همسات نفسيه – 121 –

الذهان الزوري

لنبدأ أولاً بتعريف الذهان الزوري Paranoid Psychosis ، أو البارانويا، هو مرض نفسي من الأمراض التي تصيب البالغين من الجنسين، ويؤثر على التفكير دون المساس بالإدراك والشخصية، حيث يدور التفكير حول مجموعة هائلة من الأوهام الأضطهادية وأوهام الإشارة للذات التي ينطوي فيها شيئاً من الشعور بالعظمة. والأوهام الإضطهادية هي إعتقادات خاطئة بأن هناك شخص أو أكثر أو جهة معينة أو هيئة تضمر له الشر وتدبر له المكائد والمؤامرات، وقد تكون هذه الجهة المتهمة هي الشركة التي يعمل بها أو المؤسسة أو الدائرة التي له علاقة مباشرة بها، أو أن تكون جهة بعيدة مثل أجهزة الأمن. وفي أحيان أخرى يتصور المريض أن أقرب الناس إليه هو عدوه الذي يدبر المؤامرات و يصيغها. ولحبك القصة ووضعها في تسلسل قريب للمنطق ، يستعين المريض بأوهام الإشارة للذات ويقصد بها ، أنه يفسر كل ما يجري حوله من أحداث على أنها متعلقة به، فإذا تكلم إثنان فلا بد وأنهما يتحدثان عنه ويدبران له المكائد، وإذا مزح أحدهم مع الآخر أعتبر هذا تلميح له معاني عميقة وبعيدة ، ومن خلال هذا الربط الخاطئ للأحداث والأمور يخرج بنتائج خاطئة تؤيد صحة مزاعمه الإضطهادية في رأيه.

قد يبدأ المرض بشكل مفاجئ أو يتسلل تدريجياً، في شخص شكاك بطبعه، و متعالي، ولا يثق بالناس، وتكون شكواه في البداية مقبولة إلى حد ما، ممن حوله على إعتبار أنهم قد إعتادوا على تذمره أو تشككه في الناس، إلا أن الأمر عادة ما يبدأ بالتسارع ويصبح المرض واضح المعالم للمقربين منه، ولكن أمام الأغراب، وفي الأحاديث العادية قد لا يلاحظ عليه أي إختلاف، وهذا قد يؤدي في كثير من الأحيان لإعتبار هذا الشخص مشاكس وصعب وقد يطرد من عمله أو يستقيل، وكلما بدأ عملاً جديداً عادت القصة من جديد وتصاعدت، وقد يقوم بعض المرضى بتقديم شكاوي لمراكز الأمن والمحاكم ضد من يعتقدون أنهم يدبرون المؤامرات، وغالباً ما يضيعون وقت رجال الأمن لأن الشكوى تكون دون دليل سوى أوهام الإشارة للذات والأوهام الاضطهادية. وقد نتساءل وأين العظمة في هذا، ألا ترى أنه إذا تأمرت عليك مؤسستك وأسرتك وكل مكان عملت به هو دليل غير مباشر على شعورك أنك شخص مهم يحسب له ألف حساب. والصعوبة في هذا المرض ليست في تشخيصه أو علاجه، أنما في إيصال المريض للعلاج، فمن المستحيل أن يقبل المريض في بداية الحالة أن يناقش أوهامه، وسوف يتهم كل من يقول هذا بالتأمر، ولكنه غالباً ما يعاني من إرهاق والصداع وقلة النوم والعصبية والكآبة، وهذه الأعراض قد تكون هي المدخل المقبول في العلاج وليس بحث الأوهام ، لأنها أفكار خاطئة لا تقبل النقاش المنطقي ولا يمكن تغييرها إلا بالعلاج .

إن العلاج في هذه الحالة يتركز بالدرجة الأولى على تصحيح الخطأ الكيماوي الذي يحدث في الدماغ بأدوية تسمى مضادات الذهان، وبعد ذلك عندما تتزعزع هذه الأوهام يبدأ النقاش والتوضيح والعلاج النفسي الداعم. وإقامة علاقة من الثقة بين المريض والطبيب، والتحسن أكيد مع متابعة العلاج، والتعاون من قبل المريض وذويه ضروري ولا غنى عنه ، وإذا كنت قد عانيت من هذه الحالة أو أنك تواجهها فلا بأس من مناقشتها مع الطبيب الذي يستطيع أن يساعدك في تحديد المشكلة ومن ثم علاجها دون أن تعرض عملك و أستقرارك للخط، وإذا كان احد من أفراد الأسرة يرفض الذهاب للطبيب أو المعالجة فلا بأس أن تقوم أنت بزيارة الطبيب وشرح الحالة وظروفها ووضع الخطة المناسبة للعلاج حسب ما يرى الطبيب .