همسات نفسية – 127 – تدريس الأطفال

تدريس الأطفال

من الملاحظ أنه على مدى العقدين الماضيين تتزايد ظاهرة قيام الأهل بتدريس الأطفال، وبذل الجهد في تحفيظهم الدروس وقضاء ساعات طويلة من اليوم في حل المسائل والتسميع والنسخ وخلافه. لاشك أن من واجب الوالدين متابعة دراسة أطفالهم وخصوصاً في الصفوف الإبتدائية المبكرة ومراقبة التزامهم بالواجبات الدراسية . ويبدو أنه خصوصاً في بعض فئات المجتمع تزداد هذه الظاهرة، فهي أكثر أنتشاراً بين الأسر المتعلمة وطلاب المدارس الخاصة. وهناك تنافس شديد بين الطلاب وعائلاتهم للتفوق والحصول على معدلات أعلى، كما أن بعض المدارس الخاصة تتنافس في تضخيم المنهاج والإضافة إليه والإكثار من اللغة الإنجليزية والفرنسية، وإعطاء المواد اللامنهجية والهوايات، التي سرعان ما تتحول لتصبح شبه إلزامية، و مجال أخر للتنافس المرهق ودور جديد للأهل. والكثيريون من الأمهات يمضون ساعات طويلة في تدريس طلاب الصفوف الإبتدائية الأولى، مما يرهق أعصابهم ويوتر الأطفال ويؤدي للكثير من الصدمات والمشاكل في الأسرة. وخصوصاً إذا كان هناك عدة أطفال ملتحقين بالدراسة، ولا خلاف أن أساس هذه الظاهرة هو صحي وإيجابي وهو الحماس للتعليم والتفوق و الإهتمام بمستقبل الأبناء وإعطاءهم أفضل الفرص، إلا أن المبالغة تنقلب رأساً على عقب، وترى طفل في الثامنة من عمره يسهر حتى منتصف الليل يكرر دروسه وهو شبه نائم والوالدان يوفران الحراسة والمساعدة، حتى أن الأم تقوم بالدراسة والحفظ مع إبنها، والهدف حفظ المادة بشكل كامل، وكأن الحياة العصرية تتطلب من كل الأطفال التفوق بغض النظر عن قدراتهم !.

لاشك أن الطفل الذي سيبدأ من الروضة بالدراسة المكثفة والساعات الإجبارية الطويلة في الدراسة ، تفوق تحمله وقدراته ، سيكره الدراسة وينفر من والديه ويقل تحصيله بدلاً من إزدياده ، ويصل الطفل لنوع من العداء مع المدرسة والكتاب والأهل. وسيصبح معتمداً أعتماداً كلياً على والديه ولا يشعر بالمسؤولية تجاه ما يطلب منه في المدرسة وكأن أمه ستقدم عنه الإمتحانات، وهذا فعلاً ما نسمعه من بعض الأمهات (بأن عليها إمتحانات)، وقد يتلقى الطفل المواد الدراسية بملعقة ذهبية في بيته، ويذهب إلى المدرسة غير مكترث للإهتمام ومتابعة الدرس لأن هناك من سيعوضه عنها، هذا الطالب بلا شك سيصل إلى درجة من الإعتماد على ذويه تمنعه من الإستقلالية و الإعتماد على نفسه بعد المرحلة الإعدادية وقد يؤثر على دراسته الجامعية.

وهنا يتبادر إلى الذهن تساءلاً هاماً: ما هو واجبنا تجاه أطفالنا وهم على مقاعد الدراسة، هل نقف متفرجين ؟ إنهم لا يأبهون أو يمضون أوقاتهم في اللعب ، وهم لن يحصلوا على معدلات مرتفعه بدون مساعدتنا، هذه الشكاوي لا تبرر أخذ المسؤولية عن الطفل، إن على الأسرة والوالدين بالذات أن يتابعوا أطفالهم ويراقبوا ويوجهوا دراستهم ويزوروا مدرستهم، ويتناقشوا مع المدرسين ويتحاوروا في تقدم أو تأخر ولدهم ، يتابعوا في البيت أداءه للواجبات الدراسية ويساعدونه في تنظيم وقته، للدراسة ووقت للعب ووقت أخر، وهناك مجال لمتابعة أفلام الكرتون أيضاً ، وهذه المتابعة لا تشمل الجلوس مع الطفل ومتابعته لحظة بلحظة وتحفيظه والتسميع له، وإظهار الإنفعال والغيرة على الدراسة وكأنها أمر يعنينا نحن الكبار ويخصنا ولا يعني الطفل.

ويتبادر إلى الذهن أيضاَ سؤالاً أخر نطرحه على الأباء والأمهات وهو “كيف درس جيلكم”؟ هل قام آباؤكم بتدريسكم وسهر الليالي وحمل المسؤولية عنكم ، أم أنكم أعتمدتم على أنفسكم؟ هل لقنتم كل شيء، وهل كان هناك من يحل وظائفكم؟ بالتأكيد لا، فلماذا هذا التغيير، لماذا المبالغة في الإهتمام، لاشك أن الموقف يحتاج للمراجعة، وإعادة التقييم من قبل التربويين والمسئولين في وزارة التربية والتعليم والمدارس الخاصة وأساتذة الجامعات وغيرهم لدراسة هذه الظاهرة ومحاولة معرفة تحديد أسبابها ، وتوجيه الناس إلى الشكل المناسب في التعامل مع هذه المسألة.