همسات نفسيه-1013- الاكتئاب النفسي

همسات نفسيه-1013-
الاكتئاب النفسي

أحد أهم الإضطرابات النفسية شيوعاً، ومن أكثر الأمراض اعاقة لحياة البشر، ومع ذلك فهو ما زال مهمل ولا يصل المصاب به للعلاج، وقد لا يعرف أنه مريض وإلى أين يتجه، وعلى مدار العقدين الماضيين أصبح للأمراض غير المعدية أهمية متزايدة في التأثير على حياة الناس، وسوف يكون الإكتئاب هو المعيق الثاني للبشر في عام 2020. كما أن الإكتئاب يؤدي للإنتحار في 15% من الحالات ويشكل الإكتئاب السبب الرئيسي للإنتحار، ناهيك عن أن الإكتئاب المهمل الغير معالج يزيد من الوفيات والجلطات الدماغية والقلبية وحدوث السكري وأمراض القلب، ويفاقم أمراض قائمة إذا لم يتم الإنتباه له كالسرطان والإيدز.
كل هذا يعني أن الإكتئاب ليس تشخيص فيه ترف بل هو في صميم حياة الناس، ويتداخل مع الأمراض الأخرى ويزيد من إعاقة الناس عن حياتهم ويزيد من تفاقم الوضع الصحي، واغفاله يعني عدم تلبية صحة الناس بصورة شمولية.
في المعدلات العالمية والتي تنطبق على المجتمع العربي 10% على الاقل من الناس يعانوا من أشكال مختلفة من الإكتئاب، والنساء أكثر تعرض له من الرجال، وعادة ما يصيب الناس في مقتبل العمر وسنوات الانتاج ويزداد مع تقدم العمر، وأصبح من المألوف أن يستعمل الإنسان العربي كلمة إكتئاب في حديثه وكأن الأمر معروف ومحسوم والواقع خلاف ذلك، وكثيراً ما تستعمل الكلمة للتعبير عن ضيق أو حزن أو هم او انزعاج أو توتر، وليس بالضرورة إضطراب نفسي له مواصفات محددة.

أعراض الإكتئاب تدور حول فقدان القدرة على الاستمتاع فلا يجد المريض متعة في الأشياء التي كان يستمتع بها، ولا رغبة للمبادرة بعمل الأشياء حتى الضروري منها، ويشعر بالحزن ولكنه حزن مختلف كماً ونوعاً عن الحزن العادي أو الطبيعي الذي يصاب به الإنسان عندما يكون هناك مبرر، مثل فقدان شخص عزيز بالوفاة، والحزن الإكتئابي يدور في محاور اليأس وفقدان الأمل وتمني الموت والإقدام على محاولة الإنتحار أو الإنتحار، وكما أن المكتئب تتأثر ثقته بنفسه ويبدأ بتقليل شأنه ويعتبر أنه فاشل ومقصر في كل شيء وينسى أي نجاح له ويعظم السلبيات، ويساوره شك في مدى اكتراث الناس به وبمعاناته حتى أقرب الناس إليه ومن هم مهتمين بأمره فعلاً، تتأثر وظائف الإنسان الحيوية في معظم الأحيان وتقل الشهية ويفقد المريض من وزنه، وكما يضطرب النوم، فيصحوا المريض مبكراً في مزاج سيء أو يكون نومه متقطع أو هناك صعوبة في بداية النوم، وقد تحدث كل إضطرابات النوم معاً ويصل الأمر بالمريض أن لا ينام لعدة أيام، يشعر المريض بالإرهاق الجسدي والاعياء ويفقد نشاطه المعتاد، ويترافق هذا مع ضعف التركيز والإنتباه وبالتالي ضعف تخزين المعلومات وذلك يشعره بأن النسيان قد بدأ وأنه سيفقد عقله، وتكون هذه الظاهرة واضحة أكثر في كبار السن، ويشكو مريض الإكتئاب من الألآم الجسدية مثل الصداع والم الصدر، والبطن والظهر والأطراف والمفاصل وهذه الشكوى تحدث في أكثر من ثلثي المرضى، وتسوقهم للأطباء والعيادات لمعالجة هذه الأعراض الجسدية دون ربطها بالحالة النفسية مما يؤخر التشخيص والعلاج، ويلاحظ أن مرضى الإكتئاب تكون أعراضهم في أشدها في الصباح الباكر وتخف نسبياً مع مرور اليوم، حتى أن البعض يظن أن حالته مرتبطة بالعمل لأنه يكون في الفترة الصباحية، أو تظن السيدة أن الأمر يتعلق بكونها لوحدها في البيت عندما يكون الزوج والأبناء خارج المنزل، والواقع أن هذه طبيعة الإكتئاب، في تغير المزاج خلال اليوم وفي أحيان قليلة يكون الإكتئاب أسوأ في المساء إذا كان مرتبط بالقلق.
يتغير النشاط الحركي للمريض بالإكتئاب فقد يكون قليل وبطيء الحركة والكلام، وهذا التباطؤ النفسي الحركي قد يكون بسيطاً ولكن في الأحوال الشديدة قد يصل بالمريض لحالة من الذهول وعدم الحركة، ويكون المريض مستلقيا على السرير بلا حركة أو تجاوب إلا بالنظرات المراقبة كالرادار، وأحياناً صعوبة الاستقرار والجلوس في مكان واحد، وقد يتصاعد الوضع ليصبح المريض في حالة هياج متفاوت الشدة.
تتأثر الرغبة الجنسية وتضعف وقد تنعدم عند الرجال والنساء كما يضطرب الاداء الجنسي، مما قد يتسبب أحياناً بمشاكل زوجية فيراود الزوجة شكوك ان الزوج على علاقة خارجيه او انه لم يعد يحبها، وقد يتهم الزوج زوجته بالإهمال والتقصير في كل واجباتها وليس من الغريب ان يصل الامر للطلاق.
كل هذا يعيق المريض بدرجات متفاوتة حسب شدة الحالة عن أداء وظائفه اليومية من دراسة أو عمل أو أعمال البيت، ويصبح مرتبك غير قادر على إتخاذ القرار، وقد تبكي المرأة في اي وقت ويحاول الرجل العربي منع نفسه من البكاء لأن هذا ليس من شيم الرجال!، ثم يبكي مرغماً في السر ثم في العلن، يترافق الإكتئاب في معظم الأحيان مع مظاهر القلق النفسي بما فيها التوتر والنزق والخوف من الأمراض والموت، والإحساس بأن هناك مصيبه سوف تحدث، وتزيد الألآم الجسدية وقلة النوم وقلة التركيز.

والنوع الشائع من الإكتئاب هو المختلط بأعراض القلق بدرجة بسيطة أو متوسطة، ولكن هناك أنواع شديدة كالإكتئاب الذهاني الذي يترافق مع هلاوس بصرية وسمعية وشمية وأوهام بأنه مذنب ويستحق الموت وقد خسر كل شيء في حياته دون أن يكون هناك صحة لهذا، ومن أشكال الإكتئاب الشائعة إكتئاب النفاس والذي يصيب المرأة بعد الولادة وفيه نفس الأعراض مع الاهتمام والقلق بالمولود أو رفضه وعدم قبوله، وهناك الإكتئاب الشتوي واللانمطي وفيها يكون هناك زيادة في الشهية والوزن وزيادة في النوم يتكرر هذا النوع في كل عام وكل موسم.
ومن المهم التفريق بين الإكتئاب منفرد القطب والذي يتكرر بين الحين والأخر ويتطلب معالجة واقيه لمنعة من التكرار, وبين الإكتئاب مزدوج القطب والذي يترافق مع إضطراب المزاج مزدوج القطب، وفيه يتبادل الإكتئاب الحدوث مع الزهو أو الهوس، والزهو يكون بعكس الإكتئاب ، فيه شعور بالسعادة والنشاط والطاقة الكبيرة، وزيادة في الكلام والحركة والتفكير، وتطاير الأفكار وعدم الحاجة للنوم والتوهم بالعظمة وتبذير المال والسلوكيات المندفعة ،دون ان يكون هذا النشاط منتج، وهذا النوع من الإكتئاب يعالج ضمن سياق معالجة إضطراب المزاج مزدوج القطب.
تعود أسباب الإكتئاب لعوامل متعددة منها وراثية وأخرى بيئية وإجتماعية ونفسية، وتختلط هذه العوامل لإحداث تغيير في الناقلات العصبية الكيماوية في مراكز التحكم بالمزاج في الدماغ، ويمكن مشاهدة ذلك من خلال التصوير الوظيفي للدماغ ,اما المريض فيتوه في موضوع الأسباب, فإذا استطاع ربط الإكتئاب في سبب معين مثل فقدان العمل فإنه يعتبر أن لا فائدة من معالجة الحالة طالما أن السبب سوف يستمر، وكذلك السيدة التي فقدت زوجها وتتحمل مسؤولية البيت والأطفال، تعتبر أن العلاج لن يعيد لها زوجها وبالتالي فلا فائدة منه، وأما المرضى الذين لا يستطيعوا إيجاد سبب للاكتئاب فيزدادوا هماً وحزناً لأنه لا يوجد سبب للإكتئاب، وماذا سيفعل العلاج طالما أنه لا يوجد سبب يعالجه، والواقع أننا لا نعالج أسباب بل نعالج مرض بغض النظر إذا ما كان هناك سبب واضح أو غير واضح، وفي بعض الحالات يكون الإكتئاب ناتج عن مرض واضح في الغدد أو المفاصل وحتى بعد معالجة هذه الأمراض لابد من معالجة الإكتئاب.
وأما علاج الإكتئاب فله ثلاثة وسائل، أولها العلاج النفسي وهو العلاج بالكلام بوسائل متعددة تعرف بالعلاج المعرفي والسلوكي والتحليلي، وهذه أساليب فعاله ومهمة في التخلص من الإكتئاب، ودائماً يكون العلاج النفسي والاجتماعي الداعم ضروري مع اي معالجات أخرى.
العلاج الثاني هو بأدوية تسمى مضادات الإكتئاب وهي أدوية نوعية تصحح الخلل الكيماوي في الدماغ، وتأخذ بضع اسابيع حتى يبدأ مفعولها، وبعد أن يستقر المريض فإنه يكون بحاجة لإكمال العلاج لمدة سنه على الأقل تبعاً لشدة ونوع وعدد النوبات السابقة، وقد تطورت هذه الأدوية تطوراً كبيراً في العقدين الماضيين.
والعلاج الثالث هو العلاج بالحث المغناطيسي أو الكهربائي للدماغ فمن المعروف منذ عقود أن العلاج بالإختلاج الكهربائي فعّال في معالجة الإكتئاب وخصوصاً الشديد، ومؤخراً ظهر أساليب جديدة في حث الدماغ مغناطيسياً وهي أيضاً تعطي نتائج جيدة.

والسؤال الهام دائماً هل يمكن أن يستطيع الأنسان أن يقي نفسه من الإكتئاب؟، والواقع أن الوقاية من الإكتئاب لها ثلاث مستويات، الأول منع حدوثه نهائياً وهذا يعني الأكل المتوازن والنشاط العقلي والجسدي المعتدل ، وتجنب المؤثرات العقلية بمختلف أشكالها سواءاً كانت مهدئات أو كحول أو مخدرات مما يقلل من حدوثه، والمستوى الثاني هو الإكتشاف المبكر للإكتئاب والوصول للعلاج قبل تفاقمه وهذا يحتاج لوعي الفرد والمجتمع والعاملين في الرعاية الصحية الأولية، أما المستوى الثالث فهو منع التكرار، فالإكتئاب بعد علاجه ممكن أن يتكرر عند حوالي نصف من عولجوا للمرة الأولى ولابد أن يعرف المريض بعد شفائه أن هناك إمكانية تكرار، وأن عليه أن يعود للمعالجة فور شعوره بظهور الأعراض، ويكون له خبره لا تسمح بتفاقم المرض وتأخير العلاج ,وأما بعد الإكتئاب للمرة الثانية فإن إحتمال الإكتئاب يرتفع، وبعد المرة الثالثة يصبح المريض بحاجة للعلاج الوقائي طويل الأمد.
من الواضح أن الإكتئاب يتربع على قائمة الأمراض المنتشرة والمؤثرة على حياة البشر ولكنه مرض قابل للعلاج مهما كانت شدته أو تكراره، ولابد من الإهتمام به كجزء من الإهتمام بالصحة النفسية والتي هي جزء لا يتجزأ من صحة الإنسان بشكلٍ عام.
مستشار الطب النفسي
الدكتور وليد سرحان
عمان – الأردن