر أنه فاشل ومقصر في كل شيء وينسى أي نجاح له، ويساوره شك في مدى اكتراث الناس به وبمعاناته حتى أقرب الناس إليه ، تتأثر وظائف الإنسان الحيوية في معظم الأحيان وتقل الشهيه ويفقد المريض من وزنه، وكما يضطرب النوم، فيصحوا المريض مبكراً في مزاج سيء أو يكون نومه متقطع أو هناك صعوبة في بداية النوم، وقد تحدث كل إضطرابات النوم معاً ويصل الأمر بالمريض أن لاينام لعدة أيام، يشعر المريض بالارهاق الجسدي والاعياء ويفقد نشاطه المعتاد، ويترافق هذا مع ضعف التركيز والإنتباه وبالتالي ضعف تخزين المعلومات وذلك يشعره بأن النسيان قد بدأ وأنه سيفقد عقله، وتكون هذه الظاهرة واضحة أكثر في كبار السن، ويشكو مريض الإكتئاب من الألام الجسدية مثل الصداع والم الصدر، والبطن والظهر والأطراف والمفاصل وهذه الشكوى تحدث في أكثر من ثلثي المرضى، وتسوقهم للأطباء والعيادات لمعالجة هذه الأعراض الجسدية دون ربطها بالحالة النفسية مما يؤخر التشخيص والعلاج.
يتغير النشاط الحركي للمريض بالإكتئاب فقد يكون قليل وبطيء الحركة والكلام، وهذا التباطؤ النفسي الحركي قد يكون بسيطاً ولكن في الأحوال الشديدة قد يصل بالمريض لحالة من الذهول وعدم الحركة، وأحياناً صعوبة الاستقرار والجلوس في مكان واحد، وقد يتصاعد الوضع ليصبح المريض في حالة هياج.
تتأثر الرغبة الجنسية وتضعف وقد تنعدم عند الرجال والنساء، كما يضطرب الاداء الجنسي، مما قد يتسبب أحياناً بمشاكل زوجية فيراود الزوجه شكوك ان الزوج على علاقة خارجيه او انه لم يعد يحبها.
كل هذا يعيق المريض بدرجات متفاوته حسب شدة الحالة عن أداء وظائفه اليوميه من دراسة أو عمل أو أعمال البيت، ويصبح مرتبك غير قادر على إتخاذ القرار.

والنوع الشائع من الإكتئاب هو المختلط بأعراض القلق بدرجة بسيطة أو متوسطة والنوع البسيط والمتوسط منه الاكثر شيوعا في الرعايعه الصحيه الاوليه ، ولكن هناك أنواع شديدة كالإكتئاب الذهاني الذي يترافق مع هلاوس بصرية وسمعية وشمية وأوهام بأنه مذنب ويستحق الموت وقد خسر كل شيء في حياته دون أن يكون هناك صحة لهذا، ومن أشكال الإكتئاب الشائعة إكتئاب النفاس والذي يصيب المرأة بعد الولادة وفيه نفس الأعراض مع الاهتمام والقلق بالمولود أو رفضه وعدم قبوله، وهناك الإكتئاب الشتوي واللانمطي وفيها يكون هناك زيادة في الشهية والوزن وزيادة في النوم يتكررهذا النوع في كل عام وكل موسم.
ومن المهم التفريق بين الإكتئاب منفرد القطب والذي يتكرر بين الحين والأخر ويتطلب معالجة واقيه لمنعة من التكرار,وبين الإكتئاب مزدوج القطب والذي يترافق مع إضطراب المزاج مزدوج القطب، وفيه يتبادل الإكتئاب الحدوث مع الزهو أو الهوس، والزهو يكون بعكس الإكتئاب ، فيه شعور بالسعادة والنشاط والطاقة الكبيرة، وزيادة في الكلام والحركة والتفكير، وتطاير الأفكار وعدم الحاجة للنوم والتوهم بالعظمة وتبذير المال والسلوكيات المندفعة ،دون ان يكون هذا النشاط منتج، وهذا النوع من الإكئتاب يعالج ضمن سياق معالجة إضطراب المزاج مزدوج القطب,وهو العلاج بالادويه المثبته للمزاج.
تعود أسباب الإكتئاب لعوامل متعددة منها وراثية وأخرى بيئية وإجتماعية ونفسية، وتختلط هذه العوامل لاحداث تغيير في الناقلات العصبية الكيماوية في مراكز التحكم بالمزاج في الدماغ، ويمكن مشاهدة ذلك من خلال التصوير الوظيفي للدماغ.
وأما علاج الإكتئاب فله ثلاثة وسائل، أولها العلاج النفسي وهو العلاج بالكلام بوسائل متعددة، وهذه أساليب فعاله ومهمة في التخلص من الإكتئاب، ودائماً يكون العلاج النفسي والاجتماعي الداعم ضروري مع اي معالجات أخرى.
العلاج الثاني هو بأدوية مضادات الإكتئاب وهي أدوية نوعية تصحح الخلل الكيماوي في الدماغ، وتأخذ بضع اسابيع حتى يبدأ مفعولها، وبعد أن يستقر المريض فإنه يكون بحاجة لاكمال العلاج لمدة ستة شهورعلى الأقل تبعاً لشدة ونوع وعدد النوبات السابقه، وقد تطورت هذه الأدوية تطوراً كبيراً في العقدين الماضيين.
والعلاج الثالث هو العلاج بالحث المغناطيسي أو الكهربائي للدماغ فمن المعروف منذ عقود أن العلاج بالإختلاج الكهربائي فعّال في معالجة الإكتئاب وخصوصاً الشديد، ومؤخراً ظهر أساليب جديدة في حث الدماغ مغناطيسياً وهي أيضاً تعطي نتائج جيدة.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان
عمان – الأردن

همسات نفسية – 57 – مرض السكري والإكتئاب

همسات نفسيه – 57 –
مرض السكري والإكتئاب

إن الإكتئاب هو من أكثر الإضطرابات النفسية شيوعاً في العالم ويساهم في إعاقة الناس عن أداء مهامهم بدرجة كبيرة، وغالباً أنه مُهْمَل ولا يعالج أكثر من خمس المصابين به في الدول المتقدمة، أما في بلادنا فالرقم أقل بكثير.
يعتبر الإكتئاب أكثر الإضطرابات النفسية شيوعاً في مرضى السكري، وهناك علاقة متبادلة بين المرضيْن. والإكتئاب لا يعني الحزن أو التوتر بل هو مرض يتميز بهبوط المزاج والسوداوية واليأس والتفكير بالموت كخلاص من الحالة وأحياناً التفكير بالإنتحار ومحاولته والإقدام عليه، كما أن مرضى الإكتئاب على الأغلب لديهم شكاوي جسدية مثل الصداع، ألم الصدر، ألم الظهر وألم البطن، وإضطراب النوم والشهية للطعام، والعزلة والبكاء وهبوط المعنويات والثقة بالنفس وعدم الاكتراث للتعليمات التي تعطى لهم، وعدم الاهتمام بصحتهم، والتوقف عن ممارسة الهوايات والعلاقات الاجتماعية. إن غالبية مرضى الإكتئاب يقل أكلهم وينخفض وزنهم، وفي نسبة قليلة يزداد الأكل ويزداد الوزن مما يؤثر على استعدادهم للسكري.
يشكل الإكتئاب أحد عوامل الخطورة في حدوث السكري من النوع الثاني، ويتضح ذلك من متابعة مرضى الإكتئاب وتبين أن الإصابة بالسكري لديهم هي ضِعْف ما هو منتشر في المجتمع، وهذا يعني أن معالجة الإكتئاب هامة لأنه مرض يعيق الإنسان عن ممارسة حياته ويشكل خطورة لحدوث داء السكري وغيره من الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب.
قد يترافق السكري والإكتئاب معاً عند نسبة من المرضى، فيلاحظ أن معدل انتشار الإكتئاب بين مرضى السكري هو ثلاث أضعاف انتشاره في المجتمع، وعند متابعة مرضى السكري نفسياً يلاحظ أن نسبة قد تصل إلى 20% منهم يعانون من الإكتئاب، وأن الإكتئاب يؤثر على ضبط معدلات السكري أثناء العلاج. أي أن إهمال علاج الإكتئاب وعدم اكتشافه قد يكون وراء عدم تجاوب المريض مع علاجات السكري، ومعروف أن هذه العلاقة هي أقوى وأكثر وضوحاً بين الإكتئاب والسكري من النوع الأول.
المشكلة القائمة أن معظم المرضى يترددون على الأطباء والعيادات ولا يتم اكتشاف الإكتئاب وإن اكتشف غالباً ما يتم التعامل معه بطريقة غير صحيحة، ومن الأساليب التي تسهل اكتشاف الإكتئاب وجود متخصص في علم النفس أو البحث الاجتماعي مدرب على بعض الاختبارات النفسية التي يمكن أن تساعد في كشف الإكتئاب ، بالإضافة لوجود مقاييس تعطى للمريض ويجيب عليها بنفسه، وقد يكون من السهل معالجة الإكتئاب البسيط والمتوسط في العيادة التي تعالج مرضى السكري، ولكن الحالات الشديدة والتي فيها احتمال الإنتحار لابد أن يتم تحويلها للأطباء النفسيين ، وخلاصة القول أن الإكتئاب شائع بين مرضى السكري بنوعية، كما أن الإكتئاب يزيد من احتمال الإصابة بالسكري، كما يؤثر الإكتئاب المُهْمَل على إمكانية عدم تجاوب السكري مع العلاج، وكما يساهم الإكتئاب في زيادة نسبة مضاعفات مرض السكري المعروفة العديدة.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 56 – الشعوذة الفضائية

همسات نفسيه – 56 –
الشعوذة الفضائية

 

لاشك أن انتشار المحطات الفضائية أعطى تنوعاً يرضي كل الأذواق، ولكن الخطر الذي بدأ يظهر في المحطات التي تقوم بتقديم العلاج لكل الأمراض وكل البشر، وبداية بوقف أي علاجات طبية يتعاطها المريض، والمؤسف أن المشاهد يتابع مثل هذه المحطات ويأخذ بنصائحها وتعليماتها، وما يتم إرساله للمريض من بلد لأخر من أعشاب وعسل ومواد لا يعلم أحد بمكوناتها، ومع الأسف في مواجهة هذه المحطات العديدة لا يوجد محطة واحدة تولي الصحة الجانب الرئيسي، وكأن الإساءة والخطأ هي القاعدة والصحيح هو أمر إستثنائي، لا أعتقد أنه يمكن منع هذه المحطات، مع أن تدخل الدول التي تبث فيها ممكن، ولكن في حالة استمرارها، لابد أن يتم توجيه المشاهد إلى درجة الخطورة التي تحملها هذه المحطات.
فكيف لهذا العلامة الذي يجلس أمام الكاميرا أن يشخص ويعالج كل الأمراض وكل البشر دون حتى رؤيتهم، وكيف يمكن له أن يطلب من مريض إيقاف علاج للسرطان أو السكري أو الفصام أو نقص إفرازات الغدد، أنها فعلاً كارثة، والطبيب الممارس أصبح يشعر بالعجز أمام سحر هذه المحطات، فبعد البحث والتمحيص وأجراء الفحوصات ووصول الطبيب لتشخيص المريض الصحيح ويبدأ بعلاجه يفاجأ بإختفاءه لعدة شهور يأتي بعدها بقصته مع أحد محطات الشعوذة.

إن هذه الشعوذة الحديثة جاءت لتضاف إلى الأف المشعوذين الذين يعيثوا بالأرض فساداً ويبثوا سمومهم على الشر ولا أحد يوقفهم.

سؤال بسيط لابد أن نوجهه للقائمين على محطات الشعوذة، كيف لكم أن تشفوا كل الأمراض ببعض الأعشاب الزهيدة في كلفتها، بينما تتحمل الدول كلفة عالية في التجهيزات الطبية والعلاجات، فلماذا لا يقدموا إختراعاتهم يأخذوا حقوقهم عن هذه الاكتشافات وتعمم هذه العلاجات وتصبح الدول العربية من رواد الصناعة الدوائية في العالم.
مستشار الطب النفسي
د. وليد سرحان

همسات نفسية – 2051 – لعبة الحوت الأزرق

همسات نفسية – 2051 –
لعبة الحوت الأزرق

 

احدى الألعاب الإلكترونية وتسمى تحدي الحوت الأزرق (Blue Whale)، وترتبط فكرة اللعبة بالإنتحار. فهناك تحدي يومي لمدة خمسين يوم أخرها تحدي الانتحار.
قام بابتكار اللعبة طالب علم نفس اسمه فيليب فوكس، الذي تم طرده من جامعته لأن فكرته ان ينظف المجتمع من خلال دفع الناس الذين لا قيمة لهم للانتحار، وأول انتحار سجل من اثر اللعبة كان عام 2015، وقامت ضجة صحفية أدت لزيادة الاقبال على اللعبة، واللعبة روسية واصبح هناك اشتباه في العلاقة بين اللعبة وانتحار المراهقين، والحوت الأزرق هو من الحيوانات التي تنتحر من نفسها، والتحديات تشمل على الكثير من تشوية الذات وايذاء النفس والمهمة الأخيرة هي الانتحار، ومن ضمن التحديات عمل جروح على الذراع، مشاهدة اشرطة فيديو مخيفة كل يوم، الوقوف على الجسور وسطح المباني، عدم التحدث لأحد طوال اليوم وبالنهاية القفز من مبنى أو الطعن بسكين، وهناك حالات تسجله في العديد من الدول مثل تونس، بنغلادش، البرازيل، بلغاريا، الهند، إيطاليا، روسيا والجزائر والسعودية وفرنسا والمغرب ومصر.
ولابد من التحذير من هذه اللعبة وأي العاب أخرى فيها إيذاء للنفس و عزل النفس عن الناس وسلوكيات مرعبة وخطرة.

الدكتور وليد سرحان
مستشار الطب النفسي

همسات نفسية – 55 – الشعوذة أنواع

همسات نفسية – 55 –

الشعوذة أنواع

مفهوم الشعوذة برأيي هي ممارسات غير علمية تبدو أنها تهدف لخدمة الإنسان في صحته وسعادته وعلاقاته، وهذه الممارسات لا يعلن عنها على أنها شعوذة، فأحياناً تسمى علاج بالطب العربي وأحياناً أخرى تعطى طابع ديني، وقد تعطى طابع الطاقة الأسيوي، وهناك الشعوذة عبر شاشات التلفزة وأخرى مباشرة مع الأفراد.
والإنسان الحائر الذي يعاني يجيب دائماً أن الغريق يتعلق بقشة، تعبيراً عن أنه لا يوجد وسيلة أفضل من القشه، مع أن الأمر في معظم الحالات يكون هناك وسيلة علمية، وقد لا تكون مضمونه إلا أنها قائمة.
فئة كبيرة من المشعوذين لديهم إجابة جاهزة بأن هناك عمل أو سحر معمول ولابد من فكه، أو أن الموضوع يتعلق بالجن وتلبسه، ويبدأ فك السحر بأشكال التعوذات والطلبات والنصائح التي تكون تعجيزيه في كثير من الأحيان، وأما الجن فيطرد بالضرب والصراخ، ومع الأسف إقحام القرآن الكريم في هذا حتى يتم إقناع الناس، ذلك أن القرآن الكريم فيه شفاء للناس، وهذا أكيد، ولكن هذا الشفاء لا يكون مع الضرب والممارسات الغريبة، بل يترافق مع العلاج الطبي السليم وفئة أخرى تدعي الطب العربي واستعمال الأعشاب وهذه الأعشاب، تعطى دون دراسة واضحة لمحتوياتها وأثارها، وفيها ما هو غير ضار ولا يزيد عن كونه مادة غذائية، وأخرى تحتوي على بعض العناصر الشبيهة بالأدوية الصيدلانية مثل إدرار البول أو وقف الإسهال، وهذه الممارسات كانت في العصور الماضية هي العلاج المتوفر، وأما اليوم مع التقدم الطبي فهي بلا معنى، ناهيك عن الكي فمازال هذا يحدث في كل يوم بكي الرأس أو أجزاء من الجسد على اعتبار أنها موقع اعداء.
وفئة أخرى تخلط بين الأمور ويجلس المشعوذ ليسمع شكاوى الناس، ثم يأخذ بزجاجة ماء قرأ عليها ما قرأ ووضع في الماء ما وضع ويطلب من المريض شربها يومياً أو أسبوعياً والعودة له، وقد تبين في هذه الزجاجات وجود مواد طبية مهدئه وروث حيوانات وملح وسكر.
وهناك المعالجين عبر الشاشات التلفزيونية بحيث يكون الطبيب المزعوم قادر على تشخيص المرض فوراً، والأمر بإيقاف العلاجات وإعطاء النصيحة بالتوجه للعنوان الفلاني لأخذ وصفة أعشاب وعسل وحبة بركة، وقد لاقى عدد من المرضى حتفهم من جراء هذا الإستهتار فمريض الزهو الإكتئابي الذي يتناول علاج الليثيوم وأوقفه فجأة انتحر بعد بضعة أيام.!!!!
أما الوصفات الجاهزة لكل الأمراض والتي تبث عبر الفضائيات، وفيها علاجات للبواسير النازفة وللعقم والضعف الجنسي والأمراض الجلدية، نهج جديد في وصف المرض وعلاجه عبر الرسائل النصية على الهواتف الخلوية.
ويبدو أنه في كل يوم هناك من هو مستعد لإيجاد أسلوب جديد للشعوذة ومن هو مستعد لتلقي هذه الشعوذة مهما كان شكلها أو أسلوبها، ومهما تنوعت أساليبها.
إن أحد مقومات الحفاظ على الإنسان وحياته لابد تكون في الوصول إلى التشريعات الرادعة لكل هذه الممارسات.

الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 54 – حسرة الحداد

همسات نفسيه – 54 –
حسرة الحداد

عندما يفقد الإنسان شخص عزيز عليه بالوفاة فإن هناك مشاعر وأحاسيس وتغيرات تحدث فور حدوث الفقدان وما بعده ولفترة من الوقت قد تصل لبضعة شهور وأحياناً لسنوات. فالمرحلة الأولى هي الصدمة والإنكار وعدم تصديق الخبر وخصوصاً إذا كان الموت مفاجئ، وكأن هذا الإنكار هو وسيلة الدفاع لتخفيف وطأة الحزن من إدراك الموت ولابد من أن يكون هذا قاسي على الإنسان، ويمر في المرحلة الثانية وهي الغضب الذي قد يوجه للأطباء أو لمن كان مع المرحوم أو حتى على المتوفي نفسه بأنه ترك وغادر في وقت غير مناسب، وتترافق هذه المشاعر مع الإحباط والبكاء، وتزداد حدة هذه المرحلة إذا كانت الوفاة نتيجة لجريمة أو اعتداء كان فيه المرحوم بريئاً. ويدخل الإنسان في المرحلة الثالثة عندما يبدأ الشعور بالذنب يسيطر عليه ويغرق في الذكريات وتحليلها وربط كل شيء بالوفاة أو أسبابها وقد يضع لنفسه شروط ووعود للوفاء للمرحوم غير واقعيه وكأنه يفاوض نفسه على التعامل مع هذا الفقدان ، ولكن هذا التفويض ينقل صاحبه للمرحلة الرابعة وهي الإكتئاب والحزن والبكاء وإدراك أبعاد الفقدان وعدم القدرة على إستعادة الماضي وضرورة إكمال الحياة بدون المرحوم وهذه المرحلة قد تطول أوتقصر اعتماداً على عوامل كثيرة ، منها علاقة الشخص بالمتوفى وقدرته وإستعداده وإيمانه وتركيبه النفسي والوضع الإجتماعي ووجود آخرين مقربين له ، وعندما يتمكن من تجاوز هذه المرحلة يصل لمرحلة القبول والتكيف مع الوضع وتنتهي الحسرة وتبقى الذكريات ، قد تكون هذه المرحلة الخامسة بعد أسابيع في الحالات البسطة وقد تستمر لسنه كاملة .

هذه المراحل تعتبر مراحل طبيعيه ولا تتطلب علاج بل أنها تتطلب إدراك الحدث وعدم الهروب، والطلب من الناس عدم البكاء على الميت غير صحيح لأن البكاء هو أمر صحي ومرحله على طريق التأقلم، وهناك من يستعين بالمهدئات حتى لا يبكي وهذا خطأ لأن المهدئات ستعيق التسلسل في هذه المرحلة.
عندما تطول مدة الحسرة أو تتحول للإكتئاب وخوف وقلق أو تؤدي لتهيؤات والخيالات وتغير السلوك تصبح بحاجه لتقييم المعالجة.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 52 – أمراض القهوة

همسات نفسيه – 52 –
أمراض القهوة

القهوة مشروب عالمي مفضل لا يفوقها في التجارة العالمية سوى النفط، ومن المؤكد علمياً أن شرب القهوة بكميات معتدلة لدى الأصحاء لا ضرر منه، ويبدو أن الإقبال العالمي على القهوة مرتبط بخواصها المنشطة والتي قد تكون مرهقه لدى البعض، والآثار المرهقة تعتمد على كميات القهوة والمشروبات الأخرى المصاحبة المحتوية على الكافيين، والفروق بين الأفراد ووجود مشاكل صحية أو نفسية لدى الأشخاص.
الكافيين ينشط الجهاز العصبي والقلب والعضلات وزيادة إفرازات المعدة وإدرار البول.
ويحتوي كوب الشاي أو فنجان القهوة أو المشروبات الغازية على الكافيين بمقدار 60 – 120 ملغم، و حديثاً إنتشرت مشروبات الطاقة و التي تحتوي على كميات متفاوتة من الكافيين وهو موجود بالقهوة والشاي.
ومظاهر الكافيين على الجسم عادةً ما تبدأ عندما تتخطى الجرعة 300 ملغم من الكافيين يومياً.
و هناك مظاهر تسمم الكافيين و فيها يبدو الشخص عصبي و متوتر و سريع الإنفعال و يواجه صعوبة في النوم و وجهه يميل للإحمرار، يزيد إدرار البول و يضطرب الجهاز الهضمي و تتوتر العضلات، و يكون الكلام في غير إنسيابه المعتاد، و يصاحب ذلك زياده في ضربات القلب أو إضطراب في إنتظامها، و قد يترافق هذا مع نشاط زائد و هياج في الأعصاب و هذا يحدث بكمية كافيين تتراوح بين 500 – 1000 ملغم ، و إذا نظرنا لمعدلات تناول الشاي و القهوة في بلادنا نجد أن الكثير من الناس يتجاوز العشرة فناجين من القهوة و العشرة أكواب من الشاي و هذا بالتأكيد يزيد عن 1000 ملغم من الكافيين بسهولة، ثم يبحث هؤلاء المتسممين بالكافيين عن منَّوم و مهدئ و علاج للمعدة و للإمعاء و سرعة ضربات القلب، و غالباً ما يكون هؤلاء الأشخاص من المدخنين و يتلاقى أثر الكافيين مع النيكوتين، مما يشعل ثنائي قاتل، و الغريب أن مثل هؤلاء الأفراد يجلسوا في صالات الإنتظار في العيادات و أقسام الطوارئ و هم يدخنوا و يشربوا القهوة ليعددوا هذه الأعراض، مع أعراض التدخين من سعال و مشاكل في الفم و الرئتين و الدورة الدموية، و بحكم حدوث هذا عند معظم الناس أصبح كأنه أمر طبيعي لا يناقش و لا يجوز التراجع عنه، و بالواقع أني أرى أن الكثير من مشاكلنا الصحية و حوادث السير و المشاكل السلوكية الشائعة تعود ولو جزئياً لهذه العادات التي إرتقت إلى ما فوق درجة المراجعة و المناقشة.
وهناك بعض مرضى القلق النفسي وما يعانوه من رهبه وتوتر وصداع والآم جسدية متعددة وصعوبة في النوم سيجدوا التحسن الفوري بمجرد وقف الكافيين، وإن توقف معه النيكوتين أيضاً فقد تنتهي مشكلتهم، وأما إضطرابات النوم الكثيرة والشائعة من صعوبة في بداية النوم أو تقطعه فهي من الأمور التي يصِّر البعض على أن لا علاقة لها بالقهوة، لا شك أن التجربة البسيطة بتخفيف القهوة أو التوقف عنها لبضعة أيام سوف تظهر الفرق.
فللإصحاء تكون النصيحة أن كوبين من الشاي أو فنجانين من القهوة هو أقصى ما يمكن قبوله يومياً، وأن إضافة الحليب للقهوة والشاي لا يغير من آثار الكافيين إلا التخفيف من التأثير على المعدة، وكما أن القهوة العربية التي عادة لا يدخلها الناس بالإحصاء ويكرروا صب القهوة لأنها كمية قليلة، ولكنها غالباً ما تحوي نسبة كبيرة من الكافيين الذي يتجَّمع مع غيره، وبالنسبة للشباب وهواة المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة عليهم أن يحذروا تجاوز الحدود.
وأما من يعاني من مرض عضوي أو نفسي فلا بأس أن يسأل طبيبة عن القهوة ورفاقها من المشروبات المحتوية على الكافيين.
ويمكن إعتبار مراقبة الإنسان لشربه من القهوة والشاي والمشروبات الغازية والطاقة من وسائل الوقاية الصحية والنفسية والجسدية.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية – 50 – النفس والجسد

همسات نفسيه – 50 –
النفس والجسد

الكل يعرف ما هو جسد الإنسان ولكن ما هي نفسه؟ وكيف ترتبط بجسده، وما هي العلاقة بينهما؟

أن النفس كما نعرفها الأن وهي ليست الروح، فما الروح إلا من علم ربي، أما النفس فهي شبكه هائلة من المراكز المتصلة بعضها في الدماغ، والدماغ يتكون من خلايا عصبية ترتبط ببعضها البعض بواسطة ألياف عصبية ولكن هذه الألياف والمسارات لا تتلامس بل يبقى هناك فراغ بين هذه الألياف والألياف الأخرى أو الخلايا الأخرى. وفي هذا الفراغ الذي يسمى المشبك العصبي، تفرز مواد كيماوية تعمل على توصيل الإشارة أو الموجه، وفي الدماغ مليارات الخلايا بعضها يتصل بالآف الخلايا، والمواد الكيماوية عند المشابك هي الأركسترا الإلهية فهي تنظم وظائف النفس من تفكير وإدراك وعواطف وإنفعال وذاكره وقدرات عقلية تعمل هذه السيمفونية جنباً إلى جنب مع وظائف الدماغ الأخرى المتعلقة بتنظيم ضربات القلب والتنفس والضغط والهضم ووظائف الغدد. وبالتالي فالنفس تقع وسط إزدحام مراكز القيادة الجسدية العليا في الإنسان وذلك في الدماغ. فكيف يمكن أن يفصل وظائفها عن وظائف الجسد وأمراضاها عن الأمراض الجسدية العضوية.

أذا كان هذا الوصف معقد فلتنظر لبعض الأمثلة الواقعية، الطالبة في فترة الأمتحانات المدرسية أو الجامعية قد تغيب عنها الدورة الشهرية وبعد أنتهاء فترة القلق تعود الدورة تلقائياً.

وكذلك ظهور بثور وتقرحات في الفم وعلى الشفتين نتيجة لفيروس، تظهر مع التوتر والضغوط النفسية وثم تختفي بعد تحسن الحال، فهذا الفيروس يجلس مترقب ضعف المناعة حتى يظهر والتوتر يقلل المناعة فلا غرابة أن تكثر الألتهابات في ظل الظروف النفسية الصعبة.

أصبح من المعروف الأن أن الإكتئاب يشكل أحد عوامل خطورة حدوث الجلطة القلبية مثله مثل زيادة الوزن والدهنيات و إرتفاع الضغط ، وبالتالي إهمال معالجة الإكتئاب تساهم في ظهور مشاكل القلب والسكري وغيرها من الأمراض ، ولا بد من علاجه دون إهمال ، وفي المرضى الذين يصابوا بجلطة بالقلب فإن إحتمال إصابتهم بالقلق و الإكتئاب عالي وإذا أهمل فإن مضاعفات ووفيات هؤلاء المرضى تزيد ، وهذا أيضاً صحيح لمن يصابوا بجلطات الدماغ وكثيراً ما يتبعها إكتئاب ، إذا لم يعالج فإن التحسن في الحركة والشلل الذي وقع يكون بطيئاً ونوعيه الحياة التي يعيشها هؤلاء المرضى تكون متأخرة .

أصبح من المعتاد أن يكون أحد أفراد الطاقم الطبي المعالج في مراكز وأقسام السرطان طبيب نفسي وذلك للأثر الهام للبعد النفسي لهؤلاء المرضى، ومن الواضح أن هناك مشاكل نفسية كثيرة ترافق السرطان وعلاجه، وإذا لم يتم الإنتباه لهذه المشاكل ومعالجتها فإن العلاج الكيماوي الشعاعي لا يكون بالكفاءة المطلوبة.

من الصعب على تخيل بعض الأقسام في المستشفيات دون رعاية نفسية مثل أقسام العناية الحثيثة وغسل الكلى والحروق، فهناك أمراض نفسية كثيرة في هذه الأقسام. قد تكون ناتجة عن الأمراض العضوية مثل مرضى الفشل الكلوي أو سبباً للحروق في حالات الإنتحار، أو مرافقة للأمراض العضوية في العناية الحثيثة، الإدمان من المشاكل التي تتجلى فيها المضاعفات الجسدية للسلوك الإدماني والمواد السامة التي تدخل الجسم ولا يمكن معالجة الإدمان دون الإكتراث لما وقع من أضرار على مختلف أعضاء الجسم، ومن أهمها الإيدز الذي قد يصل للمدمن عند أستعمال الحقن الوريدية الملوثة.

الكثير من العقاقير المستعملة في الطب قد تؤدي إلى مضاعفات نفسية، كما أن بعض الأدوية النفسية تؤدي لمضاعفات عضوية. ومن غير المعقول أن لا يكترث الطبيب المعالج للمريض بالعقاقير الأخرى التي يأخذها المريض من أطباء أخرين أو من تلقاء نفسه و خصوصاً
في كبار السن الذي تتعدد أمراضهم أدويتهم، حتى أنها تسبب للمسن الهذيان و الهلوسة في بعض الأحيان، هناك مشاكل صحية قد تبدو للناس أنها عضوية مثل التبول الليلي اللاإرادي أو الإضطرابات الجنسية و إضطرابات الطعام، وهي في الواقع مشاكل نفسية مظاهرها عضويه، وقد يكون بسبب المشاكل الجنسية أحياناً عضوي وفي أحيان أخرى نفسي ويمكن أن تكون الأسباب مشتركة عضويه ونفسيه.

بعض الأمراض النفسية الشائعة كالقلق والإكتئاب قد تبدأ بالظهور على شكل ألم في الصدر أو البطن أو الظهر أو تسارع ضربات القلب ولا يبدو أن هناك شكاوى نفسية ولكن الفحوصات السريرية والمخبرية والشعاعية تثبت عدم وجود مرض عضوي، ويبقى المريض محتار كيف يكون ألم صدره بلا سبب عضوي ولا يقتنع في كثير من الأحيان أنه يعاني من القلق أو الإكتئاب أو كليهما أو نوبات الفزع.

الكثير من إضطرابات الغدد تترافق مع مضاعفات نفسيه ويتوجه المريض للعلاج المناسب لزيادة إفراز الغدة الدرقية أو نقص إفرازها، وينتظر التحسن ويحدث التحسن العضوي ولكن التحسن النفسي من الإضطراب الذي رافق الحالة يبقى بحاجة للتشخيص والعلاج النفسي.

يمكن أن نلاحظ في الممارسة الطبية أسلوبين الأولى الممارسة التخصصية بحيث يقوم كل طبيب بالإهتمام بالإعراض التي لها علاقة بتخصصه دون الالتفات للأعراض الأخرى ، مثل أن يولى أختصاصي الجهاز الهضمي الإهتمام لأعراض الجهاز الهضمي ويقوم بالفحوصات اللازمة دون أن يلاحظ أن هناك أعراض أخرى ، وإذا وجد مرضاً في الجهاز الهضمي عالجه وإن لم يجد طمأن المريض ، وإذا كانت الأعراض مازالت قائمه فإن المريض يبدأ برحلة التنقل بين إختصاصي وأخر وهذا النمط من الممارسة الطبية غير مقبول ، أما الخط المقبول فهو الشمولي الذي يتناول شكاوي المريض دون إغفال أي جانب نفسي أو إجتماعي أو صحي أو سلوكي ، وهنا يكون الطبيب أقدر على التشخيص وتقديم العلاج للمريض أو تحويله للأختصاصي المناسب .

منظمة الصحة العالمية ترفض فكرة أن الصحة هي الخلو من الأمراض بل تعرف الصحة بأنها الرفاء النفسي والجسدي والإجتماعي ونوعية الحياة التي يعيشها الإنسان.

مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان

همسات نفسية -13- اضطراب المزاج مزدوج القطب الزهو الاكتئابي

همسات نفسيه -13-
اضطراب المزاج مزدوج القطب
الزهو الاكتئابي

المزاج من الوظائف النفسية الرئيسية والتي تعني درجة السعادة أو التعاسة التي يشعر بها الإنسان، وكلنا يتأرجح مزاجنا بين وقت لأخر ويوم لأخر ولكن ضمن حدود بسيطة ومقبولة، وهناك من الناس من يتصفوا بشخصيات مزاجيه يكون التأرجح عندهم أكثر وضوحاً وشده ولكنه لا يصل لحد المرض الذي يعطل الأداء للمهام اليومية، أما عندما يتخطى إرتفاع أو هبوط المزاج الحدود ويؤثر على الإنسان وأداءه ووظائفه وحياته فهو الزهو الاكتئابي أو إضطراب المزاج مزدوج القطب.

وهذا الإضطراب يصيب ما يزيد عن 2% من البشر في سن مبكرة ويستمر على شكل نوبات قد تستمر بضع أسابيع أو بضع شهور، وقد يكون التكرار كل بضع سنوات أو كل بضع شهور وفي هذا المرض ثلاث مراحل مختلفة.

المرحلة الأولى وهي الزهو أو الهوس وفيها يرتفع المزاج ويشعر المريض بأنه في أحسن حال وقد تغلب على كل مشاكله، ويكون لديه طاقة كبيره ونشاط زائد وكلام زائد وتدفق بالأفكار وتطاير من موضوع لأخر على سجع الكلام وليس المضمون ويشعر المريض بالقوة والعظمة، وقد يتوهم أنه يملك الملايين من الدنانير ويبدأ بالتصرف على هذا الأساس، ويتوارد في فكره العديد من المشاريع التي يرغب في تنفيذها، وقد يصل فيه النشاط أن لا ينام ولا يتوقف عن الكلام و قد ينسى الطعام، وفي

الحالات الأبسط يكون النوم قليل والنشاط متواصل، ومن الملاحظ أن المريض بهذه الحالة لا يكترث للقوانين والأعراف والأخلاق وقد يتصرف بما يتنافى مع أخلاقياته هو مثل أن يتهجم على فتاه أو أن تترك المرأة الحجاب وتخرج بملابس غير لائقة، وكان هذا المرض في العصور القديمة يؤدي للوفاة بسبب الإرهاق والتصرفات الطائشة، والمريض بالزهو قد يصبح عنيفاً إذا إعترضه أحد وحاول منعه من تنفيذ مشاريعه ومخططاته الكثيرة المتشعبة، والزهو قد يسبقه أو يعقبه إكتئاب.

المرحلة الثانية من المرض هي الإكتئاب وهو نقيض الزهو فيه هبوط بالمزاج والشعور بالحزن واليأس والهم والغم وفقدان القدرة على الاستمتاع، وفقدان القدرة على القيام بالعمل أو الدراسة أو أعمال البيت ، ويقل أكل المريض ونومه وحركته وتضعف ثقته بنفسه ويشعر بالصداع وألم الصدر والبطن والظهر ، ولا يرى من الأشياء إلا الجانب السلبي ويكرر التفكير بالخلاص من هذه المعاناة ويتمنى الموت ويفكر بالإنتحار وقد يقدم عليه ، ويشعر أنه فقد كل إمكاناته وقدراته والأمل في التحسن ، وإذا كان قد مر بحالة زهو إرتكب فيها الكثير من الأخطاء فتصبح هذه الأخطاء محط إهتمامه وتأنيب الضمير ، وقد يصل لتأنيب الضمير دون وجود مبرر لذلك، ومن الحالات ما تكون بسيطة وقصيرة ومنها ما تكون شديدة وقد ترافقها أعراض ذهانيه كالهلاوس والأوهام، فقد يشم المريض رائحة الموت وقد يسمع من يوبخه ويأمره بالإنتحار أو يرى الأموات في الأحلام وفي غير النوم، وقد يصل الأمر به أن يرى جنازته.

المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإستقرار وفيها يعود المريض للوضع الطبيعي تماماً، وتمتد لفترات قصيرة أيام أو أسابيع أو شهور وأحياناً سنوات، وفي السنوات الأولى للمرض تكون هذه المرحلة هي الأطول ولكن إذا أهمل المرض ولم يعالج فإنها تقصر تدريجياً وتزداد حالات الزهو والإكتئاب في المدة والشدة والتكرار وهذه الحالة قد تستقر بالعلاج.

وإذا ترك الزهو الإكتئابي بلا علاج فقد يكون له عواقب سيئة على الفرد وأسرته ومجتمعه ولكن إذا عولج فإنه يستطيع الإستمرار بالحياة بصوره طبيعيه إلى حد كبير.

وتلعب الوراثة دوراً مهماً في حدوث هذا المرض كما أن للشخصية والأحداث الحياتية دوراً في مسيرته وحاله، وعلاج المرض يقوم على مبدأ معالجة الحالة ألأنيه أذا كانت زهو أو إكتئاب والبدء بالمعالجة الوقائية بمثبتات المزاج. والإكتئاب يعالج بمضادات الإكتئاب والتي لا يجوز أن تستمر بعد إنتهاء الحالة لأن هذه الأدوية قد تعمل على زيادة حدوث الزهو وزيادة شدته ، وأما في الزهو فلابد من إستعمال مضادات الذهان والتي يحب البعض تسميتها بالمعقلات لوقف الحالة وبعد إنتهاء حالة الزهو لا يكون على الأغلب هناك حاجه لهذه الأدوية ، أما مثبتات المزاج أو الأدوية التي تنظم المزاج فهي أملاح الليثيوم أو مضادات الصرع والتي يجب أن تستمر في المراحل الثلاث ، وقد تكون منفردة في المرحلة الثالثة وهي الاستقرار ، وعلاج هذا المرض لا يوقف حتى لو ثبت المزاج لسنوات طويلة دون إنتكاس وكثيراً ما يخطئ المريض أو ذويه بإيقاف مثبت المزاج

لأنه قد تحسن ولا يعاني من شيء ولعدة سنوات، وما هي إلا أيام أو أسابيع وأحياناً شهور حتى تعود دائرة المرض من الزهو للإكتئاب وهكذا، والحالات البسيطة والمتوسطة هي الأكثر شيوعاً والتي تستقر بالعلاج ولا يبدو على المريض أي أثر للمرض ويكون تحت الإشراف النفسي المنظم، وهناك حالات شديدة في حدتها وسريعة في دورتها فلا يكاد يخرج المريض من الزهو فيدخل بالإكتئاب دون فتره إستقرار أو لفترات قصيرة من الاستقرار، وهذه الحالات تقتضي تدبيراً وعلاجاً أكثر دقه وتعقيد.
إن التطور الذي نم في معالجة هذا المرض في العقود الأخيرة كان تطوراً هائلاً، ومازالت الخطوات متسارعة في البحوث التي تحاول معرفة الجينات، التي تؤدي إليه وإمكانية الوصول لعلاج عن طريق الجينات وكذلك الأبحاث في مضادات الذهان والإكتئاب ومثبتات المزاج تتسارع في مختلف إنحاء العالم وتبشر بحياة أفضل ورعاية أرقى لهؤلاء المرضى وذويهم.
مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان