همسات نفسية – 147 – التردد في زيارة الطبيب النفسي

التردد في زيارة الطبيب النفسي

إن زيارة الطبيب النفسي في المجتمع العربي مازالت محاطة بالكثير من الشكوك والهواجس والأخطاء الشائعة والحيرة والخوف من الوصمة، وهذا مما يؤدي إلى إعاقة مساعدة المريض النفسي العربي على الشفاء والعودة للحياة الطبيعية، وسأستعرض فيما يلي بعض المفاهيم الخاطئة:

1- عدم القناعة أن الطب النفسي هو علم: يظن الناس أن الطب النفسي ما هو إلا فلسفة نظرية لا تقوم على أي أسس من البحث والتجربة والإطلاع، وبالتالي لا يعتبروه أحد فروع الطب الجادة ، وينظروا إليه نظرة دونية غريبة، والواقع أنه ليس هناك مجال للإعتراف أو عدم الإعتراف في أي علم من العلوم، ولكن بإعتقادي أن الجهل في ماهية هذا الطب تولد عدم القناعة ، كما أن هناك إحساس عام لدى الناس بأن هذا العلم كونه لا يعتمد على مقاييس ملموسة، كصور الأشعة ونسب السكر في الدم وغيرها، فإذاً هو يقوم على أساس نظري ومن الممكن لأي شخص أن يطبقه وليس بالضرورة الطبيب النفسي، بمعنى أن الشخص العادي يعتقد أن بإمكانه أن يحدد ما هو القلق أو الإكتئاب لأن هذه الكلمات بسيطة وشائعة، ويظن أنه يفهمها ويعرف كيف يشخص وحتى كيف يعالج هذه الحالات، متناسياً أن ثلث مراجعي عيادات الطب العام في العالم هم من المرضى النفسيين.
2- عدم القدرة على فهم العلاقة الشائكة بين الجسد والنفس: لازال الكثير من الناس يعتقد أن النفس شيء وهمي هوائي غير موجود ولا محسوس، وأن الجسد فقط هو يعنى به الطب ، هنا لابد من التأكيد على أن النفس كما هي معروفة الآن هي مجموعة من المراكز في الدماغ ، تقوم بتنظيم الوظائف النفسية المختلفة ، وبالتالي إذا أراد هؤلاء حلاً لهذا الإشكال فإن النفس جزءاً من الدماغ وبالتالي جزءاً من الجسد، بل هي أعظم الأجزاء في تنظيمها وتنسيقها ، فقد أقسم بها الله سبحانه وتعالى بها دون غيرها من أعضاء الجسم ( ونفسٍ وما سوّاها ) .
3- خلط النفس بالروح: هذا الخلط يأتي من مفهوم أن النفس شيء غير محسوس وغير معروف، وكذلك الروح غير محسوسة وغير معروفة فهما نفس الشيء وهذا أمر مخالف تماماً لكل المفاهيم العلمية والدينية ، فالنفس هي شبكة الأعصاب والمشابك العصبية والخلايا العصبية التي تتعامل مع بعضها البعض كيميائياً، بينما الروح لا يستطيع العلم التدخل بها وما الروح إلا من علم ربي .
4- الإعتقاد بأن الطبيب النفسي يتعامل مع الجنون : ينغرس في ذهن المواطن العربي أن الجنون هو ذاك المرض الذي يشاهده على التلفزيون ، والذي فيه شخص يتصرف بطريقة غريبة وعجيبة ويعفر التراب على رأسه ويصيح في الشارع ، وأنه طالما لم تنطبق عليه هذه المواصفات فهو ليس بحاجة لطبيب نفسي ، وحقيقة الأمر أن مفهوم الجنون ليس وارد حالياً في التقسيمات الطبية العالمية ، وأن هناك عشرات الأمراض لكل منها وسائل تشخيصه وصفاته الخاصة ، وقد لا يلاحظ على المريض النفسي أي أمر يثير الشبهات .
5- الإعتقاد أن العلاج النفسي ما هو إلا مهدئات : هذا الإعتقاد أمتد عبر العقدين الماضيين بحيث أن القناعة لدى الكثيرين ، أن هذا العلم يحاول أن يظهر بصورة مبكرة ، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيء سوى حبة مهدئ تؤدي إلى الإدمان ، متناسين النقطة الأساسية أن أحد واجبات الطب النفسي الأساسية وتفرعاته هو طب نفسي الإدمان .
6- عدم معرفة الأمراض والتفرعات التي يحويها الطب النفسي : الطب النفسي يقسم إلى العديد من التفرعات ، منها طب نفسي الأطفال والمراهقين ، طب نفسي الشيخوخة ، طب نفسي البالغين ، طب نفسي المجتمع ، طب نفسي الإدمان ، طب نفسي العلاج النفسي ، الطب النفسي القضائي ، الطب النفسي العضوي ، الطب النفسي الذي يتخصص في أمراض معينة مثل إضطرابات الغذاء أو إضطرابات النوم وما إلى ذلك ، وكما أن فروع أخرى في الطب النفسي مثل علم الجنس لا يبدو أن الناس تعرف أن مشاكل الجنس المختلفة في أغلبها ليست عضوية وأن المكان الصحيح لعلاجها هو الطب النفسي . ولا يعرف أيضاً الكثيرون بأن الإعاقة العقلية هي من الإختصاصات الفرعية للطب النفسي ، وكذلك بعض أنواع الصرع والخرف وإصابات الدماغ وما يليها ، والجلطات الدماغية والأورام الدماغية بعد أن يتم معالجتها من قبل أطباء الأعصاب .
7- الإعتقاد بأن الطب النفسي هو فلسفة غربية مستوردة : هذا أمر يثير الدهشة و الإستغراب ، فالطب النفسي لم يبدأ مع فرويد طبيب الأعصاب في فينا في القرن التاسع عشر ، بل بدأ قبل ذلك بقرون عديدة من أبقراط إلى غيره حتى جاء الأطباء العرب المسلمون أمثال إبن سينا والرازي ووضعوا الأسس العلمية وقسموا الأمراض النفسية لأول مرة في التاريخ ، وكانت كتابات الغزالي هي مقدمة لعلم النفس التربوي قبل ألف عام .
8- الخوف من تأثير زيارة الطبيب النفسي على أهلية الفرد أو العمل أو الزواج أو التجارة : إن هذه فكرة شائعة غريبة لأن القوانين في مختلف الدول لا تحاسب من يزور طبيب نفسي ، ولا تفقد الزائر للطبيب النفسي أو المراجع أهليته ، وأنه في نهاية الأمر عند طرح سؤال الأهلية فإنه يطرح على الطبيب النفسي ، وبالتالي فإن فكرة فقدان الأهلية لمجرد زيارة الطبيب النفسي فكرة مغلوطة تماماً ولا مجال لها ، وأن من لديه مرض أو مشكلة قد يكون الدفاع الوحيد للمحافظة على وضعه وأموره هو كونه تحت إشراف طبيب نفسي يكون خير من يدافع عنه إذا أقتضى الأمر .
9- عدم معرفة السرية المطلقة التي يحملها هذا الفرع من الطب : من المعتاد أن ممارسة الطب في كل أنحاء الأرض تحمل طابع السرية ، إلا أنها لا تكون بتلك الدرجة من السرية في الحالات العادية كالولادة وعمليات الزائدة أو ذبحة صدرية وخلافه ، أما في القضايا النفسية فهي حساسة جداً وخصوصاً في المجتمع العربي ، وأن السرية في التعامل مع الأمر هي سرية مطلقة بحكم القانون والأخلاق الطبية ، ولا يجوز لأحد أن يعطي تقريراً عن مريض نفسي إلا محاكم إذا كان هناك قضية معروضة .
10- الخلط بين الطب النفسي وطب الأعصاب وعلم النفس : إن هذا الخلط الغريب أحيانً يكون ناشئ من قبل المريض وذويه ، إذ أن كلمة طب أعصاب أو أعصاب تعبانه ، هي أكثر قبولاً وأسهل هضماً عليهم من الطب النفسي ، كما أن هناك بعض الأطباء في مختلف الإختصاصات قد يعززوا مثل هذا التوجه ، والخلط مع علم النفس فإن علم النفس علماً كبيراً له تفرعاته العديدة ، والذي يحمل البكالوريوس في علم النفس هو درجة للدخول في ميدان العلوم النفسية ، وبعض هذه التفرعات لعلم النفس مثل علم النفس الصناعي أو علم النفس الجنائي ، وعلم نفس التجريبي ، هي علوم لا تتعلق بالإنسان مباشرة من حيث صحته ومرضه ، ولكنه لعلم النفس الإكلينيكي والإرشادي وعلم نفس القياس دور هام ، وهي تعتبر مهنة مكملة للطب النفسي وليست منافسة .
11- عدم معرفة مدى إنتشار الأمراض النفسية : يعتقد المواطن العربي حتى المثقفين منهم أن الأمراض النفسية شئ نادرة الحدوث وقليل ولا أهمية له ، ويعرف بأن الأمراض النفسية في مجموعها تصيب أكثر من خمس السكان وأن ذلك الإنتشار يؤثر على الخدمات ويرهق موازنات المؤسسات والدول إذا لم يكن هناك إنتباه له ، وهناك أمراض شائعة بحيث أن القلق النفسي على سبيل المثال يصيب 3% من السكان ، الأمراض الذهانية 3% ، الإكتئاب النفسي يتأرجح بين ما بين 5-8% ، إضطرابات الأطفال قد تتجاوز 10% ، كل هذه الأرقام غير معروفة وواضحة للناس .
12- قلة الوعي النفسي : يلاحظ أن التثقيف الصحي عموماً في البلاد العربية ما زال ضعيفاً ، والتثقيف الصحي النفسي يكاد يكون معدوماً في معظم الدول العربية ، حتى على مستوى المهن الطبية وطلاب الطب وكليات التمريض والحقوق وعلم الإجتماع وغيرها ، من المجالات التي يتطلب طبيعة عمل من يحصل على تلك الشهادة فيها التعامل في أمور نفسية ، وعلى الصعيد الشعبي فإن الوعي النفسي يكاد يكون أيضاً معدوماً ، وقد يكون في بعض البلاد والمناطق في تراجع مع الأسف .
13- أثر الشعوذة : لا شك أن للشعوذة أثر هائل في إعاقة وصول المريض للطب النفسي ، وفي إنتقاد الطب النفسي وفي تحويل الفصام إلى تلبس جن وفي تحويل أمراض كثيرة إلى خزعبلات وأفكار ليس لها أصول ومعايير ، وأن ممارسي الشعوذة هؤلاء ليسوا معرفين لا بشهادة ولا بخبرة ولا بترخيص وقد يكونوا من أصحاب السوابق الجرمية أو من المرضى من ذوي الأمراض النفسية المستعصية .
14- ضعف الخدمات النفسية وكوادرها : إن ضعف هذه الخدمات في مختلف الدول العربية يجعل من الطبيعي أن يلجأ المرضى إلى إختصاصات أخرى أو إلى المشعوذين أو إلى ما يسمى بالطب الشعبي ، وكون هذه الخدمات أحياناً متركزة في المدن الكبرى فقط وبعيدة عن الأرياف والبداية ، ولا يوجد العدد الكافي من الأطباء النفسيين والفريق النفسي الذي يعمل معهم من ممرضين نفسيين وباحثين إجتماعيين و إختصاصي علم نفس و إختصاصيي معالجة مهنية وتأهيل وعلاج نفسي وغيرها ، تجعل من الصعب على هذه الخدمات المرهقة بالعمل أن تقوم بعمليات التوعية ، وإذا تثقف الناس فلن يجدوا الخدمات المطلوبة .
15- الخوف من الوصمة الإجتماعية : إن الوصمة الإجتماعية في المجتمع العربي ما زالت قائمة ، وقد يتأثر البعض بأن الأسرة سيقال أن لديها مريض نفسي أو معاق أو مجنون ، وهذا قد يمنع أخواته البنات في الأسرة من الزواج أو أن يؤثر على الوضع الإجتماعي لتلك الأسرة ، وهذا الأمر في كثير من الأحيان يمنع الأفراد من الوصول إلى العلاج على إعتبار أن مجرد وصولهم للعلاج سيعني نشر الخبر في المجتمع ، وهذا أمر غريب لأن وصول المريض للعلاج لن يعني أن شيء ولن يعني نشر الخبر في أي مكان لأن الأسرة لها القدرة على التحفظ بالطريقة التي تراها مناسبة لعدم إحداث تلك الوصمة ، والأطباء النفسيين والعاملون في هذا المجال يتفهموا هذه النقطة ويتعاملوا معها بكل الحذر المطلوب .

وأملي أن يأتي اليوم الذي يتوقف هذا التردد والخوف من زيارة الطبيب النفسي وتصبح زيارته مثل زيارة أي طبيب آخر مبنية على حاجة المريض لذلك ومتطلبات علاج حالته بما يخدم صحة المواطن العربي وتنميته بالإتجاه السليم

الدكتور وليد سرحان
0096265335446