همسات نفسية – 558 – هل الصحة النفسية من الأولويات؟

همسات نفسية – 558 –
هل الصحة النفسية من الأولويات؟

لا زالت الكثير من الدول لا تعتبر الصحة النفسية من أولويات الخدمات الصحية وخصوصاً الدول العربية، وهذا خطأ متكرر حتى من الناحية الإقتصادية البحتة ناهيك عن الجوانب الصحية والإنسانية، ولا بد أن ننظر للموضوع من عدة زوايا: –
1. إن الصحة بتعريف منظمة الصحة العالمية هي الرفاه الجسدي و النفسي و الإجتماعي و نوعية الحياة التي يعيشها الفرد، و من هذا المنظور تكون الصحة النفسية ركناً أساسياً في صحة الناس، فلا معنى لمريض تم تغيير شرايينه التاجية و لكنه أصيب بالإكتئاب و لم يتعالج و لم يتم تأهيله إجتماعياً لتغيير نمط الحياة و بالتالي أصبحت حياته كرب و تغيير الشرايين أصبح خسارة، لإنه من المؤكد أن الوفيات خلال ستة شهور بعد الجلطة القلبية تتضاعف ثلاث مرات ما لم يتم معالجة الإكتئاب، و إذا لم يتم تأهيل المريض فإن عودته للتدخين و السمنة و إرتفاع الكولسترول و هذا يعني إغلاق الشرايين.
2. إن قائمة الأمراض التي تعيق البشر وتسبب لهم الإعاقة تشمل ستة أمراض نفسية من العشرة الأوائل، وهذا يعني أنه بالرغم من أن قائمة الوفيات تختلف وفيها أمراض القلب والسرطان من الأساسيات، إلا أن قائمة الإعاقة هي أكثر تأثيراً على إنتاج الناس ونوعية الحياة والرفاه النفسي والإجتماعي وبالتالي الرفاه الجسدي.
3. إن إهمال خدمات الصحة النفسية لا يعني إطلاقاً أن الإضطرابات النفسية سوف تختفي، بل أنها ستدخل للخدمات الطبية على شكل أعراض عضوية، وتؤدي لإستهلاك الكثير من الإمكانيات الطبية دون نتيجة، فتجد أن ثلث من يصل إلى عيادات الرعاية الصحية الأولية تكون شكاويهم نابعة من إضطرابات نفسية، وقد تصل نسبة الحالات النفسية في أقسام الأمراض الباطنية للربع، وبالتالي فإن الفاتورة الطبية النهائية ترتفع كلما أهملنا الصحة النفسية وخدماتها.
4. إن إهمال خدمات الصحة النفسية والوعي لها، تؤدي بالتأكيد لرواج المشعوذين والدجالين وأساليب العلاج الغير علمية والتي تستهلك أموالاً طائلة وتؤدي لأضرار صحية ونفسية على الفاتورة الطبية الوطنية تحملها.
5. تتداخل في كثير من الأحيان إدعاءات المتهمين بالجرائم بوجود مرض نفسي مع سير العدالة، وإذا لم تتوفر خدمات الطب النفسي القضائي بشكل ميسر فإن تقييم المتهمين وتفريق المرضى عن مدعي المرض لا تتم بالصورة الصحيحة مما يؤثر على سير المحاكمة ونتائجها وينتهي الأمر بتبرئة من يعاني من مرض والحكم على المريض.
6. إن إضطرابات التعلم والإضطرابات السلوكية والعاطفية تؤثر عل خمس طلاب المدارس، وفي غياب خدمات الصحة النفسية المدرسية فإن العملية التعليمية تتأثر ومخرجاتها تضعف ونفقاتها تزيد، و لا أظن أن هناك من سيخالف الرأي بأن اكتشاف حالة صعوبة تعلم في بداية الدراسة و توجيه الطالب للخدمات المناسبة لا يخدم مفهوم الصحة.
7. إن العناية بكبار السن تزداد أهمية مع تقدم المجتمع وزيادة معدل الأعمار، وزيادة كبار السن لا بد وأن تقترن بعدد كبار السن الذين يعانوا من مشاكل نفسية وإضطرابات في الذاكرة، وكبار السن يحتاجوا لعناية دقيقة في صحتهم ورعايتهم، ومن منا لا يرغب أن تكون شيخوخته صحية وألا يساء لكرامته عندما يصل لسن متقدمة، ناهيك عن الجهد والوقت والمال الضائع في حالة غياب الرعاية المناسبة.
فإذا كانت النظرة للصحة النفسية واسعة وحكيمة فلا شك أن أولويات الصحة والإنفاق الحكومي والخاص عليها ستكون منطقيه وقد أخذت بحسابها كافة العوامل والمتغيرات التي تؤثر على صحة الناس.
مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان